لقد إعترض الكثيرون على عبارة (نهاية دولة إسمها العراق) وقال اخرون لا يمكن أن تنتهي دولة وفيها مراقد أهل البيت (ع)، وإني وإن كنت أرفض هذه المقولة وأسأل ألله أن لا نصل إلى هذه النتيجة ولكن أؤكد خطورة الوضع وإمكانية حصول مانخشى منه، لقد خاطبني أحد الإخوة الأعزاء بخطاب وجوب بث الأمل وعدم بث اليأس، فكان جوابي له كألآتي:
أخي العزيز إن ما ذكرته من وجوب بث روح الأمل صحيح، ولكني لا أخفيك سراً أني أتمزق عندما أرى هؤلاء الذين يقودون البلد إلى الإنهيار غير عابئين بأي مقترح بناء لحفظ البلد وحمايته، لذلك عندما أجد نفسي عاجزاً عن إصلاح الوضع فليس امامي إلا أن أحذر الناس مما ينتظرهم، ولا يكفي ذلك بل يجب ان يتحركوا لإرغام المسؤولين على إصلاح الوضع، يجب علي أن أعرفهم بالحقيقة وبخطورة الوضع، وليس في كلامي اي مبالغة أو أي إدعاء خلاف الواقع، ثم انظر إلى وضعنا الحالي، أليس العراق الذي ندعيه لا وجود له اليوم، هل رئيس وزراء العراق يحكم اليوم أراضي كردستان؟، هل رئيس وزراء العراق يحكم اليوم الأراضي التي تحتلها داعش؟، ثم إن أخرجنا داعش فهل سنضمن أن تلك المناطق سترجع إلى سابق عهدها بأمرة الدولة العراقية؟، أقول إن شاء ألله ترجع ولكن يجب التحذير من المخاطر، ثم هل يستطيع المواطن الشريف أن يضمن تنقله في بغداد من دون الخوف من انفجار او خطف او قتل؟، ماهي قيمة البلد ان لم يوفر لأهله الأمان؟، وما هي قيمته إن لم يوفر لهم الخدمات الأساسية والضرورية لكل ابناء المجتمع؟، ما هي قيمته ان لم يوفر لهم الحياة العزيزة والكريمة؟، ما هي قيمته إن لم يوفر لهم مجال العمل؟، ماهي قيمته إن لم يوفر لهم لقمة العيش الكريمة؟، أليس أكثر من٣٠٪ من ابناء شعبنا يعيشون تحت خط الفقر!!! اليس هروب الآلاف المؤلفة من الناس وتضحيتهم بحياتهم من أجل السكن خارج وطنهم دليل على إن مفهوم الوطن قد إنتهى بالنسبة لهم…. ما هي قيمة الوطن إن كان الحكام موغلين في الفساد ويسرقوا قوت المواطن من فمه ويملؤا بطونهم بأموال السحت والحرام؟؟؟ اخي العزيز ليس في كلامي اي مبالغة،، ولن يبني الوطن تلك الحفنة من السياسيين المفسدين، إن الذي يبني الوطن هم ابناء شعبه الغيارى عليه،،، إن تضاهرات ابناء شعبنا دليل على حياته وتعطينا الأمل لإنهاء الفساد والقضاء علي المفسدين،، لذلك وجب علي أن أكون صادقاً مع ابناء شعبنا،، فبيدهم هم وحدهم إنقاذ بلدنا من الدمار والتمزق والإنهيار،،،إني أتعجب من مقولات البعض (إن البلد الذي فيه مراقد آل البيت لن ينتهي) وكأني عندما أقول ينتهي أقصد بركاناً ينفجر أو زلزالاً يبتلع مراقد أئمة أهل البيت (ع) ، العراق بحدوده اليوم قد تم رسمه عام ١٩١٦ ضمن معاهدة (سايكس بيكو)،،، وقد تغيرت تلك الحدود عشرات المرات خلال المئات من السنين، إن شاء ألله لن تتغير،، ولكن من يضمن ذلك،،، أعجب لمن يقول أن العراق لن ينتهي مادام فيه مرقد الحسين (ع)، هل نسي هؤلاء إن الحسين (ع) قد قتل في العراق، أيهما أعظم عند الله، قتل الحسين (ع)، ام حدود العراق تبعاً لإتفاقية سايكس بيكو، أنا لا أعترف بإتفاقية سايكس بيكو، بل أعترف بقوله تعالى (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) وقوله تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، فعقائد الديانات السماوية؛ الإسلام بكافة فرقه يؤمنون بمجيء ألمهدي والمسيح عليهما السلام، والمسيحية يؤمنون بمجيء المسيح (ع) بل حتى بعض الفرق اليهودية يؤمنون بذلك، وهذا يؤكد خاتمة العالم بدولة واحدة وبحكومة واحدة يقودها من هم بمصاف ألأنبياء بل نبي الله وعباد الله الصالحون ، دولة العدل والقسط والسلام والأمان،،، وليس ذلك على الله ببعيد، بل هي حتمية مستقبلية بإرادة الله ومشيئته….
حوار مع صحيفة البينة الجديدة
وزير الإتصالات السابق محمد توفيق علاوي في حوار مطول مع (البينة الجديدة )
بحكم وجودي في وزارة الإتصالات لدورتين صرت أعرف الوجوه الفاسدة فحاولت استئصالها و لكن ..
توجّهات المجتمع إسلامية وأنا واحد منهم لكن الإنتخابات المقبلة ستشهد تغيرات كبيرة
مشاركة إنكلترا في المؤتمرات الطبية العالمية تتم عبر طبيب عراقي يمثلها .. وحين يأتون للعراق لا نوافر لهم الحماية
في العام 2003 واجهت بريطانيا مشكلة تمثلت بالخوف من هجرة خمسة آلاف طبيب عراقي إلى بلدهم
إقتراض العراق للاموال من ثلاث شركات عالمية فيه خطر
كبير سيغرق البلد بالديون
اذا بقي
العراق على المسار نفسه الذي يسير عليه الان فسيكون الوضع اسوأ
حاوراه : عدنان ابراهيم وحسين رزاق
الــــجزء1
سياسي عراقي ولد في بغداد .. في العام 1977 وفيما كان يعد العدة للتخرج من كلية الهندسة المعمارية بدأت السلطات بحملة اعتقالات و مطاردات للسياسيين فما كان منه الا التخفي عن اعين الدكتاتورية ومن ثم السفر الى لبنان وهناك اكمل دراسته في الهندسة المعمارية في الجامعة الامريكية بلبنان، لكن تطلب الامر ثلاث سنوات اضافية بدل الاشهر الثلاثة حسب متطلبات الدراسة هناك، المصيبة ان لبنان هو الاخر لم يكن مستقراً فقد كان هذا البلد يعاني من ويلات الحرب الاهلية انذاك فاضطررت بالسفر الى انكلترا وهناك بدأت العمل بالتجارة عن طريق ما تركه الوالد (رحمه الله) حيث كان يملك اكبر معمل لصناعة الكيبلات والاسلاك الكهربائية في بغداد، فبدأت انا اشرف على هذا المعمل من هناك في انكلترا وتم فتح معمل اخر هناك ، في غضون ذلك كانت تربطه علاقات طيبة بالكثير من السياسيين العراقيين الذين يعيشون بالمنفى .. وبعد اجراء انتخابات 2005 كان مع القائمة (العراقية) التي يرأسها الدكتور اياد علاوي وتم اختياره لمنصب وزير الاتصالات حيث صدر تقرير امريكي في العام 2007 حول الوزارات الاكثر فساداً فلم تكن وزارة الاتصالات من بينها وهذا طبعا انجاز يسجل لوزيرها . لكنه فضل ترك العمل الوزاري والعودة الى البرلمان فبعد وفاة السيدة (عايدة عسيران) شغل مكانها .. وبعد انتخابات 2010، تم اختياره لمنصب وزير الاتصالات ايضاً لكن خلافات جددت بينه وبين رئيس مجلس الوزراء فما كان منه إلاّ ان ترك الوزارة مغادرا العراق .. وبعد تسلم رئاسة الحكومة من الدكتور العبادي عاد الى العراق، عارضاً على القضاء جميع الاوراق ووثائق برأته من التهم التي وجهت له، حيث نظر القضاء فيها وتبين انه ليس لها ما يؤكدها في الواقع وانتهى هذا الموضوع .. (البينة الجديدة) كانت بضيافة محمد توفيق علاوي عبر الحوار الآتي:
* كيف تنظرون الى قضية التسقيط السياسي السارية في الوسط السياسي العراقي ، فاذا لم توافقني الرأي فانت سبب الفساد .. ؟
– بعد تسلم منصب وزير الاتصالات وبالتحديد بعد انتخابات 2010، لاحظت تغيراً بدرجة (280) درجة في معاملة رئيس الحكومة، بعد ان كانت علاقتي به جيدة جداً فكانت محاولات تشكيل لجان ومتابعة قضايا داخل الوزارة ثم تكتشف اللجنة ان هذه القضايا مجرد ادعاءات لا صحة لها والطريف ان احدى القضايا التي رفعت ضدي هي الجمع بين وظيفتين، حدث هذا في العام 2007 اثناء وزارتي الاولى لوزارة الاتصالات فحين تركت العمل في الوزارة والتحاقي بمجلس النواب بعد يومين من تقديم الاستقالة التي لم يوقعها السيد رئيس الحكومة، فتم اعتبار الحاقي بمجلس النواب على اني جمعت بين وظيفتين فهل يعقل هذا؟! علماً اني لمدة شهرين ابتعدت عن الوزارة ولم اتسلم راتبي عن هذين الشهرين، اما كيف تم احتساب اني جمعت بين وظيفتين .. هذا ما لا اعرفه.
وبحكم وجودي في وزارة الاتصالات لدورتين اصبحت اعرف الوجوه الفاسدة وعملت على استئصالها من الوزارة واعتقدت هذا الامر من اولى اولويات العمل الصحيح لخدمة البلد، لكن هذه الحيتان التي تضررت مصالحها عدّت وجود (محمد علاوي) عقبة امام افسادهم، والحقيقة لاحظت ان الحكومة صارت تقرب هؤلاء منها رغم انهم يعملون على الضد من مصلحة البلد، ففضلت ان ابتعد عن هذا العمل حيث تركت الوزارة وتركت البلد ايضاً.
* كيف تنظر الى حظوظ القائمة (العراقية) في الانتخابات المقبلة، ولاسيما بعد خيبة امل المواطن ممن انتخبهم والتي عبر عنها عبر التظاهرات رافعاً شعارات تدل على سوء اداء الحكومة؟
– لعلي لا آتي بجديد حين اقول ان للمجتمع توجهاً اسلامياً، حيث يمثل الدين لجميع الناس حالة لا فكاك منها. وانا واحد من الناس توجهي اسلامي وانا لا اقول ان الاحزاب الاسلامية المتصدية للعملية السياسية ليس فيها من الكفوئين و النزيهين بل حتى المرجعية الدينية في النجف الاشرف كانت لا تحبذ ان ينشأ تكتل يمثل جهة او حزبا بل انها كانت تطمح الى انشاء كتلة وطنية تضم كل الطوائف والقوميات وان هؤلاء المتصدين للعملية السياسية باسم الاسلام ولدوا لدى المواطن مع الاسف صورة سلبية عن الاحزاب الاسلامية لانهم غير كفوئين. والمواطن العراقي قد صار على درجة كبيرة من الوعي وقد اصبح الان بامكانه التمييز بين الوجوه السياسية لكن هناك مشكلة اخرى سنواجها هي نزاهة الانتخابات واعتقد ان الانتخابات المقبلة ستكون على درجة من النزاهة ستخدم الناخب والبلد واتوقع ان تغييراً كبيراً بالموازين سيحدث في الانتخابات القادمة.
* العراق بلد طارد لكفاءاته .. اين تكمن المشكلة؟
اعطيك مثلاً : في بريطانيا توجد جمعية الاطباء العراقيين، ويضم هذا البلد تقريباً خمسة الاف طبيب عراقي وانا ابنتي طبيبة متخرجة حديثاً، اثناء تنقلها بين المستشفيات البريطانيا تكشف مابين 7 – 8 اطباء في كل مستشفى هناك، واغلبهم على درجات عالية في الكفاءة حتى ان المؤتمرات الطبية وبالتحديد عن امراض القلب فان مشاركة بريطانيا في هذه المؤتمرات وفي عام 2003 واجهت بريطانيا مشكلة اقامت من اجلها المؤتمرات والدراسات تمثلت بخوف الحكومة البريطانية من احتمالية عودة الاطباء العراقيين العاملين في هذا البلد الى بلدهم بعد حدوث التغيير السياسي الكبير انذاك حيث حذرت وزارة الصحة البريطانية حكومتها من انها ستواجه مشكلة كبيرة اذا ما عاد هؤلاء الاطباء العراقيون الى بلدهم حيث سيتركون فراغاً كبيراً في المستشفيات هناك وقد وضعوا الدراسات لملء هذا الفراغ في حالة هجرة خمسة الاف طبيب من ملاكاتهم .. وفعلاً فقد رأينا ان 90 % من هؤلاء لديهم الرغبة الحقيقية بالعودة الى بلدهم، لكنهم بدؤوا يكتشفون ان بلدهم لا يستطيع توفير الحماية لهم وكذلك لا يستطيع ترتيب سكنهم ورواتبهم وسبل عيش يليق بهم، ولا سيما وهم قادمون من بلد (هو ليس بلدهم) وافر لهم كل شيء واحتضنهم ايما احتضان، والغريب اننا نرى المريض العراقي صار يذهب الى مستشفيات الاردن مثلا وعلى يد اطباء عراقيين والمواطن ونحن نتساءل لماذا يحدث هذا، ما الذي ينقصنا لنفرط بكفاءتنا بهذا الشكل وبهذا الوقت الذي نحن بأمس الحاجة لكل كفاءة يمكن ان تسهم في بناء هذا البلد فقد كان من السهولة وفي ظل الميزانية المالية الانفجارية ان نبني مجمعات طبية تضم مستشفيات متخصصة بالامراض السرطانية وامراض القلب وتضم هذه المجمعات دور سكن للاطباء ليس المحليين فقط، وحتى يمكن ان نستقطب اولئك الذين لديهم الرغبة بخدمة بلدهم وهم كثير في كل البلدان الاوربية كما ان البعض من الاطباء العراقيين في المهجر يقول لك بانه على استعداد ان يأتي الى العراق شهراً واحداً في السنة من اجل معاينة الامراض واجراء العمليات الطبية لعدد من المرضى العراقيين وبهذا سوف نكتفي بما لدينا من اطباء ومؤسسات طبية سوف لا نضطر الى ارسال مرضانا الى خارج البلاد من اجل العلاج.
قدمت مشروعا يمكن عبره استضافة اطباء عراقيين بل حتى ان بعض الاطباء البريطانيين تطوعوا ان يأتوا الى العراق، وهم لديهم مشاريع كهذه في افريقيا مثلاً، حيث يمكن ان نستفيد من خبرات هؤلاء على اقل تقدير، وقد تم تجهيز ميزانية هذا المشروع ووافرنا كل سبل النجاح له، والتقيت النائبة آل ياسين استعداداً لبدء المشروع، لكن عراقيل – مع الاسف – وضعت في طريق هذا المشروع من اجل ان يلغى وقد كان وقع الغاء المشروع على البعض مفرحاً – مع الاسف – .
* ننتقل الى موضوع آخر، ما هي حقيقة القرض الذي يعتزم العراق استلافه من ثلاثة مصارف عالمية .. وهل سيحل هذا القرض الازمة التي يعاني منها اقتصادنا؟
– نعم، الحكومة العراقية تعتزم الاقتراض من ثلاثة مصارف عالمية هي (دويتشة بنك ، سيتي كروب ، جي بي مورغن) واتفاق لاستلاف 6 مليارات دولار وتم الاتفاق على ان تكون نسبة الفائدة 10,37 % وهي نسبة كبيرة جداً . ويأتي فرض هذه النسبة العالية من الفوائد على القرض بسبب ما يسمى (المخاطرة العالية) لهذه المصارف، نتيجة ما تعدّه هذه المصارف من ان العراق بلد غير مستقر، فضلا عن انخفاض اسعار النفط في الاسواق العالمية، وطبعاً في هذا القرض وفوائده مخاطر كبيرة، حيث سيغرق البلد بالديون فكما هو متعارف مهما بلغ الوضع الاقتصادي للبلد من سوء ، فهو اهون من الديون وهناك مبدأ اقتصادي عالمي هو ان اي مشكلة تستطيع ان تجد لها حلاً بطريقة او بأخرى لكن اخطر شيء ان يقع البلد بالديون، اذ ان الاخير سيرهن ارادة البلد وسياسته بيد المدين، ثم هنا تأمل بان يرتفع سعر النفط الى سابق عهده، وهذا غير ممكن بالمرة ولا سيما بعد استخراج النفط الصخري اذ ان اسعار النفط العالمية تخضع الى خاصية الطلب والعرض فبحسبة بسيطة ان حاجة السوق العالمية تقف عند حدود 98 مليون برميل، سترتفع هذه الحاجة الى 102 مليون فيما سيكون النفط المعروض في العام 2017 وبما فيه النفط الحجري سيصل الى 106 او 108 ملايين برميل اي ان هناك فائضا بالانتاج مع وجود هذا الفائض فلا توجد زيادة بالاسعار مطلقاً وعلى هذا الحال سيكون من الصعب الايفاء بتسديد ما علينا من ديون للشركات العالمية لذا فعلينا جميعا وقبل الاقتراض ان نفكر بمستقبل البلد ومستقبل الاجيال القادمة.
* حسب فهمنا الاقتصادي المتواضع، كنا نتوقع من البنك المركزي العراقي ان يلجأ الى اصدار عملة ذات القيمة الصغيرة، اقل من (250) دينارا مثلا ( 50 ) دينارا ( 100 )دينار لحاجة السوق العراقي لكن ما حدث هو العكس فقد قام البنك المركزي العراقي باصدار عملة كبيرة هي فئة الـ(50 ) الف دينار .. ما هو تفسيركم لهذا الموضوع؟
– كما هو معروف ان العملة كلما كبرت قيمتها ادت الى ارتفاع نسبة التضخم في البلاد وهذا بدوره ايضا يؤدي الى ارتفاع اسعار البضائع وان انعكاس ذلك على الناس هو انعكاس سلبي وان كان ليس على درجة كبيرة ولكنه بالنهاية سلبي.
* الى اين ذاهب العراق؟
– يمر العراق الان بأسوأ مرحلة تاريخية منذ 2003 . فداعش يحتل مساحة كبيرة من البلد واعداد النازحين الكبيرة، الوضع الاقتصادي السيء الذي يمر به البلد بحيث ان الحكومة غير قادرة على توفير رواتب موظفيها، والحكومة حتى اللحظة لا تملك خطة امنية، ولا خطة اقتصادية، فالمهم جداً ان يكون لدينا سياسة اقتصادية واضحة لكي تنهض بالبلد، فمصاريف الدولة ارتفعت في ظل الحاجة لمحاربة داعش وطرده من الارض التي تحتلها فيما انخفضت اسعار النفط، فاذا ابقينا الوضع كما هو الان بدون ايجاد الحلول، فسيكون الوضع صعبا جداً وسوف يتجه العراق من سيء الى اسوأ، يجب انتشال البلد مما فيه هو فيه الان وهذا الامر لا يكون الا بايجاد سياسة اقتصادية واضحة لانقاذ البلد، وايضا نحن بحاجة الى وضع سياسي للتعامل مع دول المنطقة، واستثمار التعاون مع الدول التي تريد ضرب داعش مثل روسيا وكذلك فرنسا، لكننا لا نرى اي تنسيق او تعاون من جانب الحكومة مع هذه البلدان لانها بحاجة الى سعة الافق ونوع من الفكر السياسي في كيفية التعامل مع الدول ، انا في تصوري نفتقر الى هذه الامور لذلك ليس هناك امل للخروج من هذه الازمة.
الموضوع الذي قدمه محمد علاوي إلى مؤتمر الزهراء (ع) بمناسبة مولدها

دور علي والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين عليهم السلام على لسان الزهراء (ع)م
لولا تعاون أمير المؤمنين علي(ع) مع الخلفاء أبا بكر وعمر وعثمان (رضوان الله عليهم ما داموا في طاعة الله) لقضي على الدولة الأسلامية الفتية بعد وفاة رسول الله (ص) ولإنكفأ الإسلام إلى ألجزيرة العربية ولبقيت أيران وشرق العالم الإسلامي دولاً لا إسلامية حتى يومنا هذا.
ولولا مواقف الإمام الحسن (ع) لكان نصف المسلمين اليوم من الدواعش بل يقيناً أسوأ من الدواعش، ولولاه لما كان هناك صحيح البخاري وصحيح مسلم بل أي من الصحاح بل أي من الأحاديث التي يتوخى فيها الصحة.
ولولا مواقف الإمام الحسين (ع) لما إتفق المسلمون على القرآن الموجود بين أيدي الناس اليوم ولكان لدينا اليوم عدة قرائين محرفة ومزورة.
الفقرات أعلاه هي ضمن الموضوع الذي قدم إلى مؤتمر الزهراء (ع) بمناسبة مولدها، إستناداً إلى فقرتين من خطبتها (ع):
( جعل ألله …. طاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من ألفرقة)
مصاديقها ألتأريخية ورسالة ألزهراء إلينا أليوم
خطبة الزهراء عليها السلام المسماة بألفدكية
الْحَمْدُ للهِ عَلى ما أنْعَمَ، وَلَهُ الشُّكْرُ على ما أَلْهَمَ، وَالثَّناءُ بِما قَدَّمَ، مِنْ عُمومِ نِعَمٍ ابْتَدَأها، وَسُبُوغ آلاءٍ أسْداها، وَتَمامِ مِنَنٍ والاها، جَمَّ عَنِ الإحْصاءِ عدَدُها، وَنأى عَنِ الْجَزاءِ أَمَدُها، وَتَفاوَتَ عَنِ الإِْدْراكِ أَبَدُها، وَنَدَبَهُمْ لاِسْتِزادَتِها بالشُّكْرِ لاِتِّصالِها، وَاسْتَحْمَدَ إلَى الْخَلايِقِ بِإجْزالِها، وَثَنّى بِالنَّدْبِ إلى أمْثالِها.
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإِْخْلاصَ تَأْويلَها، وَضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَها، وَأَنارَ في الْفِكَرِ مَعْقُولَها. الْمُمْتَنِعُ مِنَ الإَْبْصارِ رُؤْيِتُهُ، وَمِنَ اْلأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَمِنَ الأَوْهامِ كَيْفِيَّتُهُ. اِبْتَدَعَ الأَشَياءَ لا مِنْ شَيْءٍ كانَ قَبْلَها، وَأَنْشَأَها بِلا احْتِذاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَها، كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ، وَذَرَأَها بِمَشِيَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ إلى تَكْوينِها، وَلا فائِدَةٍ لَهُ في تَصْويرِها إلاّ تَثْبيتاً لِحِكْمَتِهِ، وَتَنْبيهاً عَلى طاعَتِهِ، وَإظْهاراً لِقُدْرَتِهِ، وَتَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وإِعزازاً لِدَعْوَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ الثَّوابَ على طاعَتِهِ، وَوَضَعَ العِقابَ عَلى مَعْصِيِتَهِ، ذِيادَةً لِعِبادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ، وَحِياشَةً مِنْهُ إلى جَنَّتِهِ.
وَأَشْهَدُ أنّ أبي مُحَمَّداً صلّى الله عليه وآله عبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اخْتارَهُ وَانْتَجَبَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمّاهُ قَبْلَ أنِ اجْتَبَلَهُ، وَاصْطِفاهُ قَبْلَ أنِ ابْتَعَثَهُ، إذِ الْخَلائِقُ بالغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَبِسِتْرِ الأَْهاويل مَصُونَةٌ، وَبِنِهايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ، عِلْماً مِنَ اللهِ تَعالى بِمآيِلِ الأُمُور، وَإحاطَةً بِحَوادِثِ الدُّهُورِ، وَمَعْرِفَةً بِمَواقِعِ الْمَقْدُورِ. ابْتَعَثَهُ اللهُ تعالى إتْماماً لأمْرِهِ، وَعَزيمَةً على إمْضاءِ حُكْمِهِ، وَإنْفاذاً لِمَقادِير حَتْمِهِ.
فَرَأى الأُمَمَ فِرَقاً في أدْيانِها، عُكَّفاً على نيرانِها، عابِدَةً لأَوثانِها، مُنْكِرَةً لله مَعَ عِرْفانِها. فَأَنارَ اللهُ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ظُلَمَها، وكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَها، وَجَلّى عَنِ الأَبْصارِ غُمَمَها، وَقَامَ في النّاسِ بِالهِدايَةِ، وأنقَذَهُمْ مِنَ الغَوايَةِ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ العَمايَةِ، وهَداهُمْ إلى الدّينِ القَويمِ، وَدَعاهُمْ إلى الطَّريقِ المُستَقيمِ.
ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إليْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَاختِيارٍ، ورَغْبَةٍ وَإيثارٍ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله عَنْ تَعَبِ هذِهِ الدّارِ في راحةٍ، قَدْ حُفَّ بالمَلائِكَةِ الأبْرارِ، وَرِضْوانِ الرَّبَّ الغَفارِ، ومُجاوَرَةِ المَلِكِ الجَبّارِ. صلى الله على أبي نبيَّهِ وأَمينِهِ عَلى الوَحْيِ، وَصَفِيِّهِ وَخِيَرَتِهِ مِنَ الخَلْقِ وَرَضِيِّهِ، والسَّلامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ.
ثُمَّ التفتت إلى أهل المجلس وقالت:
أَنْتُمْ عِبادَ الله نُصْبُ أمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَحَمَلَةُ دينِهِ وَوَحْيِهِ، وِأُمَناءُ اللهِ عَلى أنْفُسِكُمْ، وَبُلَغاؤُهُ إلى الأُمَمِ، وَزَعَمْتُمْ حَقٌّ لَكُمْ للهِ فِيكُمْ، عَهْدٌ قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ، وَبَقِيَّةٌ استَخْلَفَها عَلَيْكُمْ. كِتابُ اللهِ النّاطِقُ، والقُرْآنُ الصّادِقُ، وَالنُّورُ السّاطِعُ، وَالضِّياءُ اللاّمِعُ، بَيِّنَةٌ بَصائِرُهُ، مُنْكَشِفَةٌ سَرائِرُهُ، مُتَجَلِّيَةٌ ظَواهِرُهُ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أَشْياعُهُ، قائِدٌ إلى الرِّضْوانِ اتّباعُهُ، مُؤَدٍّ إلى النَّجاةِ إسْماعُهُ. بِهِ تُنالُ حُجَجُ اللهِ المُنَوَّرَةُ، وَعَزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، وَمَحارِمُهُ المُحَذَّرَةُ، وَبَيِّناتُهُ الجالِيَةُ، وَبَراهِينُهُ الكافِيَةُ، وَفَضائِلُهُ المَنْدوبَةُ، وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ، وَشَرايِعُهُ المَكْتُوبَةُ.
فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تَطْهيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الكِبْرِ، والزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً في الرِّزْق، والصِّيامَ تَثْبيتاً للإِخْلاصِ، والحَجَّ تَشْييداً لِلدّينِ، وَالعَدْلَ تَنْسيقاً لِلْقُلوبِ، وَطاعَتَنا نِظاماً لِلْمِلَّةِ، وَإمامَتَنا أماناً مِنَ الْفُرْقَةِ، وَالْجِهادَ عِزاً لِلإْسْلامِ، وَالصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجابِ الأْجْرِ، وَالأْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعامَّةِ، وَبِرَّ الْوالِدَيْنِ وِقايَةً مِنَ السَّخَطِ، وَصِلَةَ الأَرْحامِ مَنْماةً لِلْعَدَدِ، وَالْقِصاصَ حِصْناً لِلدِّماءِ، وَالْوَفاءَ بِالنَّذْرِ تَعْريضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَتَوْفِيَةَ الْمَكاييلِ وَالْمَوَازينِ تَغْييراً لِلْبَخْسِ، وَالنَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَاجْتِنابَ الْقَذْفِ حِجاباً عَنِ اللَّعْنَةِ، وَتَرْكَ السِّرْقَةِ إيجاباً لِلْعِفَّةِ. وَحَرَّمَ الله الشِّرْكَ إخلاصاً لَهُ بالرُّبُوبِيَّةِ، {فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ} وَ أطيعُوا اللهَ فيما أمَرَكُمْ بِهِ وَنَهاكُمْ عَنْهُ، فَإنَّه {إنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ العُلِماءُ}.
ثُمَّ قالت: أيُّها النّاسُ! اعْلَمُوا أنِّي فاطِمَةُ، وَأبي مُحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَقُولُ عَوْداً وَبَدْءاً، وَلا أقُولُ ما أقُولُ غَلَطاً، وَلا أفْعَلُ ما أفْعَلُ شَطَطاً: {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيم} فَإنْ تَعْزُوه وَتَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أبي دُونَ نِسائِكُمْ، وَأخا ابْنِ عَمَّي دُونَ رِجالِكُمْ، وَ لَنِعْمَ الْمَعْزِيُّ إلَيْهِ صَلى الله عليه وآله. فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ صادِعاً بِالنِّذارَةِ، مائِلاً عَنْ مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ، ضارِباً ثَبَجَهُمْ، آخِذاً بِأكْظامِهِمْ، داعِياً إلى سَبيلِ رَبِّهِ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنةِ، يَكْسِرُ الأَصْنامَ، وَيَنْكُتُ الْهامَ، حَتَّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ وَوَلُّوا الدُّبُرَ، حَتّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ، وَأسْفَرَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، وَنَطَقَ زَعِيمُ الدّينِ، وَخَرِسَتْ شَقاشِقُ الشَّياطينِ، وَطاحَ وَشيظُ النِّفاقِ، وَانْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَالشِّقاقِ، وَفُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الإْخْلاصِ فِي نَفَرٍ مِنَ الْبيضِ الْخِماصِ، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ، مُذْقَةَ الشّارِبِ، وَنُهْزَةَ الطّامِعِ، وَقُبْسَةَ الْعَجْلانِ، وَمَوْطِئَ الأقْدامِ، تَشْرَبُونَ الطّرْقَ، وَتَقْتاتُونَ الْوَرَقَ، أذِلَّةً خاسِئِينَ، {تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ}.
فَأنْقَذَكُمُ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى بِمُحَمَّدٍ صَلى الله عليه وآله بَعْدَ اللّتَيّا وَالَّتِي، وَبَعْدَ أنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجالِ وَذُؤْبانِ الْعَرَبِ وَمَرَدَةِ أهْلِ الْكِتابِ، {كُلَّما أوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ}، أوْنَجَمَ قَرْنٌ لِلْشَّيْطانِ، وَفَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَذَفَ أخاهُ في لَهَواتِها، فَلا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِماخَها بِأَخْمَصِهِ، وِيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ، مَكْدُوداً في ذاتِ اللّهِ، مُجْتَهِداً في أمْرِ اللهِ، قَرِيباً مِنْ رِسُولِ اللّهِ سِيِّدَ أوْلياءِ اللّهِ، مُشْمِّراً ناصِحاً ، مُجِدّاً كادِحاً ـ وأَنْتُمْ فِي رَفاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فاكِهُونَ آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنا الدَّوائِرَ، وتَتَوَكَّفُونَ الأَخْبارَ، وَتَنْكُصُونَ عِنْدَ النِّزالِ، وَتَفِرُّونَ عِنْدَ القِتالِ.
فَلَمَّا اخْتارَ اللّهُ لِنَبِيِّهِ دارَ أنْبِيائِهِ وَمَأْوى أصْفِيائِهِ، ظَهَرَ فيكُمْ حَسيكَةُ النِّفاقِ وَسَمَلَ جِلبْابُ الدّينِ، وَنَطَقَ كاظِمُ الْغاوِينِ، وَنَبَغَ خامِلُ الأَقَلِّينَ، وَهَدَرَ فَنيقُ الْمُبْطِلِين.
فَخَطَرَ فِي عَرَصاتِكُمْ، وَأَطْلَعَ الشيْطانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرِزِهِ، هاتفاً بِكُمْ، فَأَلْفاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجيبينَ، وَلِلْغِرَّةِ فِيهِ مُلاحِظِينَ. ثُمَّ اسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفافاً، وَأَحْمَشَكُمْ فَأَلْفاكَمْ غِضاباً، فَوَسَمْـتُمْ غَيْرَ اِبِلِكُمْ، وَأَوْرَدْتُمْ غَيْرَ شِرْبِكُمْ، هذا وَالْعَهْدُ قَريبٌ، وَالْكَلْمُ رَحِيبٌ، وَالْجُرْحُ لَمّا يَنْدَمِلْ، وَالرِّسُولُ لَمّا يُقْبَرْ، ابْتِداراً زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، {ألا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَانَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطةٌ بِالْكافِرِينَ}.
فَهَيْهاتَ مِنْكُمْ، وَكَيْفَ بِكُمْ، وَأَنَى تُؤْفَكُونَ؟ وَكِتابُ اللّه بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أُمُورُهُ ظاهِرَةٌ، وَأَحْكامُهُ زاهِرَةٌ، وَأَعْلامُهُ باهِرَةٌ، وَزَواجِرُهُ لائِحَةٌ، وَأوامِرُهُ واضِحَةٌ، قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، أرَغَبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ، أمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ، {بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً} {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ ديناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ}. ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا الاّ رَيْثَ أنْ تَسْكُنَ نَفْرَتُها، وَيَسْلَسَ قِيادُها ثُمَّ أَخّذْتُمْ تُورُونَ وَقْدَتَها، وَتُهَيِّجُونَ جَمْرَتَها، وَتَسْتَجِيبُونَ لِهِتافِ الشَّيْطانِ الْغَوِيِّ، وَاطْفاءِ أنْوارِالدِّينِ الْجَلِيِّ، وَاهْمادِ سُنَنِ النَّبِيِّ الصَّفِيِّ، تُسِرُّونَ حَسْواً فِي ارْتِغاءٍ، وَتَمْشُونَ لأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فِي الْخَمَرِ وَالْضَّراءِ، وَنَصْبِرُ مِنْكُمْ عَلى مِثْلِ حَزِّ الْمُدى، وَوَخْزِ السِّنانِ فِي الحَشا، وَأَنْـتُمْ تزْعُمُونَ ألاّ ارْثَ لَنا، {أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أفَلا تَعْلَمُونَ؟ بَلى تَجَلّى لَكُمْ كَالشَّمْسِ الضّاحِيَةِ أنّيِ ابْنَتُهُ.
أَيُهَا الْمُسْلِمونَ أاُغْلَبُ عَلى ارْثِيَهْ يَا ابْنَ أبي قُحافَةَ! أفي كِتابِ اللّهِ أنْ تَرِثَ أباكَ، وِلا أرِثَ أبي؟ {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيًّا}، أَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللّهِ، وَنَبَذْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ اذْ يَقُولُ: {وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ}، وَقالَ فيمَا اخْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَي بْنِ زَكَرِيّا عليهما السلام اذْ قالَ رَبِّ {هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِياًّ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} وَقَالَ: {وَاُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّه} وَقالَ: {يُوصِكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ لِلذكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنْثَيَيْنِ} وقال: {انْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والْأَقْرَبِبنَ بِالْمعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}. وزَعَمْتُمْ أَلَا حِظوَةَ لِي، وَلا إرْثَ مِنْ أبي ولارَحِمَ بَيْنَنَا!
أَفَخَصَّكُمُ اللهُ بِآيَةٍ أخْرَجَ مِنْها أبِي؟ أمْ هَلْ تَقُولونَ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لا يَتَوارَثَانِ، أوَ لَسْتُ أَنَا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ؟! أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمّي؟ فَدُونَكَها مَخْطُومَةً مَرْحُولَةً، تَلْقاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ، فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ، وَالزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ، وَالْمَوْعِدُ الْقِيامَةُ، وَعِنْدَ السّاعَةِ يخسَرُ المبطلون، وَلا يَنْفَعُكُمْ إذْ تَنْدَمُونَ، {وَلِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ}
ثُمَّ رَمَتْ بِطَرْفِها نَحْوَ الْأَنْصارِ فَقالَتْ:
يا مَعاشِرَ الْفِتْيَةِ، وَأَعْضادَ الْمِلَّةِ، وَأنْصارَ الْإِسْلامِ! ما هذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي؟ وَالسِّنَةُ عَنْ ظُلامَتِي؟ أما كانَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله علبه وآله أبِي يَقُولُ: “اَلْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ”؟ سَرْعانَ ما أَحْدَثْتُمْ، وَعَجْلانَ ذا إهالَةً، وَلَكُمْ طاقَةٌ بِما اُحاوِلُ، وَقُوَّةٌ عَلى ما أَطْلُبُ وَاُزاوِلُ!
أَتَقُولُونَ ماتَ مُحَمَّدٌ صلّى الله عليه وآله؟! فَخَطْبٌ جَليلٌ اسْتَوْسَعَ وَهْيُهُ، وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ، وَانْفَتَقَ رَتْقُهُ، وَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَكُسِفَتِ النُّجُومُ لِمُصِيبَتِهِ، وَأَكْدَتِ الْآمالُ، وَخَشَعَتِ الْجِبالُ، وَاُضيعَ الْحَرِيمُ، وَاُزيلَتِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ مَماتِهِ. فَتِلْكِ وَاللهِ النّازلَةُ الْكُبْرى، وَالْمُصيبَةُ الْعُظْمى، لا مِثْلُها نازِلَةٌ وَلا بائِقَةٌ عاجِلَةٌ أعْلَنَ بِها كِتابُ اللهِ -جَلَّ ثَناؤُهُ- فِي أَفْنِيَتِكُمْ فِي مُمْساكُمْ وَمُصْبَحِكَمْ هِتافاً وَصُراخاً وَتِلاوَةً وَإلحاناً، وَلَقَبْلَهُ ما حَلَّ بِأنْبِياءِ اللهِ وَرُسُلِهِ، حُكْمٌ فَصْلٌ وَقَضاءٌ حَتْمٌ: {وَما مُحَمَّدٌ إلاّ رَسولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإنْ ماتَ أَو قُتِلَ انقلَبْتُمْ على أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرينَ}.
أيْهاً بَنِي قَيْلَةَ! أاُهْضَمُ تُراثَ أبِيَهْ وَأنْتُمْ بِمَرْأى مِنّي وَمَسْمَعٍ، ومُبْتَدأٍ وَمَجْمَعٍ؟! تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وتَشْمُلُكُمُ الْخَبْرَةُ، وَأنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَالأَداةِ وَالْقُوَّةِ، وَعِنْدَكُمُ السِّلاحُ وَالْجُنَّةُ؛ تُوافيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلا تُجِيبُونَ، وَتَأْتيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلا تُغيثُونَ، وَأنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفاحِ، مَعْرُفُونَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلاحِ، وَالنُّجَبَةُ الَّتي انْتُجِبَتْ، وَالْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتيرَتْ! قاتَلْتُمُ الْعَرَبَ، وَتَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَالتَّعَبَ، وَناطَحْتُمُ الاُْمَمَ، وَكافَحْتُمً الْبُهَمَ، فَلا نَبْرَحُ أو تَبْرَحُونَ، نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ حَتَّى دَارَتْ بِنا رَحَى الإْسْلامِ، وَدَرَّ حَلَبُ الأَيّامِ، وَخَضَعَتْ نُعَرَةُ الشِّرْكِ، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الإْفْكِ، وَخَمَدَتْ نيرانُ الْكُفْرِ، وهَدَأتْ دَعْوَةُ الْهَرْجِ، وَاسْتَوْسَقَ نِظامُ الدِّينِ؛ فَأَنّى جُرْتُمْ بَعْدَ الْبَيانِ، وَأَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الإْعْلانِ، وَنَكَصْتُمْ بَعْدَ الإْقْدامِ، وَأشْرَكْتُم ْبَعْدَ الإْيمانِ؟ {ألا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَداؤُكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْهُمْ فَاللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.
أَلا قَدْ أرى أنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إلَى الْخَفْضِ، وَأبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَالْقَبْضِ، وَخَلَوْتُمْ بِالدَّعَةِ، وَنَجَوْتُمْ مِنَ الضِّيقِ بِالسَّعَةِ، فَمَجَجْتُمْ ما وَعَيْتُمْ، وَدَسَعْتُمُ الَّذِي تَسَوَّغْتُمْ، {فَإنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأْرْضِ جَمِيعاً فَإنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ}. ألا وَقَدْ قُلْتُ ما قُلْتُ عَلى مَعْرِفَةٍ مِنّي بِالْخَذْلَةِ الَّتِي خامَرَتْكُمْ، وَالغَدْرَةِ التِي اسْتَشْعَرَتْها قُلُوبُكُمْ، وَلكِنَّها فَيْضَةُ النَّفْسِ، وَنَفْثَةُ الْغَيْظِ، وَخَوَرُ الْقَنا، وَبَثَّةُ الصُّدُورِ، وَتَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ.
فَدُونَكُمُوها فَاحْتَقِبُوها دَبِرَةَ الظَّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفِّ، باقِيَةَ الْعارِ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ اللهِ وَشَنارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَةً بِنارِ اللهِ الْمُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. فَبعَيْنِ اللهِ ما تَفْعَلُونَ {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}، وَأَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَديدٍ، {فَاعْمَلُوا إنّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ}.
خطبة ألزهراء عليها ألسلام بحر واسع تثبت فيه ألكثير من ألمفاهيم ألإسلامية، وفي هذه ألعجالة أريد أن أتطرق إلى فقرتين من هذه ألخطبة ألشاملة وألواسعة بمفاهيمها، ألعميقة بمعانيها، ألعالية بمضامينها، تخطب وكأنها تنطق عن أبيها رسول ألله وعن بعلها علي إبن أبي طالب عليهم أفضل ألصلاة وألسلام:
( جعل ألله ……. طاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من ألفرقة)، إن ألإسلام ألذي جاء به رسول ألله (ص) وحفظه أهل بيت ألنبوة (ع) على مدى ألأجيال يمثل نظاماً عاماً وشاملاً لملة ألإسلام ، سواء كان ذلك في جانب علاقة ألإنسان بربه، أو علاقة ألإنسان بألإنسان أو علاقة الإنسان بالمجتمع أو توضيح ألكثير من ألمفاهيم وألتصورات ألإسلامية على كافة ألمستويات وضمن مختلف ألمجالات.
ما ألمقصود من عبارة طاعتنا نظاماً للملة؟
إن أستيعاب ألإسلام بكافة أبعاده ومفاهيمه وتشريعاته وسننه وتطبيق هذه ألمفاهيم وألسنن وألتشريعات على أرض ألواقع بألشكل ألصحيح هو ألذي يوفر ألنظام للملة ألإسلامية.
ولكن كيف ألسبيل لتحقيق ذلك؟
إنه يتحقق من خلال تحقيق أربعة أهداف:
ألهدف ألأول: من خلال كتاب ألله؛ كتاب ألله موجود بين ظهراني ألناس؛ وكان ألمطلوب في صدر ألإسلام هو ألحفاظ على كتاب ألله من ألإضافة وألحذف وألتحريف، وهو ما تحقق تثبيتاً لقوله تعالى { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }
ألهدف ألثاني: من خلال سنة ألرسول (ص)؛ وهذا يتطلب نشر سنة رسول ألله (ص) ألصحيحة، وكشف ألأكاذيب من ألسنة ألمزيفة وألموضوعة.
ألهدف ألثالث: ألفهم وألتأويل ألصحيح للكتاب ألذي إختص ألله به نفسه وألراسخون في ألعلم، وألفهم وألإستيعاب الصحيح وألمعمق للسنة ألصحيحة لرسول ألله (ص).
ألهدف ألرابع: ألتطبيق ألعملي لما جاء في ألكتاب وألسنة وإتخاذ ألمواقف ألمهمة وألمصيرية بشأن قضايا ألأمة ألكبيرة مما يحتاج درجة عالية من ألبصيرة وألإدراك وألتسديد ألإلهي.
فإذا أضفنا إلى ذلك مقولة ألزهراء في أن ألإمامة أماناً من ألفرقة فنستطيع حينها أن نزعم إن
ألهدف ألخامس : هو تحقيق ألأمان من ألفرقة
وذلك لتحقيق مقولة ألزهراء (ع) بألكامل ( جعل ألله ……. طاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من ألفرقة) .
وقبل أن نخوض في تفاصيل هذه ألأهداف ألخمسة فإننا نستطيع أن نزعم أن هذه ألأهداف ألخمسة هي ما سعى لتحقيقه أهل بيت ألنبوة(ع) على مستويين، على ألمستوى ألعام، وألمقصود به ألأمة ألإسلامية بكافة فرقهم وطوائفهم؛ وألمستوى ألثاني هو ألمستوى ألخاص وهو مستوى أتباعهم ممن يعتقد بإمامتهم؛ ولكن هذا لا يعني أن أهل ألبيت (ع) هم للشيعة فحسب، ولا يعني أن ألشيعة يمكنهم ألإدعاء بأن أهل البيت ملكهم كما يتصور ألكثير من ألجهال من ألفريقين، بل أهل ألبيت (ع) هم للمسلمين جميعاً، وكان هدفهم ألأول هو ألعمل لمصلحة ألأمة ألإسلامية، فضلاً عن أتباعهم، وهذا ما سنبينه بالتفصيل…
ولكن ألإدعاء أن أهل ألبيت (ع) يسعون لتحقيق هذه ألأهداف على مستوى ألأمة ألإسلامية بكافة فرقهم وطوائفهم يثير حالة كبيرة من ألإستغراب وألإستفهام !!!
فبألنسبة للهدف ألأول بشأن ألحفاظ على كتاب ألله من ألتحريف؛ فإن ألله سبحانه وتعالى هو ألذي أنزل ألقرآن وهو ألذي تولى حفظه من ألإضافة وألحذف وألتحريف، وقد أثبت ألله هذه ألحقيقة في قوله تعالى { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }، كما إن ألقرآن ألموجود أليوم بين ظهراني ألناس هو نفس ألكتاب ألذي أمر ألخليفة ألراشد ألثالث عثمان بن عفان بإستنساخه وتوزيعه على ألأقطار ألإسلامية، وليس لأهل ألبيت أي دور في ذلك، فكيف يمكننا ألإدعاء أن أهل ألبيت قد حفظوا ألقرآن من ألتزوير وألتحريف وألزيادة وألنقصان ؟
أما بألنسبة للهدف ألثاني، وهو نشر ألسنة ألصحيحة وكشف ألسنة ألمزيفة؛ فألرسول (ص) نطق بمئات بل بآلاف ألأحاديث، وسن ألكثير من ألسنن، وأقر ألكثير من ألأمور، منذ بعثته حتى وفاته خلال ثلاث وعشرون سنة. وقد نقلت ألكثير من هذه ألأحاديث وألسنن والتقريرات من خلال ألعديد من كتب ألحديث، ونشأت ألكثير من ألدراسات وألأبحاث في هذا ألشأن، من كتب ألرجال، وتراجم وسير ألرواة، وطبقات ألمحدثين، ونشأت مفاهيم ألصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومفاهيم ألجرح وألتعديل، ومفاهيم الحديث ألصحيح والحسن والضعيف والموضوع، وألفت ألموسوعات ألحديثية، من كتب ألصحاح وألسنن والمسانيد، والكثير من هذه ألدراسات وألأبحاث تطورت خلال عدة قرون بعد وفاة ألرسول (ص)، وألناظر من ألخارج يرى دور أهل ألبيت محدوداً في هذا ألمجال؛ فكيف يمكننا ألإدعاء أن أهل ألبيت (ع) قد لعبوا دوراً مفصلياً في نشر ألأحاديث ألصحيحة وكشف ألكثير من ألأحاديث ألموضوعة وألمزيفة، ليس على نطاق أتباعهم فحسب بل على نطاق ألساحة ألإسلامية ألواسعة بجميع مذاهبهم وطوائفهم؟
أما بالنسبة للهدف الثالث في تفسير كتاب ألله وسنة رسوله (ص) بالشكل الصحيح؛ فقد ألف علماء ألمسلمين خلال أربعة عشر قرناً من وفاة الرسول (ص) حتى يومنا هذا عشرات بل مئات ألمجلدات من التفاسير لكتاب ألله، أما بألنسبة للشروحات بشأن ألسنة ألنبوية، فألسنة النبوية بشكل عام واضحة ولا تحتاج إلا إلى جهد بسيط وإلمام باللغة العربية وثقافة شرعية لتقديم ألشروحات ألوافية، ولكن أيضاً في هذا المجال فالمطلوب هو التعريف بألأحاديث الصحيحة ومعرفة ونبذ ألأحاديث ألمزورة والموضوعة؛ فما هو دور أهل البيت (ع) في ذلك ؟
أما بالنسبة للهدف الرابع في التطبيق العملي لما جاء في الكتاب والسنة؛ فقد قامت دول إسلامية متعددة خلال أربعة عشر قرناً، وكانت أغلب هذه الدول تحكم بأسم ألإسلام وترى وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية إستناداً إلى الكتاب والسنة النبوية، فأين هو دور أهل ألبيت (ع) في إتخاذ المواقف المصيرية والمهمة بشأن قضايا ألأمة ألكبيرة ؟
أما بالنسبة للهدف الخامس وهو تحقيق ألأمان من الفرقة؛ فإن الناظر من الخارج قد يجد الصورة معكوسة، فقد تحقق ألوئام داخل ألعالم ألإسلامي بشكل نسبي خلال فترة ألخلفاء ألراشدين ألثلاث، ولكن بمجرد أن تولى ألإمام علي (ع) ألأمر نشأت ألنزاعات وقامت ألحروب والفرقة بين ألمسلمين وأولها حرب ألجمل ثم صفين ثم ألنهروان، ولكن ما إن جاء معاوية بن أبي سفيان حتى قام ألصلح بينه وبين ألإمام ألحسن (ع) وسمي ذلك ألعام بعام ألجماعة لإجتماع ألمسلمين وإجتماع كلمتهم في ضل دولة واحدة، وهكذا كان ألوضع خلال فترات طويلة ضمن دولة ألخلافة ألأموية ودولة ألخلافة ألعباسية؛ فكيف يمكن أن تكون إمامة أهل ألبيت (ع) أماناً من ألفرقة؟
ولكن أمام هذه التساؤلات وأمام حالة ألإستفهام وألإستغراب ألتي تطرقنا إليها فإننا نستطيع أن نقول وبكل ثقة أن أهل البيت (ع) في واقع ألأمر قد سعوا وحققوا ألأهداف ألخمسة أعلاه وهذا ما سنتناوله بالتفصيل؛ كما إننا نثبت حقيقة أن هذه ألأهداف لم تتحق من قبل أهل ألبيت (ع) بشكل متساوٍ فيما بينهم، بل إن كل إمام مر بظروف وواقع تاريخي يختلف عمن هو غيره من ألأئمة، فيبرز تميز ذلك ألإمام بمواقف تصب بإتجاه واحد أو أكثر من هذه ألأهداف ألخمسة، وهذا يتطلب ألتعرف على ألمخاطر ألتي تعرض لها ألمسلمين وألإسلام وتعرضت لها ألشريعة الإسلامية وألمناهج ألإسلامية وألمفاهيم ألإسلامية بل كافة مفاصل ألفكر ألإسلامي بشموليته وكافة أبعاده وبالتالي ألتعرف على مواقف أهل ألبيت (ع) لدرء هذه ألأخطار ضمن ألمساحات ألخمسة ألتي تطرقنا إليها؛ وهذه ألمخاطر هي كما يلي :
أولاً: كتاب ألله
فبألنسبة لكتاب ألله؛ فإننا لو راجعنا التاريخ سنجد أن جميع الديانات والشرائع ألإلهية وجميع ألكتب ألسماوية السابقة قد حرفت؛ حيث حرفت شريعة نبي ألله إبراهيم (ع) بألكامل ممن تبقى من أتباعه من أديان منحرفة كالهندوسية ما تفرع عنها من ألبوذية وديانة السيخ، وكذلك شريعة نبي ألله موسىى (ع) وألديانة أليهودية وكتابهم ألتوراة، ونبي ألله عيسى (ع) والديانة ألمسيحية وكتابهم ألإنجيل؛ بل جميع ألديانات ألسماوية ألأخرى من غير ألإسلام ممن جاء بعد نوح (ع) وقبل عيسى (ع) ممن ذكرهم ألله في كتابه ألكريم أو لم يذكرهم؛ ألملاحظة ألمهمة في هذه ألإنحرافات إنها تمت على يد أناس محبين ومخلصين لأنبيائهم سواء كانوا من أليهود أو ألنصارى أو غيرهم، وأكبر دليل على حبهم لأنبيائهم أن النصارى أضفوا الصفات ألأ لهية على نبي ألله عيسى (ع) ولكنهم حرفوا الإنجيل. وإن أليهود كانوا ولا زالوا يحبون موسى (ع) ويفخروا بمعجزاته وألهندوس ألذين يعتبرون براهما هو ألإله ألأعظم ألذي لا تحرقه النار وأبو ألأمم وزوجته ساراسواتي وهو كنايةً عن نبي ألله إبراهيم وزوجته سارة وإستحالة النار ألتي ألقي فيها برداً وسلاماً ولكنهم مع ذلك حرفوا كتبهم ألسماوية وعقائدهم.
إن أخطر أمر واجهه ألإسلام هو وصول بني أمية إلى الحكم وهم مجموعة معادية للإسلام ومبغضة لرسول ألله (ص)، حاربت ألإسلام وألمسلمين ورسول ألله (ص) لأكثر من عشرين عاماً، دخلوا ألإسلام رغماً عن أنوفهم، لم تؤمن قلوبهم طرفة عين أبداً بهذا ألدين، وصفهم ألله في كتابه ألكريم بالمنافقين يظهرون الإسلام ويبطنون ألكفر والدليل الذي لا يقبل النقاش هو تواتر الحديث عن رسول الله (ص) {يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق} كما جاء في صحيح مسلم والنسائي وإبن ماجة والترمذي ومسند احمد ابن حنبل والحاكم النيسابوري على شرط الشيخين والعشرات غيرهم نقلاً عن الكثير من الصحابة كأم سلمة وعبد الله ابن عباس وجابر الأنصاري وابا ذر وابي سعيد الخدري وابن مسعود وعلي ابن ابي طالب (ع) وعدي ابن ثابت وعبادة بن الصامت والعشرات غيرهم ، وكان من بغض معاوية له هو سنه سنة سب علي ابن ابي طالب (ع) بعد كل صلاة حتى ابطلها عمر بن عبد العزيز، بل وصل بغضه أنه خيّر الصحابي حجر ابن عدي الكندي بين البراءة من علي (ع) أو القتل فلما لم يتبرأ منه قتله؛ بل ألأمر أكثر من ذلك حيث أعلن إبنه يزيد حرباً علنيةً وشعواء على الدين حين قتل ألحسين (ع) وسبى أهل بيته، وردد في مجلس عام شعار ألأخذ بثارات أجدادهم من رسول ألله (ص) ببدر وذلك بألفتك بحفيده ألحسين (ع) ومن تبقى من أهل بيت ألنبوة. لم يورد ألله في كتابه ألكريم قصص ألأنبياء وألأقوام ألسابقين عبثاً، وإنما ذكرها للتعريف بما سيواجهه ألمسلمون في مستقبل ألأيام من أحداث هي تكرار لما حدث للأقوام ألسابقين وللأديان ألسابقة، فالتأريخ يعيد نفسه، وألأحداث ألسابقة تتكرر، فالإنسان هو نفس الإنسان وألمجتمعات هي نفس ألمجتمعات؛ لم تواجه أليهودية ولا ألنصرانية أناساً تولوا أمور ألدين يضمرون هذا ألحقد على دينهم أو على نبي ألله موسى (ع) أو نبي ألله عيسى (ع) ولكن مع ذلك حرفت ألتوراة وحرف ألإنجيل؛ لقد كان من ألطبيعي أن يحرف ألقرآن وأن يحرف دين ألإسلام تحريفاً كاملاً على يد أعدائه الذين أحتلوا منزلة رسول ألله (ص) فتسموا بخلفاء الرسول؛ بل إن ألأمر أكثر من ذلك فبني أمية كانوا يعلمون أن ألله قد ذمهم في كتابه ألكريم في عدة آيات وبالذات في قوله تعالى { وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ}، حيث جاء في ألكثير من التفاسير أن رسول ألله (ص) رأى رؤيا في منامه أن بني أمية ينزون على منبره كنزو ألقرود فنزلت ألآية ألكريمة تثبت هذه ألرؤيا ومطلقةً على بني أمية لفظ ( ألشجرة الملعونة) كما ورد في تفاسير ألرازي وألقرطبي وأبن كثير والطبري في تأريخه وألسيوطي في الدر المنثور والبيهقي في الدلائل والمتقي الهندي في كنز العمال وإبن عساكر في تاريخ دمشق وإبن مردوية في تفسيره وألحاكم النيسابوري في ألمستدرك وفي غرائب ألقرآن والهيثمي في مجمع الزوائد وأبو يعلي في المسند وإبن حجر العسقلاني في الفتوح والكثير غيرهم نقلاً عن آلكثير من الصحابة والتابعين كأبن عباس وأبو هريرة وسعيد بن المسيب وأم ألمؤمنين عائشة ويعلي بن مرة وأبي برزة ألأسلمي وعبد الله بن مطرف والحسن بن علي (ع) وغيرهم من الكثير من الصحابة. لقد كان من حقدهم على كتاب الله أن ألوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان حين أستفتح القرآن فظهر له قوله تعالى {وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} فقال: “أتتوعدني؟” ثم علقه ولا زال يضربه بالنشاب حتى خرقه ومزقه وهو ينشد:
[أتتوعد كل جبار عنيــد، فها أنا ذاك جبـار عنيـد….إذا لاقيت ربك يوم حشرٍ، فقل يارب مزقني الوليد]. أمام هذا ألواقع نجد أنه من الغريب أن بني أمية لم يحرفوا كتاب ألله؛ ولكن ذلك ألإستغراب يزول ليقيننا أنه لا راد لأمر ألله وإرادته ومشيئته في حفظ كتابه الكريم ولكن ذلك لم يكن بطريقة إعجازية ولكن بطرق طبيعية تمثلت بمواقف ودور أهل البيت (ع) ألذي إختاره ألله لهم كما سيتبين أدناه.
ثانياً:سنة نبيه
لقد قضى رسول ألله (ص) أكثر من عشر سنوات في ألمدينة ألمنورة، وكانت له بالحد ألأدنى خطبتين في كل أسبوع في صلاة ألجمعة، أي في ألسنة ألواحدة أكثر من مئة خطبة فقط أثناء صلاة ألجمعة، إذاً مجموع ألخطب لصلاة ألجمعة لرسول ألله (ص) تتجاوز ألألف خطبة؛ ولكن كم وصلنا من هذه ألخطب ألمميزة للرسول ألأعظم صلى ألله عليه وآله وسلم؛ أنا شخصياً لم أطلع إلا على خطبة واحدة للرسول (ص) بشأن شهر رمضان وهي خطبة عميقة بمفاهيمها، عظيمة بمضامينها وشاملة بمحتواها و يتداولها ألكثير من ألمسلمين قبل شهر رمضان؛ فإذا كانت خطبة واحدة للرسول (ص) بهذه ألقيمة وتحوي كل تلك المضامين والمفاهيم؛ فكم كان يمكن أن يكون لدينا مفاهيم راقية وحقائق جلية ووضوح بعمق ألشريعة ألأسلامية من ألف خطبة؟ ولكن أين تلك ألخطب؟ وكم هي ألنسبة ألتي وصلتنا من أحاديث رسول ألله صلى ألله عليه وآله وسلم؟.
قال ألبخاري صاحب ألصحيح المعروف أنه لم يصح لديه أكثر من ( 2,700) حديث من غير المكرر من أصل ( 600,000) حديث قد بلغه، وقال مسلم أيضاً صاحب الصحيح إنه لم يصح لديه غير حوالي (3,000) حديث من أصل (300,000) حديث، ونجد مجموع الأحاديث في الصحيحين بحدود (3,500) من غير ألمكرر؛ أما ألمؤلفات ألحديثية ألتي جمعت بين ألغث وألسمين لأهل ألسنة فأهمها وأكبرها ألمسند لأحمد إبن حنبل ألذي بلغت أحاديثه حوالي أل ( 30,000) حديث؛ هذا ألواقع يثبت حقيقتين مخيفتين، ألأولى كثرة ألأحاديث ألموضوعة ألتي تجاوزت ألنصف مليون حديث؛ وألحقيقة ألثانية قلة ألأحاديث ألصحيحة.
ومع قلة ما دون في عهد ألرسول (ص) من أحاديث، فقد كانت هناك مخططات وعمليات لإتلاف ما دون من أحاديث بعد وفاة ألرسول (ص)، فضلاً عن سياسة منع تدوين ألحديث لما يقارب ألقرن ونصف من وفاة رسول ألله (ص).
ونكرر تساؤلنا أعلاه: هل يمكننا ألإدعاء أن أهل ألبيت (ع) قد لعبوا دوراً مفصلياً في نشر ألأحاديث ألصحيحة وكشف ألكثير من ألأحاديث ألموضوعة وألمزيفة، ليس على نطاق أتباعهم فحسب بل على نطاق ألساحة ألإسلامية ألواسعة بجميع مذاهبهم وطوائفهم؟ نستطيع أن نقول بكل ثقة أن ألكثير من ألأحاديث الصحيحة في ألبخاري ومسلم وغيرها من كتب ألحديث لمدرسة ألخلافة مدينون بها لأهل بيت النبوة (ع) فضلاً عن الكتب الحديثية لأتباع مدرسة الإمامة؛ فكيف كان ذلك ؟ هذا ما سنوضحه أدناه.
ثالثاً: تفسير ألكتاب وشرح سنة نبيه
يوجد في كتاب ألله 6236 آية، فإذا كان رسول ألله قد قضى 23 سنة من البعثة حتى وفاته فيكون معدل ما نزل عليه من ألآيات في السنة حوالي 270 آية، أي في ألأسبوع حوالي (5) آيات، أي أقل من آية واحدة في اليوم، لقد كان رسول ألله (ص) يوضح للمسلمين معنى كل آية ويقوم بتفسيرها إن كان هناك عدم وضوح من معناها، بل من الطبيعي إن شك المسلمون بأي آية من الكتاب أن يسألوا رسول ألله (ص)، حيث من الطبيعي أن يكون كل مسلم قادراً على أن يسأل رسول ألله (ص) مرة واحدة في ألأسبوع عن ألآيات الخمس التي أنزلت في ذلك ألأسبوع، لقد كان ألكثير من ألمسلمين يدونون ألآيات وألسور ألتي كانت تنزل على رسول ألله (ص)، حيث كانت عدة آيات لعدة سور تتنزل على رسول ألله (ص) في آن واحد فكان الرسول (ص) يوجههم فيعرفهم لأي سورة تتبع هذه الآية ثم يضع كل آية في موضعها الصحيح من السورة، كما إنهم كانوا عندما يدونون الآيات يكتبون تفاسيرها ومعانيها وسبب نزولهاعن ألرسول (ص) في الحواشي؛ للأسف تم إحراق كل هذه ألنسخ من المصاحف ألتي كانت تتضمن ألتفاسير عن رسول ألله (ص) في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان ودون القرآن في عهده خالياً من جميع الحواشي والتفاسير ألتي نقلت عن رسول ألله (ص)، لذلك فإن ألأمر كان يستدعي مفسرين يفسرون الكتاب وبالذات ألآيات ألتي يمكن تأويلها بأكثر من معنى، حيث أشار ألله إلى هذه ألحقيقة في قوله تعالى ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾،
وهنا نتساءل كيف أوصل أهل بيت النبوة (ع) المقصودون في قوله تعالى ( ألراسخون في العلم) تفسير ألكتاب إلى ألمسلمين عامة وإلى أتباع أهل البيت خاصة ؟
رابعاً: التطبيق العملي لما جاء في كتاب الله وفي سنة نبيه
كما تطرقنا سابقاً بألنسبة لكتاب ألله فإن ألتفاسير ألتي دونت في عهد رسول ألله (ص) وعن رسول ألله (ص) قد أحرقت، وأغلب أحاديث رسول ألله (ص) وخطبه وسننه لم تدون ولم تنقل إلينا، بل ما دون منها اتلف في عصور مختلفة كما سنبينه؛ كما أن واقع الدولة ألإسلامية الفتية بعد وفاة رسول ألله (ص) قد تعقد كثيراً فقد واجه ألمسلمون بعد رسول ألله (ص) واقعاً جديداً تمثل بألحروب وألغزوات وفتح ألبلدان وإنتشار ألإسلام على ألمدى ألواسع وإختلاط ألمسلمين مع شعوب وحضارات أخرى، وهذا يتطلب مواقف إسلامية عملية لحل ألكثير من ألمعضلات ألجديدة ألتي واجهت ألمسلمين مما يستدعي درجة عالية من ألإستيعاب للإسلام لإستنباطها من كتاب ألله وسنة رسوله (ص) مما لا يمكن أن يتاح للإنسان ألمسلم ألعادي فعله.
فما هو الدور ألذي لعبه أهل بيت ألنبوة (ع) للتطبيق ألعملي لما جاء في كتاب ألله وفي سنة نبيه ضمن هذا الواقع ألجديد والمتغيرات ألكبيرة ؟
خامساً: تحقيق ألأمان من الفرقة
لقد تعرضت هذه ألدولة ألفتية بعد وفاة رسول ألله (ص) مباشرةً إلى خلافات كبيرة جداً تمثلت بخلافة رسول ألله (ص)، فقد كان أهل بيت ألنبوة ممثلين بعلي أبن أبي طالب (ع) يدّعون أنهم أولى ألناس بخلافته إستناداً لمقولة ألرسول (ص) في خطبة ألوداع [من كنت مولاه فهذا علي مولاه].، في حين إدعت قريش أن رسول ألله (ص) لم يوص لأحد وإنه ترك ألأمر شورى بين المسلمين، فأدى هذ ألأمر إلى حدوث نزاع على مستوى ألقيادة كاد يمكن أن يؤدي إلى إضعاف هذه ألدولة بشكل كبير أو لعله إسقاطها، ثم أصبح المسلمون في حيرة بعد وفاة أبي بكر (رض) حيث أوصى بألأمر إلى عمر بن ألخطاب (رض) من دون شورى ألمسلمين، وتكررت ألنزاعات حين تولى علي بن أبي طالب (ع) الخلافة، فقامت معركة الجمل، ثم صفين ثم النهروان، وإنشطرت ألدولة ألإسلامية إلى دولتين وحكمها خليفتين بعد مهزلة التحكيم على أثر معركة صفين؛ فما كان دور أئمة أهل البيت (ع) ضمن هذا الواقع للحفاظ على ألأمة وتحقيق ألأمان من ألفرقة ؟
سنتطرق إلى دور أهل بيت ألنبوة (ع) ومواقفهم في مواجهة ما ذكرناه من مخاطر لتحقيق مقولة الزهراء (ع) ( جعل ألله ……. طاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من ألفرقة) وكما ذكرنا سابقاً فإن هذه ألأهداف لم تتحق من قبل أهل ألبيت (ع) بشكل متساوٍ فيما بينهم، بل إن كل إمام مر بظروف وواقع تاريخي يختلف عمن هو غيره من ألأئمة، فيبرز تميز ذلك ألإمام بمواقف تصب بإتجاه واحد أو أكثر من هذه ألأهداف ألخمسة، لذلك سنذكر كل إمام على حدة ونذكر ما حققه من أهداف ضمن المساحات ألخمسة ألتي تطرقنا إليها أعلاه:
دور ألإمام علي (ع) في تحقيق ألهدف ألخامس وهو ألحفاظ على ألأمة من ألفرقة وتحقيق ألهدف ألرابع في إتخاذ ألمواقف ألمهمة وألمصيرية وألكبيرة بشأن قضايا ألأمة :
من مراجعة ألتأريخ ألإسلامي يتبين لنا إن من أخطر ألمراحل ألتي مرت بها ألأمة ألإسلامية هي بعد وفاة رسول ألله (ص) حيث دب ألخلاف بين علي أبن أبي طالب (ع) وألخليفة ألأول وألثاني أبا بكر وعمر (رضوان الله عليهم ما داموا في طاعة الله)؛ وكادت تنشق ألقيادة في ألأمة ألإسلامية بل تنشق ألأمة ألإسلامية وكان هناك من يؤجج هذا ألتمزق وهذا ألإنشقاق؛ حيث جاء أبو سفيان إلى علي أبن أبي طالب (ع) قائلاً : { وليتم على هذا الأمر أذل بيت في قريش، أما والله لئن شئت لأملأنها على أبي فصيل خيلاً ورجلاً}، فقال علي عليه السلام: { طالما غششت الإسلام وأهله، فما ضررتهم شيئاً، لا حاجة لنا إلى خيلك ورجلك}؛ لقد كان علي أبن أبي طالب (ع) خلال خلافة أبو بكر وعمر وعثمان ناصحاً لهم مشيراً عليهم مافيه مصلحة ألإسلام ومثبتاً حقائق ألإسلام وموجهاً لهم للسير على منهجه، حتى قال بحقه عمر بن ألخطاب (رض) ثلاث مقولات مشهورة ( لولا علي لهلك عمر) وقال ( لا أبقاني ألله لمعضلةٍ ليس لها أبا حسنٍ) وقال ( لا أبقاني ألله بأرض لست فيها يا أبا الحسن)؛ لقد قال عمر هذه ألمقولات بسبب ألمواقف ألمميزة للإمام علي (ع) لتقديم النصح للخليفة والحفاظ على هذه الدولة الفتية وحل الإشكالات التي يقع فيها الخليفة؛ فعلى سبيل ألمثال : حينما جمع ألفرس جيشاً جراراً تجاوز ألمئة ألف مقاتل للهجوم على ألدولة ألإسلامية ألفتية في عهد عمر بن ألخطاب (رض)، جمع عمر رؤوس ألصحابة لإستشارتهم، فأشاروا عليه تشكيل جيش كبير وذلك بجلب ألمقاتلين من أليمن وألشام وألبصرة وألحجاز فضلاً عن ألكوفة، وأن يقوم ألخليفة عمر بن ألخطاب بقيادة هذا ألجيش وبذلك يمكن بهذه ألأعداد ألكبيرة من ألمقاتلين وبقيادة ألخليفة صد ألهجوم ألفارسي؛ ولكن ألإمام علي (ع) رفض تلك ألمشورة وأشار عليه بخلاف رأي ألمشيرين ألآخرين فقال له : ( أما بعد فإنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم ، و إن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم ، و إنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك الأرض من أطرافها و أقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات و العيالات ! أقْرِرْ هؤلاء في أمصارهم ، و اكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا فيها ثلاث فرق : فلتقم فرقة لهم في حرمهم و ذراريهم ، و لتقم فرقة في أهل عهدهم لئلا ينتقضوا عليهم ، و لتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مدداً لهم . إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً قالوا هذا أمير العرب و أصل العرب ، فكان ذلك أشد لكلبهم و ألبتهم على نفسك . و أما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله هو أكره لمسيرهم منك ، و هو أقدر على تغيير ما يكره . و أما ما ذكرت من عددهم ، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة و لكنا كنا نقاتل بالنصر ). فقال عمر (رض) : (أجل والله لئن شخصت من البلدة لتنتقضن عليَّ الأرض من أطرافها و أكنافها ، و لئن نظرت إلي الأعاجم لا يفارقن العرصة ، و ليمدنهم من لم يمدهم و ليقولن هذا أصل العرب ، فإذا اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب ) .
فضلاً عن ذلك كانت للإمام علي (ع) عدة مواقف في تقديم ألنصح للخليفة عمر بن ألخطاب (رض) في مجال ألقضاء ونتطرق أدناه إلى ألحادثتين ألتاليتين؛ إن رجلين أتيا امرأة من قريش فاستودعاها مائة دينار وقالا: لا تدفعيها إلى أحد منا دون صاحبه حتى نجتمع، فلبثا حولا ثم جاء أحدهما إليها وقال: إن صاحبي قد مات فادفعي إلي الدنانير فأبت فثقل عليها بأهلها فلم يزالوا بها حتى دفعتها إليه ثم لبثت حولا آخر فجاء الآخر فقال: ادفعي إلي الدنانير، فقالت: إن صاحبك جاءني وزعم أنك قد مت فدفعتها إليه فاختصما إلى عمر فأراد أن يقضي عليها وقال لها: ما أراك إلا ضامنة . فقالت: أنشدك الله أن تقضي بيننا وارفعنا إلي علي بن أبي طالب .فرفعها إلى علي (ع) وعرف أنهما قد مكرا بها، فقال: (أليس قلتما لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه ؟ قال: بلى .قال: فإن مالك عندنا إذهب فجئ بصاحبك حتى ندفعها إليكما). أما ألحادثة ألأخرى فقد أتى عمر بن الخطاب بامرأة قد تعلقت بشاب من الأنصار وكانت تهواه فلما لم يساعدها احتالت عليه فأخذت بيضة فألقت صفرتها وصبت البياض على ثوبها وبين فخذيها ثم جاءت إلى عمر صارخة فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي وفضحني في أهلي وهذا أثر فعاله . فسأل عمر النساء فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المني فهم بعقوبة الشاب فجعل يستغيث ويقول: يا أمير المؤمنين ! تثبت في أمري فوالله ما أتيت فاحشة وما هممت بها فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت . فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما ؟ فنظر علي إلى ما على الثوب ثم دعا بماء حار شديد الغليان فصب على الثوب فجمد ذلك البياض ثم أخذه واشتمه وذاقه فعرف طعم البيض وزجر المرأة فاعترفت؛ لذلك قال عمر بحق علي ( أقضاكم علي) فهكذا نرى إن دور ألإمام علي أبن أبي طالب (ع) واضحاً كل ألوضوح في أن منهجه كان في وضع ألأسس ألتي تحافظ على مسيرة ألأمة وضمان أمن ألدولة والمحافظة عليها من ألفرقة من خلال تقديم ألنصح وألمشورة لمن سبقه من ألخلفاء. بل إن ألأمر تعداه إلى أكثر من ذلك فقد كان يعتبر نفسه هو ألمسؤول ألأول على هذا ألكيان وهذه ألدولة، لذلك مع قمة خلافه مع معاوية بن أبي سفيان عندما وصل إلى مسامعه أن ألروم قد يشنون حرباً على ألشام حيث كان هناك معاوية بن أبي سفيان عدوه اللدود قال قولته المشهورة: ( لو فعلها بنو الأصفر –الروم– لوضعت يدي بيد معاوية ولقاتلناهم)
[قد يستغرب القاريء حينما أذكر ألخلفاء الثلاث الأوائل وأم المؤمنين عائشة أٌتبعها بمقولة رضوان الله عليهم ما داموا في طاعة الله من دون تعميم الرضى، وذلك لأن ألله يرضى على كل عمل يتوخى فيه الإنسان طاعة الله، أما ألأعمال التي فيها معصية فلا يمكن أن يرضى عنها الله، كمحاربة أم المؤمنين عائشة لإمام زمانها علي ابن ابي طالب، أو نبذ عثمان بن عفان للصحابي أبا ذر الغفاري إلى الربذة، فكل إستخدام لعبارة (رض) في هذا المقال هي للتخصيص وليس للتعميم للسبب أعلاه، أما عبارة عليه السلام فهي للتعميم وذلك تصديقاً لقوله تعالى { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} وقد شاركت البخاري صاحب الصحيح المعروف بهذا النهج حيث لم يستخدم عبارة عليه السلام بحق أي من الصحابة ما خلا علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) في صحيحه إنطلاقاً من تميزهم عن الصحابة فضلاً عن إختصاصهم في القرآن بالآية أعلاه]
دور ألإمام علي (ع) في تحقيق ألهدف ألثاني والثالث والرابع في حفظ أحاديث وسنة رسول ألله (ص) وتفسيره لكتاب ألله وتطبيقه ألعملي لما جاء في الكتاب والسنة:
أما دوره في حفظ أحاديث وسنة رسول ألله (ص) وذلك خلال فترة توليه ألخلافة إنه كان يدعو ألناس ويجمعهم ويذكر أحاديث رسول ألله (ص) ويطلب منهم تدوينها، بل كان يطلب تدوين خطبه، فوصل لنا سفر نهج ألبلاغة ألذي يشمل على ألمئات من كلماته وخطبه ورسائله، هذا مع العلم أن علياً (ع) لم يحكم غير أربع سنوات وقد وصلنا كل هذا منه، فهل يعقل أن رسول الله (ص) الذي قضى أكثر من عشر سنوات في المدينة متحدثاً لهم بأكثر من ألف خطبة لا تصلنا منه غير خطبة واحدة، ولولا سياسة إتلاف أحاديث رسول ألله (ص) وسياسة معاوية في وضعه الحديث ألذي نسبوه زوراً إلى أبا سعيد الخدري (لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني) فأعتمدوا هذا الحديث الموضوع الذي وصل إلى مسلم والترمذي لإتلاف كل مدونات الحديث التي فيها ذم لمعاوية ولبني امية ومدح لأهل بيت النبوة، فلو صح هذا الحديث فما جاز أن يدون أي كتاب من كتب الحديث، فلولا سياسة معاوية تلك لوصلنا عن رسول ألله (ص) أيضاً ألمئات من خطبه وكلماته ورسائله، بل لولا تلك السياسة لما تم تداول اكثر من نصف مليون حديث موضوع ومزور عن لسان رسول الله (ص)، كأحاديث معاوية خال المؤمنين، وأنه كاتب الوحي وقول الرسول (ص) بحقه:اللهمَّ علِّمْ معاوية الكتاب والحساب وقِهِ العذاب، وقول آخر: اللهم اجعله هادياً مهديًّا واهدِ به، وقوله (ص) : كاد معاوية أن يبعث نبياً من حلمه وائتمانه على كلام ربي، فكل هذه الأحاديث موضوعة من قبل أزلام معاوية ولا يوجد اي نصيب لها من الصحة .
وأحب في هذا المجال أن أقارن بين تفسير علي (ع) وهو القصود في قوله تعالى ( الراسخون في العلم) وبين من فسر ألقرآن ممن في قلوبهم زيغ ممن يتسمون بالسلفيين التكفيريين من أمثال داعش ومن لف لفهم، حيث يزعمون أنهم يأخذون بألمعنى الظاهري لآيات الكتاب، ولذلك يقولون إن لله وجه حقيقي ويد حقيقية وعين حقيقية وساق حقيقية وأن ألله خلق آدم على صورته كما كان يزعم إبن تيمية؛ ويزعمون أنه يهبط من العرش إلى ألسماء ألدنيا، وإن ألعرش يخلو منه حين إنتقاله إلى السماء؛ وأحب أن أتطرق إلى مقولات علي (ع) في هذا المجال كما هي واردة في نهج البلاغة ومصادر أخرى حيث يقول في وصف رب العزة سبحانه وتعالى:
( لا تحويه الفكر ولا تدركه الأوهام، لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان، لا يقاس بالناس، ولا يدرك بالحواس، قريب من الأشياء غير مـُلامس، بعيد منها غير مباين، متجلٍّ لا باستهلال رؤيةٍ، بائن لا بمسافةٍ، قريب لا بمداناة، صانع لا بجارحة، سميع لا يوصف بآلة، بصير لا يوصف بالحاسّة؛ من شبّهه بتباين أعضاء خلقه، لم يباشر قلبه اليقين بأن لا ند له؛ كذب العادلون به إذ شبّهوه بخلقه، ونحلوه حلية المخلوقين بأوهامهم، لا تدركه الأبصار، ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال؛ ما دلنا القرآن من صفاته وجب الائتمام به، والاستضائة بنور هدايته؛ كمال الإخلاص لله نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، سبحانه هو كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته، من اعتمد على الرأي والقياس في معرفة الله ضلّ وتشعّبت عليه؛ إنّ من يعجز عن صفات ذي الهيئة والأدوات فهو عن صفات خالقه أعجز، ومن تناوله بحدود المخلوقين أبعد؛ كيف يصف إلهَه من يعجز عن صفة مخلوق مثله ؛ لم يُطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته؛ من وصف الله فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن عدّه فقد أبطل أزله؛ كمال توحيده الإخلاص له، فمن وصف الله فقد قَرَنَه ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جَزَّأه ومن جزَّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن جزّأه فقد وصفه ، ومن وصفه فقد ألحد فيه ، ومن بعّضه فقد عدل عنه؛ قد جهل الله من استوصفه، الذي سُئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحدّ ولا ببعض، بل وصفته بفعاله، ودلّت عليه بآياته، كلم موسى تكليماً بلا جوارح ولا أدوات، ولا شفة ولا لهوات، سبحانه وتعالى عن تكييف الصفات؛ مَن تفكّر في ذات الله تزندق، لا تناله التجزئة والتبعيض، ولا تُحيط به الأبصار والقلوب، ولا يمكن حده بالأماكن، ولا يشار إليه بالنظائر، لا تلمسه لامسة، ولا تحسّه حاسّة، لا يُشبهه صورة، ولا يُحسّ بالحواسّ، كلّت عن إدراكه طروف العيون، وقصرت دون بلوغ صفته أوهام الخلائق، كلّت الأوهام عن تفسير صفته، وانحسرت العقول عن كُنْه عظمته، ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه، وعن الأفهام أن تستغرقه، وعن الأذهان أن تُمثّله، فلسنا نعلم كُنْه عظمته، إلاّ أنّا نعلم أنّه حيّ قيّوم، لا تأخذه سِنة ولا نوم، لم ينتهِ إليه نظر، ولم يُدركه بصر، ولم يتناهَ في العقول فيكون في مهبّ فكرها مُكيَّفاً، ولا في رَوِيّات خواطرها فيكون محدوداً مصرّفاً، ولم تبلغه العقول بتحديد فيكون مُشبَّهاً، ولم تقع عليه الأوهام بتقدير فيكون ممثّلاً، غاية كلّ متعمّق في معرفة الخالق سبحانه الاعتراف بالقصور عن إدراكها؛ عظم عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر، من يزعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود، ومن ذكر أن الأماكن به تحيط، لزمته الحيرة والتخليط، بل هو المحيط بكل مكان، فإن كنت صادقاً أيها المتكلّف لوصف الرحمن، بخلاف التنزيل والبرهان، فصف لي جبريل وميكائيل وإسرافيل….. هيهات!!!! أتعجز عن صفة مخلوق مثلك، وتصف الخالق المعبود، وأنت تدرك صفة رب الهيئة والأدوات، فكيف من لم تأخذه سنة ولا نوم؟ له ما في الأرضين والسموات وما بينهما وهو رب العرش العظيم؛ ولا يقاس بالناس، من ساواه بشيء من خلقه فقد عدل به، والعادل به كافر بما تنزلت به محكمات آياته، وما كلف الشيطان علمه، مما ليس في الكتاب فرضه، ولا في سنة النبي صلى الله عليه وآله وأئمة الهدى أثره، فكل علمه الى الله سبحانه، فإن ذلك منتهى حق الله عليك؛ واعلم أنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السُّدَد المضروبة دون الغيوب، الإقرارُ بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يُحيطوا به علماً، وسمّي تركهم التعمّقَ فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخاً. فاقتصِرْ على ذلك، ولا تُقدِّر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين).
هكذا يتجلى ألفرق في تفسير كتاب ألله بين سذاجة وجهل من في قلوبهم زيغ من أمثال إبن تيمية ومن يتسمون بالسلفيين وبين عظمة هذه المقولات أعلاه لأمير ألمؤمنين علي بن ابي طالب (ع) ، ومما لا شك فيه إن هذا الوصف لله ليس له مثيل من قبل أي من ألمسلمين منذ وفاة رسول ألله (ص) حتى يومنا هذا، لا في تفاسير ألقرآن ولا في تأويلات آياته ولا أي من علماء ألمسلمين من غير رسول ألله (ص) وأهل بيته (ع) .
أما بألنسبة لتطبيقه ألعملي لكتاب الله وسنة نبيه فقد تجلى ذلك حينما تولى ألخلافة، وأوضح ما ورد في هذا المجال هو عهده إلى مالك ألأشتر والتي تمثل منهجاً كاملاً للحكم في ألإسلام حيث أخترنا بعض الفقرات منها حيث يقول عليه افضل الصلاة والسلام:
{ هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَالِكَ بْنَ الْحَارِثِ الْأَشْتَرَ فِي عَهْدِهِ إِلَيْهِ حِينَ وَلَّاهُ مِصْرَ جِبَايَةَ خَرَاجِهَا وَ جِهَادَ عَدُوِّهَا وَ اسْتِصْلَاحَ أَهْلِهَا وَ عِمَارَةَ بِلَادِهَا ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ مِنْ عَدْلٍ وَ جَوْرٍ وَ أَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلَاةِ قَبْلَكَ وَ يَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ وَ إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ فَلْيَكُنْ أَحَبَّ الذَّخَائِرِ إِلَيْكَ ذَخِيرَةُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ / فَامْلِكْ هَوَاكَ وَ شُحَّ بِنَفْسِكَ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ فَإِنَّ الشُّحَّ بِالنَّفْسِ الْإِنْصَافُ مِنْهَا فِيمَا أَحَبَّتْ أَوْ كَرِهَتْ / وَ أَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَ الْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَ اللُّطْفَ بِهِمْ وَ لَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ وَ إِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ rيَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وَ تَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ وَ يُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَ الْخَطَإِ فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وَ صَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وَ تَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ مِنْ عَفْوِهِ وَ صَفْحِهِ فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ وَ وَالِي الْأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ وَ اللَّهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ وَ قَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وَ ابْتَلَاكَ بِهِمْ / وَ لَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ وَ لَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ وَ إِذَا أَحْدَثَ لَكَ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِكَ أُبَّهَةً أَوْ مَخِيلَةً فَانْظُرْ إِلَى عِظَمِ مُلْكِ اللَّهِ فَوْقَكَ وَ قُدْرَتِهِ مِنْكَ عَلَى مَا لَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِكَ / إِيَّاكَ وَ مُسَامَاةَ اللَّهِ فِي عَظَمَتِهِ وَ التَّشَبُّهَ بِهِ فِي جَبَرُوتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يُذِلُّ كُلَّ جَبَّارٍ وَ يُهِينُ كُلَّ مُخْتَالٍ / وَ مَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ وَ مَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَضَ حُجَّتَهُ وَكَانَ لِلَّهِ حَرْباً حَتَّى يَنْزِعَ أَوْ يَتُوبَ وَ لَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللَّهِ وَ تَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَةٍ عَلَى ظُلْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ وَ هُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ وَ لْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ وَ أَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وَ أَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ فَإِنَّ سُخْطَ الْعَامَّةِ يُجْحِفُ بِرِضَى الْخَاصَّةِ وَ إِنَّ سُخْطَ الْخَاصَّةِ يُغْتَفَرُ مَعَ رِضَى الْعَامَّةِ / وَ إِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ وَ جِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَ الْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ لَهُمْ وَ مَيْلُكَ مَعَهُمْ وَ لْيَكُنْ أَبْعَدَ رَعِيَّتِكَ مِنْكَ وَ أَشْنَأَهُمْ عِنْدَكَ أَطْلَبُهُمْ لِمَعَايِبِ النَّاسِ فَإِنَّ فِي النَّاسِ عُيُوباً الْوَالِي أَحَقُّ مَنْ سَتَرَهَا فَلَا تَكْشِفَنَّ عَمَّا غَابَ عَنْكَ مِنْهَا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ تَطْهِيرُ مَا ظَهَرَ لَكَ وَ اللَّهُ يَحْكُمُ عَلَى مَا غَابَ عَنْكَ فَاسْتُرِ الْعَوْرَةَ مَا اسْتَطَعْتَ يَسْتُرِ اللَّهُ مِنْكَ مَا تُحِبُّ سَتْرَهُ مِنْ رَعِيَّتِكَ / وَ تَغَابَ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَضِحُ لَكَ وَ لَا تَعْجَلَنَّ إِلَى تَصْدِيقِ سَاعٍ فَإِنَّ السَّاعِيَ غَاشٌّ وَ إِنْ تَشَبَّهَ بِالنَّاصِحِينَ وَ لَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ وَ يَعِدُكَ الْفَقْرَ وَ لَا جَبَاناً يُضْعِفُكَ عَنِ الْأُمُورِ وَ لَا حَرِيصاً يُزَيِّنُ لَكَ الشَّرَهَ بِالْجَوْرِ فَإِنَّ الْبُخْلَ وَ الْجُبْنَ وَ الْحِرْصَ غَرَائِزُ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ إِنَّ شَرَّ وُزَرَائِكَ مَنْ كَانَ لِلْأَشْرَارِ قَبْلَكَ وَزِيراً / وَ أَنْتَ وَاجِدٌ مِنْهُمْ خَيْرَ الْخَلَفِ مِمَّنْ لَهُ مِثْلُ آرَائِهِمْ وَ نَفَاذِهِمْ وَ لَيْسَ عَلَيْهِ مِثْلُ آصَارِهِمْ وَ أَوْزَارِهِمْ وَ آثَامِهِمْ مِمَّنْ لَمْ يُعَاوِنْ ظَالِماً عَلَى ظُلْمِهِ وَ لَا آثِماً عَلَى إِثْمِهِ أُولَئِكَ أَخَفُّ عَلَيْكَ مَئُونَةً وَ أَحْسَنُ لَكَ مَعُونَةً وَ أَحْنَى عَلَيْكَ عَطْفاً وَ أَقَلُّ لِغَيْرِكَ إِلْفاً فَاتَّخِذْ أُولَئِكَ خَاصَّةً لِخَلَوَاتِكَ وَ حَفَلَاتِكَ ثُمَّ لْيَكُنْ آثَرُهُمْ عِنْدَكَ أَقْوَلَهُمْ بِمُرِّ الْحَقِّ لَكَ وَ أَقَلَّهُمْ مُسَاعَدَةً فِيمَا يَكُونُ مِنْكَ مِمَّا كَرِهَ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ ثُمَّ رُضْهُمْ عَلَى أَلَّا يُطْرُوكَ وَ لَا يَبْجَحُوكَ بِبَاطِلٍ لَمْ تَفْعَلْهُ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْإِطْرَاءِ تُحْدِثُ الزَّهْوَ وَ تُدْنِي مِنَ الْعِزَّةِ وَ لَا يَكُونَنَّ الْمُحْسِنُ وَ الْمُسِيءُ عِنْدَكَ بِمَنْزِلَةٍ سَوَاءٍ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ تَزْهِيداً لِأَهْلِ الْإِحْسَانِ فِي الْإِحْسَانِ وَ تَدْرِيباً لِأَهْلِ الْإِسَاءَةِ عَلَى الْإِسَاءَةِ / ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوءَاتِ وَ الْأَحْسَابِ وَ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَ السَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ ثُمَّ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَ الشَّجَاعَةِ وَ السَّخَاءِ وَ السَّمَاحَةِ فَإِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وَ شُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ / وَ لْيَكُنْ آثَرُ رُءُوسِ جُنْدِكَ عِنْدَكَ مَنْ وَاسَاهُمْ فِي مَعُونَتِهِ وَ أَفْضَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جِدَتِهِ بِمَا يَسَعُهُمْ وَ يَسَعُ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ خُلُوفِ أَهْلِيهِمْ حَتَّى يَكُونَ هَمُّهُمْ هَمّاً وَاحِداً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ فَإِنَّ عَطْفَكَ عَلَيْهِمْ يَعْطِفُ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكَ وَ إِنَّ أَفْضَلَ قُرَّةِ عَيْنِ الْوُلَاةِ اسْتِقَامَةُ الْعَدْلِ فِي الْبِلَادِ وَ ظُهُورُ مَوَدَّةِ الرَّعِيَّةِ و إِنَّهُ لَا تَظْهَرُ مَوَدَّتُهُمْ إِلَّا بِسَلَامَةِ صُدُورِهِمْ / وَ وَاصِلْ فِي حُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَ تَعْدِيدِ مَا أَبْلَى ذَوُو الْبَلَاءِ مِنْهُمْ فَإِنَّ كَثْرَةَ الذِّكْرِ لِحُسْنِ أَفْعَالِهِمْ تَهُزُّ الشُّجَاعَ وَ تُحَرِّضُ النَّاكِلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ / وَ لَا يَدْعُوَنَّكَ شَرَفُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تُعْظِمَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ صَغِيراً وَ لَا ضَعَةُ امْرِئٍ إِلَى أَنْ تَسْتَصْغِرَ مِنْ بَلَائِهِ مَا كَانَ عَظِيماً ثُمَّ انْظُرْ فِي أُمُورِ عُمَّالِكَ فَاسْتَعْمِلْهُمُ اخْتِبَاراً وَ لَا تُوَلِّهِمْ مُحَابَاةً وَ أَثَرَةً / وَ تَوَخَّ مِنْهُمْ أَهْلَ التَّجْرِبَةِ وَ الْحَيَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَ الْقَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّهُمْ أَكْرَمُ أَخْلَاقاً وَ أَصَحُّ أَعْرَاضاً وَ أَقَلُّ فِي الْمَطَامِعِ إِشْرَاقاً وَ أَبْلَغُ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ نَظَراً/ وَ لْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلَابِ الْخَرَاجِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُدْرَكُ إِلَّا بِالْعِمَارَةِ وَ مَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلَادَ وَ أَهْلَكَ الْعِبَادَ وَ لَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلَّا قَلِيلًا / ثُمَّ اللَّهَ اللَّهَ فِي الطَّبَقَةِ السُّفْلَى مِنَ الَّذِينَ لَا حِيلَةَ لَهُمْ مِنَ الْمَسَاكِينِ وَ الْمُحْتَاجِينَ وَ أَهْلِ الْبُؤْسَى وَ الزَّمْنَى فَإِنَّ فِي هَذِهِ الطَّبَقَةِ قَانِعاً وَ مُعْتَرّاً وَ احْفَظِ لِلَّهِ مَا اسْتَحْفَظَكَ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ وَ اجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكِ وَ قِسْماً مِنْ غَلَّاتِ صَوَافِي الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ بَلَدٍ / وَ لَا يَشْغَلَنَّكَ عَنْهُمْ بَطَرٌ فَإِنَّكَ لَا تُعْذَرُ بِتَضْيِيعِكَ التَّافِهَ لِإِحْكَامِكَ الْكَثِيرَ الْمُهِمَّ فَلَا تُشْخِصْ هَمَّكَ عَنْهُمْ وَ لَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لَهُمْ وَ تَفَقَّدْ أُمُورَ مَنْ لَا يَصِلُ إِلَيْكَ مِنْهُمْ مِمَّنْ تَقْتَحِمُهُ الْعُيُونُ وَ تَحْقِرُهُ الرِّجَالُ فَفَرِّغْ لِأُولَئِكَ ثِقَتَكَ مِنْ أَهْلِ الْخَشْيَةِ وَ التَّوَاضُعِ فَلْيَرْفَعْ إِلَيْكَ أُمُورَهُمْ ثُمَّ اعْمَلْ فِيهِمْ بِالْإِعْذَارِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ تَلْقَاهُ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ بَيْنِ الرَّعِيَّةِ أَحْوَجُ إِلَى الْإِنْصَافِ مِنْ غَيْرِهِمْ / وَ تَعَهَّدْ أَهْلَ الْيُتْمِ وَ ذَوِي الرِّقَّةِ فِي السِّنِّ مِمَّنْ لَا حِيلَةَ لَهُ وَ لَا يَنْصِبُ لِلْمَسْأَلَةِ نَفْسَهُ وَ ذَلِكَ عَلَى الْوُلَاةِ ثَقِيلٌ وَ الْحَقُّ كُلُّهُ ثَقِيلٌ وَ قَدْ يُخَفِّفُهُ اللَّهُ عَلَى أَقْوَامٍ طَلَبُوا الْعَاقِبَةَ فَصَبَّرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ وَثِقُوا بِصِدْقِ مَوْعُودِ اللَّهِ لَهُمْ وَ اجْعَلْ لِذَوِي الْحَاجَاتِ مِنْكَ قِسْماً تُفَرِّغُ لَهُمْ فِيهِ شَخْصَكَ وَ تَجْلِسُ لَهُمْ مَجْلِساً عَامّاً فَتَتَوَاضَعُ فِيهِ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَكَ وَ تُقْعِدُ عَنْهُمْ جُنْدَكَ وَ أَعْوَانَكَ مِنْ أَحْرَاسِكَ وَ شُرَطِكَ حَتَّى يُكَلِّمَكَ مُتَكَلِّمُهُمْ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ( صلى الله عليه وآله ) يَقُولُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ لَنْ تُقَدَّسَ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهَا حَقُّهُ مِنَ الْقَوِيِّ غَيْرَ مُتَتَعْتِعٍ / وَ أَمَّا بَعْدُ فَلَا تُطَوِّلَنَّ احْتِجَابَكَ عَنْ رَعِيَّتِكَ فَإِنَّ احْتِجَابَ الْوُلَاةِ عَنِ الرَّعِيَّةِ شُعْبَةٌ مِنَ الضِّيقِ وَ قِلَّةُ عِلْمٍ بِالْأُمُورِ وَ الِاحْتِجَابُ مِنْهُمْ يَقْطَعُ عَنْهُمْ عِلْمَ مَا احْتَجَبُوا دُونَهُ فَيَصْغُرُ عِنْدَهُمُ الْكَبِيرُ وَ يَعْظُمُ الصَّغِيرُ وَ يَقْبُحُ الْحَسَنُ وَ يَحْسُنُ الْقَبِيحُ وَ يُشَابُ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ وَ إِنَّمَا الْوَالِي بَشَرٌ لَا يَعْرِفُ مَا تَوَارَى عَنْهُ النَّاسُ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ وَ لَيْسَتْ عَلَى الْحَقِّ سِمَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا ضُرُوبُ الصِّدْقِ مِنَ الْكَذِبِ وَ إِنَّمَا أَنْتَ أَحَدُ رَجُلَيْنِ إِمَّا امْرُؤٌ سَخَتْ نَفْسُكَ بِالْبَذْلِ فِي الْحَقِّ فَفِيمَ احْتِجَابُكَ مِنْ وَاجِبِ حَقٍّ تُعْطِيهِ أَوْ فِعْلٍ كَرِيمٍ تُسْدِيهِ أَوْ مُبْتَلًى بِالْمَنْعِ/ إِيَّاكَ وَ الْإِعْجَابَ بِنَفْسِكَ وَ الثِّقَةَ بِمَا يُعْجِبُكَ مِنْهَا وَ حُبَّ الْإِطْرَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ لِيَمْحَقَ مَا يَكُونُ مِنْ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ وَ إِيَّاكَ وَ الْمَنَّ عَلَى رَعِيَّتِكَ بِإِحْسَانِكَ / أَوْ أَنْ تَعِدَهُمْ فَتُتْبِعَ مَوْعِدَكَ بِخُلْفِكَ فَإِنَّ الْمَنَّ يُبْطِلُ الْإِحْسَانَ / وَ الْخُلْفَ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللَّهِ وَ النَّاسِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ )
وَ السَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَ سَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً وَ السَّلَامُ }
لا توجد وثيقة لا في ألأولين من ألأنبياء وألرسل [من غير رسول ألله (ص)].. ولا في الآخرين من العلماء وألسياسيين والمصلحين تبلغ جزءً من هذه الوثيقة في عظمتها، بما أحتوته من مضامين عالية، واسعةً في محتواها، وفذة في رسم منهج سياسي شامل ورفيع، وهي بحق مدرسةً متكاملة ومناراً عالياً لمن يريد أن يحكم بالعدل وينال رضى ألله وخير الدنيا وسعادة الآخرة.
دور ألإمام ألحسن (ع) في تحقيق ألهدف ألخامس في ألحفاظ على ألأمة من ألفرقة وتحقيق ألهدف ألثاني في ألحفاظ على سنة رسول ألله (ص):
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة لا تقل خطورة في تمزيق ألأمة وذلك بعد إستشهاد أمير ألمؤمنين علي أبن أبي طالب (ع) وحدوث ألمواجهة بين جيش ألإمام ألحسن (ع) وبين جيش معاوية إبن أبي سفيان.
ولكن قبل الخوض في هذا الموضوع لابد من توضيح حقيقة خافية على ألكثيرين؛ فأنا أعتقد أن أكثر إمام تعرضت ألمواقف منه وتعرضت ألروايات عنه وتعرضت سمعته وذكراه إلى ألظلم هو ألإمام ألحسن (ع) ، حيث تعرض للظلم من قبل ثلاث فئات، ألفئة ألأولى من أتباعه ومحبيه من معاصريه لقد لقبوه ب(يا مذل المؤمنين) لأنه مال إلى الصلح في الوقت ألذي كان فيه قادراً على مقارعة معاوية مع إمكانية كبيرة للإنتصار عليه، أما ألفئة ألثانية فهم مؤرخي ألسلطة خلال فترة ألخلافة العباسية ألذين تطرقوا إلى صلح ألإمام الحسن (ع) خلال فترة نشوء ألنزاع بين ألحسنيين ( محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على– ألذي بايعه العباسيون بالخلافة أواخر الدولة الأموية ثم إنقلبوا عليه وأخيه إبراهيم) وبين ألعباسيين، فقد إنتقصوا ألإمام آلحسن (ع) وأتهموه بالتخاذل والضعف وبالغوا بضعف جيش العراق وعدم تماسكهم وغدرهم، فضلاً عن إتهامه عليه السلام بميله للراحة والدعة وعدم رغبته بالحرب وإنشغاله بالنساء بكثرة زواجاته وطلاقه للنساء عكس أخيه الحسين (ع) ، بل زعموا أنه بمجرد إجراء الصلح دخل معاوية إلى الكوفة وقال [.إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتزكوا…، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وانتم له كارهون، ألا واني مَنِّيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له].، والحقيقة فإن هذه الواقعة هي كذب واضح، لا ننفيها ولكن نقول أن هذه الخطبة كانت بعد عشر سنين من الصلح وبعد إستشهاد الإمام الحسن (ع) كما سنثبته أدناه، كل هذه ألتهم من أجل إتهام ألثوار ألحسنيين بأنهم ليسوا أهلاً للحكم إذا كان جدهم ألحسن (ع) بهذه الدرجة من الضعف وعدم قدرته على ألحكم، أما ألفئة ألثالثة فللأسف ألشديد هم الكثير من الشيعة المعاصرين ألذين لم يفقه ألكثير منهم أن ألحسن (ع) أقدم على ألصلح لتحقيق أهداف كبيرة وعظيمة وحفظ ألإسلام من إنحراف كبير ومستقبل خطير ومجهول؛ لقد شبه الحسن (ع) صلحه مع معاويه كصلح الحديبية بين رسول ألله (ص) ومشركي مكة، ولكن أغلب معاصري ألشيعة أخذوا يجدون المبررات للإمام ألحسن (ع) في إضطراره للصلح، في حين أستطيع أن أقول وبكل ثقة أن ألأمام ألحسن (ع) أقدم على ألصلح ليس من موقع المضطر، بل لأسباب لم يكشفها في وقتها، وللأسف كانت مواقف أكثر الشيعة المعاصرين منطلقة من الروايات التاريخية المحرفة من قبل مؤرخي السلطة العباسية حيث يصعب الوصول إلى ألحقائق إلا بعملية تحري ألحقائق ما بين سطور ألروايات التأريخية كما سنتطرق إليه أدناه، ولم يكشف ألإمام الحسن (ع) ألأهداف ألحقيقية للصلح في وقتها، ولكن معاوية إكتشف هذه الأهداف بعد ما يقارب العشر سنوات من الصلح، لذلك بادر إلى إغتيال ألإمام الحسن (ع) وأنقلب على جميع شروط الصلح، ولكن إغتيال ألإمام الحسن (ع) وإنقلاب معاوية على شروط الصلح لم تفلح في أيقاف ألأهداف العظيمة وألجبارة التي حققها ألإمام الحسن (ع) لمصلحة ألإسلام والمسلمين كما سنوضحه أدناه.
هناك تشابه كبير بين صلح الحديبية وصلح ألإمام الحسن (ع) كما صرح به ألإمام الحسن (ع) نفسه لذلك سنتناول أوجه التشابه بين الصلحين لمعرفة ألأنجاز العظيم ألذي حققه ألإمام الحسن (ع) .
لقد إستقر ألعالم ألإسلامي بعد معركة صفين وقضية ألتحكيم، فصار للمسلمين خليفتين ودولتين، دولة المشرق ألإسلامي عاصمتها الكوفة وتتضمن مكة والمدينة واليمن والبحرين وبلاد فارس، ودولة المغرب الإسلامي وعاصمتها ألشام وتتضمن بيت المقدس ومصر وشمال أفريقيا، إن هذا هو أشبه ما يكون بإستقرار المسلمين في المدينة المنورة والمشركين في مكة بعد معركة الخندق، ولكن المطلوب في ذلك الوقت هو أن يعم ألإسلام كل أرض الجزيرة بما فيها مكة، لذلك كانت المبادرة من رسول الله (ص) فهو الذي تحرك ضمن مخطط إلهي وإتجه إلى مكة ثم كان صلح الحديبية وكان من تداعياته دخول ألرسول (ص) إلى مكة وتهديمه للأصنام في مكة ونشر ألإسلام داخل مكة وفي كل أرجاء ألجزيرة العربية.
لقد بويع للحسن (ع) بالخلافة في العراق وكانت ألأمور سائرة بإتجاه تكريس ألدولتين، دولة ألإسلام الحق في الشرق ودولة ألإسلام المنحرف في الغرب. لقد تحرك ألإمام ألحسن عليه ألسلام بجيش قوامه بين أربعين إلى مئة ألف مقاتل، لإنهاء وضع الدولتين كما تحرك رسول الله (ص) بإتجاه مكة في صلح الحديبية، فأضطر معاوية أن يتحرك بجيش قوامه ستون ألفاً، وعندما ألتقى الجيشان فزع معاوية لعظمة جيش العراق حسب رواية البخاري وروايات أخرى حيث روى البخاري عن أبى موسى قال: ( استقبل والله الحسن بن على معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص إنى لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية ….. أى عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لى بأمور الناس من لى بنسائهم، من لى بضيعتهم فبعث إليه رجلين من قريش من بنى عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، وقولا له واطلبا إليه) ولم يرغب معاوية بشيء غير أن يبقى كل على وضعه فهذه أكبر آماله وأعظم أمنيته، حيث كان هذا نفس طلبه من علي (ع) في فترة خلافته، لقد أراد معاوية من علي (ع) أن يبقيه والياً على الشام ليس إلاّ، ولكن علي (ع) أصر على خلعه، وقاد جيشاً لحربه في صفين وكان ما كان من حيلة رفع المصاحف ومهزلة التحكيم، وها قد بايع أهل العراق ألإمام الحسن (ع) ، وجهز الحسن (ع) جيشاً لقتال معاوية، لقد كان معاوية مستعداً أن يعيد نفس مقترحه للإمام علي (ع) فيبقى والياً على بلاد الشام ويبقى ألإمام الحسن (ع) خليفةً على دولة الإسلام؛ إقترح معاوية على ألإمام ألحسن (ع) ألهدنة والصلح، على أن يبقى معاوية على حكم بلاد ألشام ومصر وشمال أفريقيا وأن يحكم ألإمام ألحسن (ع) ألعراق وألجزيرة وبها مكة وألمدينة وأليمن وبلاد فارس؛ فكل يعيش في دولته ألكبرى براحة وإطمئنان ومن دون إقتتال ومن دون سفك ألدماء؛ وهنا يتجلى منهج أهل ألبيت (ع) بأروع صوره في ألحفاظ على ألإسلام من ألإنحراف وعلى ألأمة من ألفرقة، حيث كان يعلم ألإمام ألحسن (ع) أن أهل ألشام قد إنحرفوا إنحرافاً كبيراً عن ألإسلام، لقد غير معاوية ألمفاهيم، فأهل بيت ألنبوة بنظر أهل ألشام هم ألخارجين عن ألإسلام، بل أوحى إليهم معاوية أنه هو ألمقصود من عبارة ( أهل ألبيت) حيث يشترك مع ألرسول (ص) كونهم من قريش وبألذات من بني عبد مناف؛ وإن علياً (ع) كما كان يزعم لا علاقة له بألإسلام بل كان ألدين ألإسلامي على ألمنهج ألمنحرف لمعاوية أبن أبي سفيان وألذي شرع كسنة وكدين هو سب إلإمام علي (ع) وشتمه على ألمنابر وبعد ألصلاة حيث تواترت ألروايات بهذا ألأمر كما ورد في صحيح مسلم والترمذي ومسند أحمد وألطبري والمسعودي والسيوطي وأبن ألأثير وألعشرات من غيرهم، بحيث تفاجأ أهل ألشام حين سمعوا بمقتله وهو في ألصلاة وتساءلوا “أو كان علي يصلي؟”، لقد بلغ ألإنحراف ألأموي أن ألحجاج ألثقفي يتحدث على ألمنبر متسائلاً { رَسُولُ أَحَدِكُمْ فِي حَاجَتِهِ أَكْرَمُ عَلَيْهِ أَمْ خَلِيفَتُهُ فِي أَهْلِهِ ؟} حيث بلغت بهم ألجرأة وألإنحراف أن منزلة ألخلافة أعلى من منزلة ألنبوة، ومعناه أن منزلة ألخليفة ألأموي أعظم من منزلة رسول ألله (ص)، لقد وردت هذه ألروايات في مسند أبي داوود وإبن كثير وغيرهم من أصحاب ألسير، لقد كان معاوية يستشيط غضباً عند سماعه كلمة ( أشهد إن محمداً رسول ألله) في ألأذان كما نقل عن مطرف بن ألمغيرة بن شعبة حيث كان أبيه من أشد ألمعجبين بمعاوية وحين طالبه في آخر عمره أن يحسن إلى ولد عمه من بني هاشم فأجابه إجابة طويلة أهم ما فيها :{ هيهات هيهات ، ………. وان أخا هاشم/ وفي بعض ألنسخ إبن أبي كبشة ( وهي مسبة من قبل مشركي قريش حيث كانوا يطلقونها على ألرسول أيام ألجاهلية) يصرخ به في كل يوم خمس مرات أشهد ان محمداً رسول اللّه. فأي عمل يبقى بعد هذا لا ام لك ، الا دفنا دفناً}؛ وذكر هذه ألحادثة ألكثير من أهل ألسير كألمسعودي وأبن ألأثير وألمدائني وغيرهم؛ إن ألأمة أو بألأحرى نصف ألأمة بهذا ألواقع وبهذا ألمقترح من معاوية سائرة إلى ألإنحراف ألكامل عن ألإسلام وسائرة نحو ألفرقة، فماذا يجب أن يكون موقف ألإمام ألحسن (ع) حيث هو من أهم مصاديق مقولة ألزهراء ( جعل ألله ……. طاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من ألفرقة)؛ لقد كان جواب ألإمام ألحسن (ع) لمعاوية على مقترحه لتقسيم ألعالم ألإسلامي إلى دولتين جواباً مناقضاً لمقترح معاوية ومفاجأً له حين أجاب [.ولكني أدعوك لولاية أمر كافة بلاد ألإسلام ألعراق وألجزيرة وألشام ومصر وغيرها ولكن بشروط].، تفاجأ معاوية بهذا ألرد غير ألمتوقع ( وكاد يطير فرحاً) كما جاء بألنص عن إبن عبد ألبر في ألإستيعاب، فأرسل إلى ألحسن (ع) سجلاً أبيض في أسفله ختم معاوية قآئلاً له اكتب فيه شروطك فكل ما تريد فهو لك كما ورد في الطبري عن إبن عبد البر وكما ورد عن رواية ألزهري. فوضع ألحسن (ع) شروطه وأهمها [.أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. وأن لا يلاحق شيعة آل البيت عليهم السلام. وأن لا يسب أو يشتم عليا عليه السلام. وأنه ليس لمعاوية الحق في نصب أحد للخلافة. وأن لا يدعو الحسن معاوية أميرا للمؤمنين. وعلى معاوية أن يعيد الخلافة إلى الحسن فإن توفي الحسن فإلى الحسين.].، لقد إعترض الكثير من أخلص المخلصين للإمام ألحسن (ع) على الصلح كحجر بن عدي، وعدي بن حاتم، والمسيب بن نجبة، ومالك بن ضمرة، وسفيان بن أبي ليلي، وبشير الهمداني، وسليمان بن صرد، وعبد الله بن الزبير، وأبو سعيد وقيس بن سعد. فقد روى المدائني أن المسيب بن نجية الفزاري وسليمان بن صرد الخزاعي قالا للحسن ( ما ينقضي تعجبنا منك ومعك أربعون ألف مقاتل من الكوفة سوى أهل البصرة والحجاز. فقال الحسن: كان ذلك. فما ترى الآن؟ فقال والله أرى أن ترجع لأنه نقض العهد، فقال: يا مسيب إن الغدر لا خير فيه). ونقل صاحب كشف الغمة عن سفيان بن أبي ليلى قال: أتيت الحسن بن علي حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره عنده رهط فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال عليك السلام يا سفيان انزل فنزلت فعقلت راحلتي ثم اتيته فجلست إليه فقال: كيف قلت يا سفيان: فقلت: السلام عليك يا مذل رقاب المؤمنين . فقال: ما جر هذا منك إلينا ؟ فقلت: (أنت والله – بأبي أنت وأمي– أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة وسلمت الأمر إلى اللعين بن اللعين بن آكلة الأكباد ومعك مائة الف كلهم يموت دونك . وقد جمع الله لك امر الناس) . أما قيس بن سعد بن عبادة وكان أحد قواد جيش ألإمام الحسن (ع) فعندما دعاه ألإمام الحسن (ع) للبيعة، فقال قيس بن سعد ( حسب رواية أبي مخنف) لما جاء: (حلفت أن لا ألقاه (أي معاوية) الا بيني وبينه الرمح والسيف، ( ولكن تلهف معاوية لإتمام ألأمر جعله يقوم بالتالي حسب رواية أبي الفرج ألأصبهاني في مقاتل الطالبيين ) فأمر معاوية برمح وسيف فوضعا على الأرض بينهما ليبرّ بيمينة، وكان قيس قد اعتزل في أربعة آلاف، وأبى أن يبايع فلما سمع بالصلح جاء إلى ( مجلس ألإمام الحسن (ع) ومعاوية)، فبايع قيس مكرهاً لكن من دون أن يضع يده في يده بل امتنع من رفعها إليه فنزل معاوية من الكرسي فمسح يده على يد قيس).
لقد طبق معاوية ألكثير من شروط ألصلح لعشر سنوات قبل أن ينقلب عليها بعد إستشهاد ألإمام ألحسن (ع) ، وهذا ما كان يهدف إليه ألإمام ألحسن (ع) فقد كانت تلك ألعشر سنوات كافية لتحقيق وحدة ألأمة ألإسلامية وألقضاء على التفرقة وعلى تقسيم ألعالم ألإسلامي إلى دولتين وعلى نشر ألأحاديث ألصحيحة لرسول ألله (ص)؛ كان أهل آلشام قد نشأوا على إسلام معاوية ألمحرف ويجهلون ألكثير حقائق ألإسلام وألكثير من أحاديث ألرسول (ص) ألصحيحة، أما بعد صلح ألحسن (ع) فقد إستبدل معاوية سياسة سب وشتم ألإمام علي (ع) إلى سياسة مناقضة، فعلى سبيل ألمثال عندما حضر ضرار بن ضمرة ألكناني وهو من ألموالين لعلي (ع) إلى مجلس معاوية ألذي كان يعج بأهل ألشام، سأله معاوية أن يصف عليا عليهالسلام فنهض ضرار قائلاً :
( كان ـ علي ـ واللهِ بعيدَ المدى ، شديدَ القِوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلا ، يتفجَّرُ العلمُ من جوانِبِه ، وتنطِقُ الحِكمةُ من نواحيه ، يستوحشُ من الدنيا وزَهرتها ، ويأنسُ بالليلِ ووحشتِه ، غزيرَ العَبرة ، طويلَ الفكرة ، يُعجِبُه من اللِّباس ما قَصُر ، ومن الطعام ما خَشُن. كان فينا كأحدِنا ، يجيبُنا إذا سألناه ، وينبئُنا إذا استفتيناه ، ونحن واللهِ مع تقريبِه إيانا وقُربِه منّا لا نكاد نكلِّمه هيبةً له. يعظِّم أهلَ الدين ويُقرِّب المساكين. لا يطمع القَويُّ في باطله ، ولا ييئَسُ الضعيفُ من عدله ، وأشهدُ لقد رأيتُه في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليلُ سدولَه ، وغارت نجومَه ، قابضاً على لحيته ، يتململُ تململَ السَّليم ، ويبكي بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا غُرِّي غيري ، أبي تَعرَّضتِ أمْ إليَّ تَشوَّقتِ. هيهات هيهات قد باينتُك ثلاثاً لا رجعة لي فيها ، فعُمرك قصير وخطرك حقير. آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.) وعندما سمع معاوية بهذا ألوصف نزفت دموعه حتى بلت لحيته وقال : رحم الله أبا حسن كان والله كذلك، وسأل ضراراً عن حزنه على علي (ع) فأجابه : كحزن من ذبح ولدها في حجرها؛ لقد نقل هذه ألحادثة ألكثير من أهل ألسير كإبن عساكر وإبن عبد ألبر وأبو نعيم وألمدائني، لقد أراد معاوية بمثل هذه ألأفعال أن يظهر عظيم إمتنانه للإمام الحسن (ع) حينما تنازل له عن الحكم وهو في كامل قوته وقوة جيش العراق، بل ألأمر أكثر من ذلك، فقد كان يعلم معاوية سخط الكثير من ألمقربين للإمام الحسن (ع) عليه بسبب مبادرة الصلح، فكان بكل طريقة يريد أن يظهر تودده وأن يرد الجميل، فما أسهل أن يمتدح علياً (ع) في مجلس عام وفي المقابل ينال الولاية وحكم بلاد ألإسلام من أقصاها إلى أقصاها، تلك البلاد التي كان الحسن (ع) أحق بحكمها لأنها قامت على يد جد الإمام الحسن وأبيه عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام، وها هو ألإمام الحسن (ع) يتنازل عن هذا الحق لصالح معاوية من دون عوض؛ ولكن في نفس الوقت نكتشف أنه قد خفي على معاوية أن كل جهوده في تشويه صورة علي أبن أبي طالب (ع) وأهل البيت لفترة تجاوزت ألخمس وعشرون سنة منذ توليه ولاية ألشام حتى صلحه مع ألإمام ألحسن (ع) قد ذهبت إدراج الرياح، بل ساهم هو بنفسه في تعريف أهل ألشام بحقيقة ألإمام علي (ع) وعظيم منزلته، فلولا صلح الإمام الحسن (ع) لكان نصف المسلمين في الشام ومصر وشمال أفريقيا كالدواعش يتبنون سياسة الذبح ورفع الرؤوس على ألأسنة، بل لكان هؤلاء أسوأ من داعش، فبالحد الأدنى تعترف داعش أن الرسول محمد (ص) هو خير البشر، ولكن منهج الحجاج كما ذكرنا يقدم منزلة الخليفة على منزلة الرسول (ص)، فقد كان بالإمكان تقديم الخليفة الأموي على رسول الله (ص) في مرحلة لاحقة إستناداً لهذا التوجه؛ أما بألنسبة للأحاديث ألصحيحة لرسول ألله (ص) وألتي كانت محجوبة عن أهل ألشام، فبعد توحيد بلاد ألإسلام فمن ألمعروف أن أهل مكة وألمدينة قد كانوا قريبي عهد برسول ألله (ص) تنتشر بينهم أحاديثه ومواقفه وأفعاله وتقريراته، أما أهل ألكوفة فكانوا معاصرين لعلي أبن أبي طالب (ع) تربوا على يده سمعوا أحاديثه ونقل لهم أحاديث أخيه وأبن عمه رسول ألله (ص) فضلاً عن الكثير من أصحابه وأصحاب رسول ألله (ص) ألذين إستوطنوا ألكوفة ممن نقلوا لهم ما صح من أحاديث رسول الله (ص) وفضل أهل ألبيت (ع) ، لقد فتح مخطط ألإمام ألحسن (ع) ألحدود بين ألعراق وألشام وأختلط أهل ألشام وأهل مصر وشمال أفريقيا بأهل ألعراق وأهل مكة وأهل ألمدينة، فأنتشرت ألأحاديث ألصحيحة لرسول ألله (ص) في كافة أرجاء ألعالم ألإسلامي، وعرف أهل ألشام حقيقة أهل بيت ألنبوة وقيمتهم، وإندحر ألإسلام ألمشوه ألذي طرحه معاوية.
لقد أصبح كل ألمسلمين بشيعتهم وسنتهم مدينون في عقائدهم ألإسلامية أليوم لأهل بيت ألنبوة (ع) ، بل ولا نبالغ إن قلنا أنه حتى ألصحاح ( كصحيح ألبخاري وصحيح مسلم) وألمسانيد وكتب ألسنن ومع قلة ألروايات عن أهل ألبيت (ع) فيها، ولكننا نستطيع أن نقول أن ألأحاديث ألصحيحة في هذين ألسفرين (ألبخاري ومسلم) بل في جميع كتب ألصحاح وألسنن وألمسانيد مدينون بها لأهل بيت ألنبوة (ع) بشكل عام وللإمام الحسن (ع) بشكل خاص……..
لقد وصف ألإمام الحسن (ع) ألأثر العظيم لصلحه مع معاوية مخاطباً المعترضين وقائلاً ( ويحكم! ما تدرون ما عملت. والله للّذي عملت لشيعتي خير ممّا طلعت عليه الشمس أو غربت) وأضاف قائلاً ( أما علمتم أنّ الخضر لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران (ع) ، إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصواباً؟).
نعم إن قتل الغلام للناظر من الخارج يعتبره جرماً عظيماً بحق والديه، ولكن بالمنظار ألإلهي هو منتهى الرحمة لوالديه، وكذلك صلح ألإمام الحسن (ع) للناظر من الخارج يراه ضرراً على مسيرة الإسلام الحق، ولكنه بالمنظار ألإلهي هو منتهى الرحمة والحكمة والخير لمصلحة ألإسلام والمسلمين.
لقد رد ألإمام محمد الباقر على أحد أصحابه حين شكك بموقف الإمام ألحسن من الصلح قائلاً: ( أسكت فإنه أعلم بما صنع لولا ما صنع لكان أمراً عظيماً)، نعم كان يمكن أن يكون أمراً عظيماً جداً، كان من الطبيعي لولا الصلح أن يكون لدينا اليوم إسلامان، إسلام رسول ألله (ص) إسلام ألحق، وإسلام معاوية إسلام الباطل، إسلام الجبرية وألسنة المحرفة، إنها سنة سب أهل البيت بالباطل، وسنة ألأحاديث الموضوعة، وسنة ألجهل بألأحاديث الصحيحة للرسول (ص)، بل لعله كان يمكن أن يقود إلى تحريف كتاب الله ويغدوا مصير ألإسلام كمصير الديانات السابقة المحرفة، ولكن لن يقدر معاوية ولا بني أمية ولا من في ألأرض جميعاً ألوقوف أمام إرادة الله ومشيئة في نصر دينه على يدي سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين عليهم أفضل الصلاة والسلام متمثلاً في حفظ كتابه وحفظ دينه خاتم ألأديان من خلال ظروف طبيعية وموضوعية وليست إعجازية متمثلة بتضحيات عظيمة لأهل بيت النبوة عليهم افضل الصلاة والسلام.
لقد تفاجأ معاوية من مقترح ألإمام ألحسن(ع) حينما طرحه عليه ولم يفقه في وقتها ما كان يخططه ألإمام ألحسن (ع) ؛ ولكن بعد عشر سنوات أكتشف معاوية مخطط ألإمام ألحسن (ع) من ألصلح، حيث إنهارت كل مخططاته في طرح ونشر إسلام محرف يكفر أهل ألبيت ويضع فيه ألأحاديث ألمزورة عن رسول ألله (ص) لتعظيم شأنه وألحط من شأن مناوئيه وطرح ألعقيدة ألجبرية في ألرضى بألأمر ألواقع وعدم تغييره؛ فضلاً عن ألأحاديث ألموضوعة في وجوب طاعة ألخليفة وإن كان ظالماً وفاسقاً. لقد تفجر غضبه وحقده على ألإمام الحسن (ع) حينما أكتشف مخططه ألذي أدحض كل جهوده لفترة خمس وعشرين عاماً، وأنعكس هذا الغضب بمواقف حازمة لإرجاع الأمور كما كانت قبل صلحه مع الإمام الحسن (ع)، فقرر إغتيال ألإمام ألحسن (ع) بعد عشر سنوات، فقتله غيلةً بألسم، وأعلن على ألملأ نقضه لصلح ألإمام ألحسن (ع) وقال ( إن صلح ألحسن تحت قدمي هاتين) وأعاد سنة سب وشتم ألإمام علي (ع) على المنابر وقطع عطاء ألموالين لأهل ألبيت (ع) وقتل ألكثير منهم كحجر بن عدي ألكندي وعمرو بن حمق ألخزاعي وغيرهم بعد إستشهاد ألحسن (ع)، لقد كان معاوية يتميز بالحلم ويستخدم كمثل متعارف (يبقي شعرة معاوية) أي لا يقطع علاقته بالكامل مع الأعداء، ولكن معاوية فقد أبسط مستويات الحلم بعد إكتشافه لحقيقة موقف الإمام الحسن (ع)، فقد تم تخيير حجر بن عدي وأصحابه بين التلفظ بكلمة البراءة من علي ابن ابي طالب (ع) أو القتل، وحين رفض التلفظ بكلمة البراءة تم قتله هو واصحابه، وقد كان هذا التصرف غير مفهوم للمؤرخين وعلماء المسلمين الذين يمتدحون معاوية على أعتباره صحابي، فحاولوا أيجاد الأعذار فأتهمو حجر بأنه شق عصى الطاعة، مع العلم إنه لم يرفع سيفاً أو ينقلب أو ينكث بيعته، فزعم البعض منهم أن حجر لم يكن صحابياً بل كان تابعياً مع العلم أنه قد قدم هو وأخيه هانيء على رسول الله (ص) واسلموا على يديه، لقد كان لحجر وهو الصحابي لرسول الله (ص) قيمة كبيرة بين مسلمي المدينة لذلك شكل قتله صدمة كبيرة للمسلمين إتضح من موقف أم المؤمنين عائشة (رض) التي تفاجأت بهذا الفعل فرفضت في بادئ الأمر إستقبال معاوية في بيتها، وقالت: لولا يغلبنا سفهاؤنا لكان لي ولمعاوية في قتله حجرًا شأن، لقد كان معاوية يمني نفسه بأن يحكم بلاد الشام ومصر وشمال أفريقيا وهم يطيعوه طاعةً مطلقة، فهؤلاء القوم لم يشاهدوا رسول الله (ص) وفتحت عيونهم على الإسلام ومعاوية يحكمهم، ولم يعرفوا إسلاماً غير الإسلام الذي لقنهم إياه معاوية، لقد كان مقرراً لهذه الدولة السفيانية أن تدوم لمئات السنين؛ مؤسسها معاوية ويحكمها نسله إلى ما شاء الله، ولكن موقف الإمام الحسن (ع) يمثل المسمار الأول الذي غرس في تابوت هذه الدولة التي سقطت في بضع عشرات من السنين بعد توحيدها مع دولة الإسلام الحق في الشرق والجنوب؛ المدينة المنورة ومكة واليمن والكوفة والبصرة؛ لم تفلح كل جهود معاوية ألإرهابية تلك لتغيير الواقع مرة أخرى ولإعادة عقارب الساعة إلى الوراء فلات حين مناص، ولكن معاوية مع ذلك تمادى في الغي وأوصى بألخلافة إلى أبنه يزيد، ولكن هذا ألإنقلاب من معاوية لم يكن قادراً على إيقاف ألأهداف ألتي حققها ألإمام ألحسن (ع) في نشر ألإسلام ألصحيح ألضامن للنظام ألذي أراده ألله في كافة ألبقاع ألإسلامية في ذلك الوقت وتوحيد ألأمة ألإسلامية فكان ذلك بحق كما وصفته ألزهراء ألبتول نظاماً للملة وأماناً من ألفرقة بين ألمسلمين .
دور ألإمام ألحسين(ع) في تحقيق ألهدف ألخامس في ألحفاظ على ألأمة من ألفرقة وتحقيق ألهدف ألأول وألثاني في ألحفاظ على كتاب ألله من ألتحريف وسنة رسول ألله(ص) من ألتزوير:
وأستمر هذا ألنهج ولكن بمواجهة من نوع آخر حين شعر ألحسين (ع) أنه لا توجد وسيلة لأيقاف ألمخطط ألأموي في تحريف ألإسلام بل لعله حتى تحريف ألقرآن إلا بألتضحية بنفسه وعائلته، فكانت ثورته ألعظمى ألتي كشفت حقيقة بني أمية وظلمهم وكسب أهل ألبيت (ع) قلوب ألمسلمين جميعاً بإستشهاد ألحسين (ع) ، وأسقط ألحسين (ع) بإستشهاده ألكثير مما سنه بني أمية من سنن باطلة ومنحرفة عن ألإسلام وأمتد تأثيره حتى إلى داخل ألبيت ألأموي حيث أعلن معاوية إبن يزيد ( معاوية ألثاني) أن جده معاوية قد نازع ألأمر أهله، وأن أبيه يزيد قتل ألحسين (ع) سبط ألرسول ظلماً كما ورد عن إبن حجر في صواعقه ألمحرقة، وأنه لن يتولى أمر ألخلافة وطالب بإرجاع ألأمر إلى أهله فقيل أنه قتل بالسم أو طعناً بعد أربعين يوماً ؛ كما إن ألخليفة عمر أبن عبد ألعزيز قد أوقف سنة سب ألإمام علي (ع) على ألمنابر وبعد ألصلاة وأستعاضها بقوله تعالى { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ألتي بقيت كسنة سارية حتى يومنا هذا، لقد سحب ألحسين (ع) ألشرعية من ألحكم ألأموي؛ وتداعى على أثر إستشهاده رفض ألمسلمين لحكم بني أمية وقامت عشرات ألثورات ضدهم من ثورة ألمدينة ألمنورة وواقعة ألحرة إلى ثورة عبد ألله ألزبير في مكة إلى ثورة سليمان بن صرد ألخزاعي إلى ثورة ألمختار ألثقفي إلى ثورة زيد إبن علي إلى ثورة يحيى أبن زيد وعدة ثورات أخرى في ألأهواز وألبصرة وخراسان وألحجاز وفلسطين وحمص وأليمن وأذربيجان وشمال أفريقيا حتى تجاوز عددها ألثلاثون ثورة حتى ضعفت ألدولة ألأموية بشكل كبير وتم أسقاط ألدولة ألأموية في ألشام بكل سهولة بعد سبعة عقود من إستشهاده، فتم ألقضاء على مخططات ألأمويين في ألإنحراف ألكامل عن ألإسلام وطمس حقيقة أهل ألبيت (ع) ، فأصبح ألمجال متوفراً لكل مسلم على وجه ألأرض في يومنا هذا ألوصول إلى حقيقة أهل ألبيت (ع) وبألتالي حقيقة ألإسلام من خلال كتب ألحديث سواء كانت تحسب على مدرسة ألإمامة أو مدرسة ألخلافة، وهكذا بسبب مخططات ألأئمة من أهل بيت ألنبوة (ع) توفرت ألإمكانية لكافة ألمسلمين أن يتوحدوا في متبنياتهم ألفكرية لكل من كان صادقاً مع نفسه.
مخطط ألإمامين علي زين ألعابدين (ع) ومحمد ألباقر في تحقيق ألهدفين ألثالث والرابع:
حيث إستخدم ألإمام علي زين ألعابدين (ع) إسلوب ألدعاء في صحيفته السجادية في توضيح ألكثير من ألمفاهيم ألإسلامية بما أوتي من بلاغة فريدة، وقدرة فائقة على أساليب التعبير العربي، وذهنية ربانية تتفتق عن أروع المعاني وأدقها في تصوير صلة الإنسان بربه، ووجده بخالقه، وتعلقه بمبدئه ومعاده، وتجسيد علاقة ألإنسان بألإنسان بما يعبر عنه من قيم خلقية وحقوق وواجبات، فضلاً رسالته ألرائعة ( رسالة الحقوق) وما تمثله من منهج إسلامي قانوني شامل وعميق وجامع، وتشمتل على شبكة علاقات الإنسان الثلاثة، مع ربِّه ونفسِه ومجتمعه وترسم حدود العلائق والواجبات بين الإنسان وجميع ما يحيط به.حيث وضعت المناهج الحيّة لسلوك الإنسان، وتطوير حياته، وبناء حضارته، على أسس ألفهم وألأستيعاب الشامل للدين ألإسلامي و تمثل دائرة معارف إسلامية كبرى من حيث تعدد جوانبها و تنوع مضامينها. ولم يتخذ ألإمام زين ألعابدين(ع) تجاه ألدولة ألأموية ألتي قتلت أباه ألإمام ألحسين (ع) وسبت أهل بيته موقفاً سلبياً ومتفرجاً، بل حتى وإنه وإن كان مجرداً من ألسلطة فإنه كان يشعر بمسؤوليته عن هذا ألدين ألذي جاء به جده رسول ألله (ص) وهذه ألدولة ألتي أسسها ألرسول (ص) وجعله ألله وصياً عليها في عصره، ويتجلى ذلك في مجموعة من إنجازاته كدعائه لأهل ألثغور وألكثير من الحقوق العامة في رسالته للحقوق؛ فضلاً عن موقفه أدناه من ألحادثة ألتالية : حيث أن ألخليفة ألأموي عبد الملك بن مروان، حينما اصطدم بملك الروم وهدده الملك الروماني باستغلال حاجة المسلمين إلى استيراد نقودهم من بلاد الرومان لإذلال المسلمين وفرض الشروط عليهم، وقف عبد الملك متحيراً وقد ضاقت به الأرض كما جاء في الرواية وقال :أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام. فجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأياً يعمل به .فقال له القوم : إنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر !فقال : ويحكم من ؟ قالوا : الباقي من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، قال صدقتم، وهكذا كان.فقد فزع إلى الإمام زين العابدين : فأرسل عليه السلام ولده محمد بن علي الباقر إلى الشام وزوده بتعليماته الخاصة، فوضع خطة جديدة للنقد الإسلامي، وأنقذ الموقف .
موقف ألإمام جعفر الصادق (ع) في تحقيق ألهدفين الثاني والثالث على المستوى ألإسلامي العام ومستوى الموالين لأهل بيت النبوة عليهم أفضل الصلاة والسلام :
لقد إقتصر عصر ألنص بألنسبة للمسلمين بشكل عام إلى ثلاث وعشرون سنة منذ ألبعثة حتى وفاة ألرسول ألأعظم (ص) أو بألأحرى إلى وفاة ألإمام جعفر ألصادق سنة 148 هجرية حيث هناك ألكثير من ألأحاديث ألتي رفعت إلى ألإمام ألصادق (ع) مما إتفق عليه أصحاب ألمدرستين، مدرسة ألخلافة ومدرسة ألإمامة على إعتبار إن حديثه هو حديث رسول ألله (ص) كما روى عنه محمّد بن إسحق، ويحيى الأنصاري، ومالك بن أنس، وسفيان ألثوري وسفيان بن عيينة، وابن جريح، وشعبة، ويحيى القطّان، وآخرون، أما بالنسبة لمدرسة ألإمامة فقد إمتد عصر ألنص إلى أكثر من ثلاثة قرون من وفاة ألرسول (ص)، ؛ لذلك كان من ألطبيعي أن تكون مدرسة أهل بيت ألنبوة غنية بعشرات ألألوف من ألأحاديث ألصحيحة، فكتبت في ذلك ألعصر المصنفات ألأربعمائة أو ما يسمى ألأصول ألأربعمائة وهي تفوق ألصحاح في صحتها بمراحل لأن ألأصل نقل عن ألمعصوم مباشرةً من دون واسطة وليس نقلاً عن و عن، ولكن للأسف تم إتلاف ألكثير منها وإندثارها بسبب ألإضطهاد وبألذات في فترة إحتلال إلسلاجقة لبغداد، ولكن جمعت ألكثير من الروايات عن تلك ألأصول في ألكتب ألأربعة، ألكافي للكفعمي وإلإستبصار وألتهذيب للشيخ ألطوسي ومن لا يحضره ألفقيه للشيخ ألصدوق، فألكافي للكفعمي نجد به على سبيل ألمثال أكثر من ( 16,000) حديث، و ألفت في فترات لاحقة موسوعات حديثية وروائية أخرى، حيث نجد أن موسوعة بحار ألأنوار للمجلسي بها أكثر من (100,000) حديث ولو إفترضنا أن ثلثي ألأحاديث غير صحيحة ومكررة فتبقى نسبة ألأحاديث الصحيحة لأتباع أهل ألبيت بحدود ألضعفين إلى ثلاثة أضعاف مما يمتلكه غيرهم.
موقف ألأئمة من ألدائرة ألضيقة لأتباعهم في تحقيق ألأهداف ألخمسة:
ما تطرقنا سابقاً كان مخطط أهل ألبيت ضمن ألدائرة ألأسلامية ألأوسع للحفاظ على ألدين من ألإنحراف ولمصلحة ألمسلمين بشكل عام.
أما ألمنهج وألمخطط ألذي إتبعه أئمة أهل بيت ألنبوة في ألحفاظ على ألدائرة ألضيقة لأتباعهم وألذي يمثل أعلى درجات ألنظام للملة وألأمان من الفرقة فإنه كان بإتجاهين، إتجاه على مستوى ألقاعدة ألموالية لأهل ألبيت، وإتجاه على مستوى تنظيم ألقيادة ألدينية؛ على مستوى ألقاعدة يتمثل بألجماهير ألحسينية في ألربط ألعاطفي بألحسين (ع) وبأهل بيت ألنبوة (ع) وبالتالي بمنهج أهل البيت (ع) وهو ألمنهج ألإسلامي ألصحيح، إن هذه ألعاطفة وإحياء ذكرى إستشهاد ألحسين(ع) في أيام معدودات في ألسنة توفر ألمجال لتفرغ ألناس لمدرسة تربوية عميقة ألمفاهيم وعالية ألمضامين لتعريفهم بمنهج أهل ألبيت(ع) وألذي يمثل ألمنهج ألإسلامي ألصحيح، إنه ليس بمنهج نظري فحسب بل هو منهج عملي حي يمثل أعلى درجات التضحية بالنفس وبألأهل وألأبناء بل حتى ألأطفال، من أجل إعلاء كلمة ألله والوقوف بوجه ألباطل والطاغوت. إن ثورة الحسين (ع) ثورة مستدامة على طول التأريخ لا تكتفي بتوفير القاعدة الحسينية بل بشكل طبيعي تشخص القيادة ألمتمثلة بألفقيه ألجامع للشرائط إستمراراً لخط ألإمامة، وهذا يمثل أعلى درجات ألنظام للملة. لذلك لا تجد ضمن دائرة أتباع خط ألإمامة من يفتي برأيه بل ألإنسان ألذي يتبع خط أهل بيت ألنبوة (ع) لا يتحرك وبالذات في ألقضايا ألكبيرة خارج دائرة ألإفتاء، فمثلاً لا تجد بالمرة من يقلد مجتهداً محدداً ويعتقد بوجوب ألتقليد ويفتي بألجهاد أو قتل أي إنسان خلاف رأي ألمجتهد ألذي يعتقد بوجوب تقليده، وألمجتهدون عادةً يأخذون أعلى درجات ألحيطة قبل ألإفتاء بالجهاد أو قتل ألغير، وعادةً لا يتم ألإفتاء بألجهاد إلا ما كان دفاعاً عن ألنفس، بل أكثر ألمجتهدين لا يعطون حتى لأنفسهم ألحق بإلجهاد ألإبتدائي. في حين نجد أنه في ألمدارس ألأخرى وبألذات ألسائرين على منهج ألقاعدة وداعش من ألعشرات من ألأحزاب ألإسلامية ألتي تعطي ألحق لقيادتها بألإفتاء بألجهاد وألقتال لأسباب لا ترقى إلى مستوى ألدفاع عن ألنفس، فعلى سبيل ألمثال تم إتباع فتوى بجواز قتل أي فرد من ألجيش وألشرطة ألجزائرية بل بجواز قتل زوجاتهم وأبنائهم ألقصر وألأطفال حين لم يسمح لجبهة ألإنقاذ في ألجزائر بألوصول للسلطة بطريقة ديمقراطية ، فأبيدت آلاف العوائل بنسائها وأبنائها عن بكرة أبيهم في ألتسعينات من ألقرن ألماضي بسبب هذه ألفتوى، وتكررت هذه ألأحداث من قبل طالبان في أفغانستان وألقاعدة وداعش وغيرهم في ألعراق وفي ألشام بل في كافة بقاع ألأرض. مثل هذا ألأمر لا يمكن أن يحدث في دائرة ألمتمسكين بخط أهل ألبيت ومن ألمستحيل أن يفتي أي مجتهد يتبع خط أهل ألبيت بمثل هذه ألفتاوى، لذلك يمكن ألقول مجدداً وبكل ثقة إن طاعة أئمة أهل ألبيت (ع) هو ما يمكن أن يحقق أعلى درجات النظام للملة.
لم يكتف أئمة أهل ألبيت (ع) بعد ألحسين (ع) بإحياء ذكراه وجعلها سنة لأتباعهم فحسب، ولكنهم وضعوا ألأسس لبروز ألقيادة ألمتمثلة بألمجتهد ألجامع للشرائط، بل وفروا ألأسس لقيام ألحوزات ألعلمية من وكلاء ألمجتهد وطلبة ألعلوم ألدينية وتوفير ألمستلزمات ألمالية من أموال ألخمس وغيرها لإدارة هذه ألمؤسسات، نعم تطورت هذه ألحوزات في ألعراق وبالذات في بغداد وألحلة والنجف وفي ألجنوب أللبناني ثم في مرحلة متأخرة في أيران ومناطق أخرى في ألعالم، وهذا يمثل أعلى درجات ألنظام لتوفير ألفقهاء ألذين سيتصدون للقيادة ووكلاءهم ألذين كانوا ينتشرون في ألكثير من ألمناطق في ألعالم ألإسلامي، يتبين من ذلك أن خط ألإمامة تولى أيضاً تنظيم أسس ألدراسات ألدينية لبروز ألفقهاء وألقيادة ألدينية ألمتمثلة بألفقيه ألمجتهد ألجامع للشرائط؛ فسبحان ألله لقد نطقت ألزهراء عليها أفضل ألصلاة وألسلام بجملة واحدة كشفت عن حقائق دامغة نشاهدها ونشاهد آثارها ألآن بعد أكثر من ألف وأربعمائة سنة فيما حققته مدرسة ألإمامة من نظام للملة وما ترتب على من لم يتمسك بمنهجهم من ضياع وفوضى وإنحراف واضح عن ألإسلام تجلى بأوضح صوره فيما نراه من إجرام بإسم ألإسلام متمثلاً بألقاعدة وداعش ومن هم على شاكلتهم.
ماهو دور ألأمة تجاه عطاء أهل بيت ألنبوة (ع) لنشر ألإسلام ألحق؟ :
هناك حقيقة يجب أخذها بنظر ألإعتبار حيث أن ألعلاقة بين ألإمام وألأمة هي علاقة متبادلة بين طرفين، فما إطلعنا عليه فيما سبق يمثل دور ألمعصوم في تحقيق ألنظام للملة وألأمان من ألفرقة فما هو ألمطلوب من ألأمة كطرف آخر للمساهمة لتحقيق هذه ألأهداف ألكبيرة والمهمة؟
بألتأكيد إن ألنظرة ألتي يحملها كافة ألمسلمين ( ما خلا فئة منحرفة) تجاه أهل ألبيت (ع) هي وجوب طاعتهم إنطلاقاً من أحاديث متواترة واردة في كتب ألفريقين ألسنة وألشيعة كحديث ( إني تارك فيكم ألثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب ألله وعترتي أهل بيتي فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي ألحوض، فأنظرو كيف تخلفوني فيهما) حيث ورد هذا ألحديث في صحيح مسلم وألترمذي وألنسائي ومسند أحمد أبن حنبل وألعشرات من ألصحاح وكتب ألسنن وألمسانيد؛ فتحقيق هذه ألأهداف يتطلب طاعتهم وإنهم أحد أهم ألمصادر لحديث رسول ألله (ص)؛ وهكذا كان ألأمر في صدر ألإسلام، حيث تذكر لنا كتب ألتأريخ أنه كان يحظر دروس ألإمام ألصادق (ع) أربعة آلاف طالب كل يقول [.حدثني جعفر بن محمد (ع) ].، نعم قد كان ألكثير من هؤلاء من شيعته، ولكن كان ألكثير منهم من أئمة ألمسلمين من ألطوائف ألأخرى وهذا يمثل عنصر أيجابي في تعامل ألأمة مع ألمعصوم، حيث تتلمذ على يدي ألإمام جعفر ألصادق(ع) أبو حنيفة ( ألنعمان إبن ثابت) وإمام ألمدينة مالك إبن أنس، ومقولة أبي حنيفة بشأن ألسنتين ألتي تتلمذ بها على يد ألإمام جعفر ألصادق (ع) مشهورة ( لولا ألسنتان لهلك ألنعمان)، فضلاً عن قوله في حق ألإمام ألصادق (ع) : { ما رأيت أفقه من جعفر إبن محمد ألصادق (ع) }؛ وقول مالك بن أنس بحق ألصادق (ع) : { ما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد ألصادق (ع) علماً وعبادةً وورعاً}، وقد تتلمذ ألشافعي عند مالك، وتتلمذ أحمد إبن حنبل عند ألشافعي؛ فجميع أصحاب ألمذاهب تتلمذوا بشكل مباشر أو غير مباشر عند ألإمام جعفر ألصادق (ع) ؛ لقد وفر أهل ألبيت للمسلمين جميعاً ألطريق لمعرفة ألإسلام ألصحيح فكانوا بحق نظاماً للملة كما وصفتهم ألزهراء ألبتول (ع) .
ماهو دور ألأمة تجاه عطاء أهل بيت ألنبوة (ع) لتحقيق ألأمان من ألفرقة ؟ بل ماهي رسالة ألزهراء (ع) إلينا أليوم:
نجد في يومنا ألحالي من حقق مقولة ألزهراء ورسالتها بكل أبعادها، حيث نكتشف إن من أكثر من حقق هذا ألمنهج في يومنا هذا هو آية ألله ألسيد ألسيستاني أعزه ألله حين قال ( لا تقولوا ألسنة إخواننا بل ألسنة هم أنفسنا) حيث لم يقل آية الله السيستاني هذه ألمقولة لمجاملة السنة وإنما قال ذلك من فهمه المعمق والحقيقي للإسلام ولخط ومنهج أهل ألبيت(ع) وتصديقاً لمقولة ألزهراء (ع) .
هذا هو ألإسلام الحق إسلام أهل بيت ألنبوة ألذي أوضحته ألزهراء ألبتول حين قالت ( جعل ألله ……. طاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من ألفرقة) ، ولكن لا يفقه هذا ألإسلام في يومنا ألحالي الطائفيون، من ألجهلة من ألفريقين من ألسنة ومن ألشيعة ، فلن تقوم لنا قائمة ما دامت هذه المفاهيم الجاهلية هي الطاغية وللأسف الشديد بإسم الإسلام، لا بد أن يتعرى من يفسد بإسم الإسلام ومن يسرق بإسم الإسلام ومن يفجر ويذبح بإسم الإسلام، للأسف معاناتنا ألأولى اليوم في عالمنا الإسلامي من هؤلاء المنحرفين عن خط ألإسلام ألصحيح إسلام أهل بيت ألنبوة وألسلف ألصالح من صحابة رسول ألله (ص)، وصحابة أئمة أهل بيته عليهم أفضل ألصلاة والسلام.
للأسف مع هذه الحقائق لأهل بيت ألنبوة (ع) وألحقائق ألقرآنية الدامغة نكتشف أن الطائفية مستشرية في كافة أرجاء عالمنا ألإسلامي ولا أستثني أحداً سواء كانوا من بعض جهال ألشيعة فضلاً عن جهال ألسنة. ليعلم هؤلاء يوم ألحشر حين يقدمون إلى رسول ألله(ص) وإلى أهل بيته طلباً لشفاعتهم أن ألرسول(ص) وأهل بيته سيعرضون عنهم لأنهم كما قال ألله في كتابه ألكريم أنهم ليسوا من رسول ألله (ص) في شيء كما جاء في ألنص ألقرآني { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} …… وألذي يزيد في ألإبتلاء أن أغلب ألأحزاب ألإسلامية ألمتصدية للعملية ألسياسية من ألشيعة ومن ألسنة في ألعراق وفي أغلب بلاد عالمنا ألإسلامي هي ألتي تعمق ألطائفية لأنها تحقق مآربها ألشخصية فضلاً عن جهلهم بألإسلام ألذي يزعموا إنهم يتبنونه ويسيرون على نهجه، ولكننا في نفس ألوقت نستخلص حقيقة واضحة هو إن إنقاذ واقعنا يتطلب ألإلتفاف حول ألواعين وألمستوعبين للإسلام ألحقيقي ومنهج أهل ألبيت(ع) من مراجعنا ألعظام ألذين نعتز ونفتخر بهم وأن نتبنى ألمنهج ألذي طرحوه، ففي ذلك نجاتنا وإنقاذ ألمنطقة من ألطائفية ألمقيتة وألمستقبل ألخطير وألمجهول ألذي ينتظرنا وينتظر ألمنطقة وما يخطط لها من مؤامرات لتقسيمها وجعلها تعيش في حالة من ألصراع وألإقتتال لا يعلم مآله إلا ألله.
أيهما أولى بالتظاهرات البنك المركزي أم البرلمان

الصكوك الطيارة في العراق غدت وسيلة لمن لا يملك المال للحصول على عدة ملايين من الدولارات خلال بضع ساعات، فكيف يكون ذلك؟ وما هو الصك الطيار؟
إن ما يسمى بالصك الطيار هو تعبير عراقي جديد لمعاملة مصرفية صحيحة وسليمة ومعترف بها عالمياً، فالصك الطيار بلغة المصارف يسمى ب (الصك المصدق) في العراق أو (الشيك المصرفي) في الدول العربية أو ال (Bank Draft) على المستوى العالمي، ولكن أين التلاعب؟ وإذا كانت هذه المعاملة صحيحة فهل تحدث أيضاً في دول أخرى أو مناطق أخرى في العالم؟ وإن لم تحدث في دول أخرى فلماذا تحدث في العراق؟
الجواب بشكل جداً مختصر، أن هذا الأمر لا يمكن أن يحدث في أي دولة أخرى في العالم غير العراق ولسببين أساسيين: السبب الأول سياسة هدر الأموال في العراق والتي تبلغ حوالي (١٠٠) مليون دولار في اليوم وهي سياسة مستمرة ستفرغ إحتياطي البنك المركزي خلال فترة سنتين حيث سينهار حينها الدينار العراقي وسينهار الإقتصاد العراقي، اما السبب الثاني فهو سياسة التمكين لسرقة الأموال وبمعدل خمسة إلى ستة ملايين دولار في اليوم الواحد من أيام المزاد، وهذا الرقم سيتضاعف بشكل كبير كلما زاد الفرق بين سعر بيع الدولار من قبل المصرف وبين سعر الدولار في السوق (السعر الموازي)، والصك الطيار هو عبارة عن وسيلة يستطيع فيها الشخص الذي لا يملك مالاً من السرقة عوضاً عن سرقة الأشخاص الذين يمتلكون المال الوفير! فكيف يكون ذلك ؟
إن البنك المركزي يبيع في اليوم الواحد بين (١٠٠) مليون إلى (٢٠٠) مليون دولار، فإذا أراد الشخص أن يشتري على سبيل المثال (٢٠) مليون دولار فمعناه أنه يحتاج أن يدفع حوالي (٢٤) مليار دينار بمعدل الدولار يساوي ١٢٠٠ دينار، وهذا المبلغ من الصعب جلبه نقداً لكبر حجمه وصعوبة عده مع وجود صعوبات لوجستية أخرى، ولذلك يقوم هذا الشخص بإستصدار صك مصدق من قبل مصرف الرافدين على سبيل المثال بمقدار (٢٤) مليار دينار حيث يأخذ يسمى هذا بال (الصك الطيار) ويسلمه للبنك المركزي ويستلم قباله (٢٠) مليون دولار، وفي المقابل يتحول مبلغ ال(٢٤) مليار دينار من حسابه في بنك الرافدين إلى حساب البنك المركزي إعتماداً على الصك المصدق (الصك الطيار) الذي سلم للبنك المركزي؛ هذا هو الوضع الطبيعي من دون تحايل أو سرقات، أما في حالة التحايل فألأمر يتم كما يلي:
يقوم مصرف الرافدين على سبيل المثال بإصدار صك مصدق (صك طيار) بمبلغ (٢٤) مليار دينار كاذب من دون وجود أي مبلغ في حساب الشخص المحتال وذلك بألإتفاق بين المدير وبعض الموظفين لمصرف الرافدين والشخص المحتال، ويعطي هذا الشخص المحتال هذا الصك المصدق للبنك المركزي ويأخذ قباله مبلغ (٢٠) مليون دولار، ثم يقوم بتصريف هذا المبلغ في السوق كل دولار ب (١٣٠٠) دينار بسعر اليوم، أي بمقدار (٢٦) مليار، ثم يضع (٢٤) مليار دينار في حساب البنك المركزي في مصرف الرافدين، فيبقى لديه ربح بمقدار (٢) مليار دينار خلال ساعات، فإذا كرر هذا الشخص هذه العملية كل يوم فإنه يحصل على ربح بمقدار (٥٠) مليون دولار خلال شهر واحد، وهكذا تكون السرقة.
كيف يمكن تلافي هذا الأمر؟ هذه قضية بسيطة جداً، حيث زود البنك المركزي بنظام الكتروني عالمي متطور وهو نظام (RTGS) منذ عام ٢٠٠٦، وتم ربط جميع المصارف في العراق بالبنك المركزي من خلال النظام أعلاه منذ عام ٢٠٠٨، وإستخدام هذا النظام بكفائته الكاملة معناه إستحالة التحايل بطريقة (الصكوك الطيارة) لأن هذا النظام يكشف الحسابات للبنك المركزي بأل (Real Time) (الوقت الحقيقي – أي آنياً)، للأسف لم يستخدم هذا النظام بكفائته الكاملة، بل ظل النظام السابق مستخدماً، أي أن البنك المركزي يزود المشتري للدولار بالدولار مباشرةً، ولكنه لا يعمل المقاصة مباشرة ولا يستلم المبلغ بالدينار إلا بعد ثلاثة أيام حسب نظامه القديم، في الحقيقة لم تكن هناك خطورة بهذا الأمر منذ عام ٢٠٠٣ حتى عام ٢٠١١ لأنه لم يكن هناك سعرين للدولار، لا يعرف بالضبط متى أستخدمت هذه الطريقة في التفاهم مع مدراء البنوك وكادر البنوك الذين كانوا يشاركون في عملية الإحتيال تلك، ولكن مما لا شك فيه أن هذه الطريقة في التحايل أستخدمت على نطاق واسع جداً عامي ٢٠١٣ و ٢٠١٤ ، لقد قام السيد علي العلاق بإستخدام نظام (RTGS) بدرجة أعلى من الكفائة وبألذات فيما يتعلق بعنصر أل (Real Time) (الوقت الحقيقي – أي آنياً) وبذلك أوقف عملية التحايل تلك، وهذه القضية تحسب له، لقد أخبرني في رسالته لي أنه أوقف عمليات تحايل بهذه الطريقة تبلغ ال (٤٠٠) مليار دينار وإني لا أستبعد ذلك، ولكن يبرز هناك سؤال آخر، هل توقفت السرقات؟ وهل قلت مبالغ السرقات؟ الجواب: كلا، لقد نشأت خلال عامي ٢٠١٣ و ٢٠١٤ فئة كبيرة ممن إغتنوا غنىً فاحشاً بطريقة التحايل تلك، حيث كما بينا سابقاً، أن محتالاً واحداً يستطيع أن يسرق مبلغ (٥٠) مليون دولار خلال شهر واحد، وهؤلاء أصحاب العشرات بل المئات الملايين من الدولارات لا يحتاجوا لتكرار هذه العملية، فلكي يحققوا ربحاً بمقدار (٥٠) مليون دولار شهرياً لا يحتاجوا أكثر من (٢٠) مليون دولار في حسابهم في المصرف، وهذا المبلغ أصبح متوفراً لديهم من سرقاتهم السابقة، وفي هذه الحالة تتم السرقة بشكل قانوني، إن تفعيل السيد علي العلاق لنظام (RTGS) وإن كان مشكوراً على فعله ذلك، ولكن ما تحقق معناه لن يسمح لمحتال جديد أن يشارك في الحصول على عشرات الملايين، بل المسموح فقط للمحتالين القدماء أن يحصلوا على هذه العشرات من الملايين بسبب إغتنائهم في الفترات السابقة.
ويبرز هنا سؤال آخر، ما هو المصدر الحقيقي لهذه الأموال الكبيرة؟ الجواب: هو المواطن؛
ولكن كيف؟ الجواب: بطريقين، وهما؛
الأول بطريقة آنية ومباشرة، حيث إن السرقة اليومية لمقدار (٥) إلى (٦) مليون دولار يدفعها التاجر لإستيراد حاجيات الناس حيث يشتري الدولار ب ١٣٠٠ دينار عوضاً عن السعر الحقيقي وهو أقل من ١٢٠٠ دينار، فالفرق بين السعرين يحقق (٥) إلى (٦) مليون دولار كسرقات، وهذه السرقات تستقطع من القوت اليومي للناس حيث يجد المواطن أن السلع وبالذات الغذائية قد زادت بشكل كبير عما كانت عليه قبل عام ٢٠١١، إن هذه الزيادة يدفعها كل مواطن من قوت يومه ليدفعها لهؤلاء السراق الذين يسرقونه مع هذا النقص الكبير في موارد البلد في كل يوم بين (٥) إلى (٦) مليون دولار.
والطريق الثاني، هو هدر ما تحقق من إحتياطي للعملة خلال سنين إرتفاع النفط والذي بلغ أكثر من (٨٠) مليار دولار، وبلغ اليوم أقل من (٥٠) مليار دولار، وهذا الهدر هو أخطر ما يمكن أن يواجهه المواطن، ليس اليوم، ولكن بشكل شبه يقيني خلال عامين من الزمن، حينها سينهار الدينار بشكل طبيعي، لأن ما نصرفه اليوم حتى مع صعود أسعار النفط هو أكثر مما نجنيه من موارد النفط…
لقد إطلعت على موضوع في أحد المواقع يقول الكاتب إن البنك المركزي أولى بالتظاهرات من مجلس النواب، وإني أؤيد هذه المقولة، فمعاشات النواب مع الحمايات لا تبلغ (٢٠) مليون دولار في الشهر، وهذا المبلغ لا يعادل أربعة أيام من سرقات البنك المركزي !!!
ونسأل مرة أخرى، هل هنالك حل؟ الجواب: نعم؛ وهذا ما طرحناه سابقاً…ويستطيع المواطن أن يجد جوابنا على الموقع: mohammedallawi.com تحت عنوان: (هل يمكن إنقاذ إقتصاد العراق من خلال البنك المركزي)
محمد توفيق علاوي
نهاية دولة إسمها العراق
نهاية دولة إسمها العراق
يمكن الإطلاع على مقابلة محمد توفيق علاوي في (قناة دجلة) اليوم يوم الثلاثاء ١ / ١٢ / ٢٠١٥ ا، هذه المقابلة بعد مشاهدتها من قبل الكثيرين كان التعليق عليها أنها أفضل مقابلة لمحمد توفيق علاوي على الإطلاق في طرح الحلول الممكنة لإنقاذ بلدنا من الإنهيار الإقتصادي المريع والدمار الكامل لدولة إسمها العراق خلال فترة لا تتجاوز السنتين
كيف نحمي العراق من الإنهيار (سياسة إجتثاث ثقافة الفساد) الحلقة الرابعة
سياسة إجتثاث ثقافة الفساد
هناك من يتحدث بإجتثاث البعث، مع العلم إن فكر البعث لا يمكن أن يشكل في يومنا الحالي أي نوع من انواع الخطورة، فهذا الفكر الذي فشل بشكل ذريع في دولتين في المنطقة قد أصبح في قمامة التأريخ، ومن الإستحالة أن يخرج مرةً أخرى كفكر يتبنى الوحدة العربية والحرية والإشتراكية، لأنه تبين بشكل واضح أن تلك الأهداف كانت عبارة عن كذبة كبيرة، فأكثر فكر كان معادٍ للوحدة العربية ومزق العالم العربي وكان سبباً لنشوء حروب ونزاعات بين الدول العربية بل سبباً لإحتلال دولة عربية من قبل دولة عربية ترفع شعار الوحدة العربية وسبباً لقتل الآلاف من الأبرياء العرب. أما شعار الحرية فأكبر دليل على هذه الكذبة هو إمتلاء السجون بمئات الآلاف من الأبرياء لأنهم يتبنون فكراً آخر، فالعراق تحت حكم البعث كان الدولة العربية الوحيدة في العالم التي تحكم باعدام او بسجن من ينتمي إلى أي حزب سياسي غير حزب البعث، إن أول من إجتث فكر حزب البعث هو المقبور صدام حسين، حيث حول الحزب إلى مجموعة من الموالين والأقرباء قد تخلوا عن فكر البعث الذي رفعوه وأحالوه إلى منهج دكتاتوري هدفه الأساس بقاء صدام في الحكم، ومقارعة الأعداء بكافة الطرق المشروعة والغير مشروعة.
للأسف منذ سقوط صدام حتى اليوم، فإن أطول فترة من حكم الأسلاميين تبين أن رفع شعار الإسلام هو أيضاً كذبة كبيرة، حيث تم تبني نقيض المفاهيم الإسلامية العظمى من العدالة والمساواة والصدق والنزاهة وتقديم المصلحة العامة على المصالح الخاصة، كما إستحال هذا الفكر ألإسلامي العظيم إلى نفس منهج صدام الدكتاتوري في حكم البلد من قبل الموالين والأقرباء للإبقاء على حكم المفسدين و(لا يعطوها) لغيرهم من المناوئين حتى وإن كانوا مصلحين، مع مقارعة الأعداء، كمنهج صدام، بكافة الطرق المشروعة والغير مشروعة، مع تميز هذا الحكم عن حكم صدام بسرقة الأموال من قوت الشعب بمبالغ خرافية لم تشهدها أي دولة من دول العالم منذ أول التأريخ حتى يومنا هذا، فأستحال البلد إلى خرائب مع وجود موازنات إنفجارية لم يشهدها العراق منذ قيامه حتى يومنا هذا وأنعدمت الخدمات وانتشر الفقر والبؤس والفساد والمعاناة على كافة المستويات ولكافة أرجاء البلد وأنحائه.
للقضاءعلى الفساد وثقافة الفساد نحتاج إلى ما يلي:
اولاً، القيادة المصلحة :هنالك مثل صيني يقول (إذا أردت أن تعرف فساد السمكة فأنظر إلى رأسها) للأسف إن إستشراء سياسة الفساد على هذا المستوى الواسع في الفترة السابقة كان بسبب فساد الرأس، فلا يمكن إصلاح الوضع إلا بإصلاح الرأس، ولا يكفي إصلاح الرأس بمفرده بل يجب إصلاح الرؤوس، فهناك عدة رؤوس تسيطر على كافة مفاصل الدولة من وزارات وهيئات ومجالس محافظات ومحافظين وضباط كبار في الجيش والشرطة ومسؤلي مجاميع قتالية من الحشد الشعبي ورجال العشائر والصحوات والحرس الوطني وغيرهم. إن هذه الرؤوس التي تمثل أغلب الجهات السياسية المختلفة التي تحكم البلد قد تعاهدت فيما بينها عهداً غير مكتوب على تقاسم السرقات من قوت الشعب كعمولات أو رشاوى أو فضائيين وغيرها من الطرق، لقد أنشأت هذه الجهات لجاناً إقتصادية لشرعنة السرقات، ولا يمكن أيقاف هذه السرقات في الوقت الحالي إلا بتشكيل حكومة تكنوقراط وإزاحة كل من عليه شبهة أي فساد من تولي أي منصب تنفيذي بل تغليب التكنوقراط الكفوئين وذوي الماضي النزيه لتولي كافة المواقع التنفيذية في البلد.
ثانياً، وضع سياسة واضحة وفاعلة للقضاء على الفساد:يجب أن يجتمع كافة رؤساء الكتل السياسية وتبني تعهد فيما بينهم على حل لجانهم الإقتصادية وتبني عدم تدخلهم بشؤون وزاراتهم وتغيير الوزراء المفسدين وغير الكفوئين، وأن تأخذ هذه الجهات السياسية تعهداً من وزرائهم في عدم الإستفادة الشخصية بأي شكل من الأشكال من مواقعهم، وأخذ تعهد من هؤلاء الوزراء بتقديم إستقالاتهم بمجرد إنكشاف أي تهمة فساد بحقهم، إن هذه الكتل السياسية امام مفترق طريق، إما دمار العراق وهو الطريق الذي نحن سائرون فيه وهو بسبب سياسات تلك الكتل والأحزاب السياسية ، والطريق الثاني هو الحفاظ على ما تبقى من العراق والسعي لتطويره والنهوض به مرة أخرى.
فضلاً عن ذلك يجب جلب شركة أو عدة شركات إستشارية عالمية، وعرض كافة المشاريع الموازنة الإستثمارية من مليون دولار فما فوق سواء على مستوى الوزارات أو المحافظات أو غيرها من مؤسسات الدولة على هذه الشركات الإستشارية للتأكد من جدوى المشروع الإقتصادية إبتداءً ثم التأكد من أن مواصفات المشروع هي طبقاً للمواصفات العالمية، بل يمكن لهذه الشركات أن تضع المواصفات إن كانت هناك حاجة لذلك، ثم التأكد من إتخاذ الإجراءات الصحيحة لكافة المراحل حتى مرحلة الإحالة، وهي أهم مرحلة حيث يجب التأكد من رصانة الشركة المحال إليها المشروع وكفاءتها وقدرتها على إنجاز المشروع ضمن الفترة الزمنية المخصصة لذلك. ويسري نفس الأمر على كافة التجهيزات وشراء المعدات والطائرات والأسلحة وغيرها، فضلاً عن مراجعة تشكيلات الشرطة والجيش والمجاميع القتالية للتعرف على الفضائيين وكافة مفاصل الفساد ضمن هذه التشكيلات.
ثالثاً، كيفية ايقاف رشاوى الموظفين المفسدين: كما إن هناك فساداً مستشرياً على مستويات أخرى، فلا يتمكن المواطن من إتمام أي معاملة ضمن دوائر الدولة من دون دفع الرشاوى بمختلف الأشكال وللكثير من موظفي الدولة، وذلك لا يمكن القضاء عليه إلا بإتخاذ إجراءات جدية، وإني أقترح أن تعلن حالة طواريء، ولكن ليست حالة طواريء امنية وعسكرية، بل حالة طواريء ضد الفساد، تحدد ساعة الصفر وبعدها كل من يفسد من موظفي الدولة يعاقب بأشد العقوبات، وتفتح خطوط ساخنة بين المواطن وهيئة حكومية خاصة تنشأ لهذا الشأن للتبليغ عن أي حالة فساد أو رشوة في الدولة، وبعد التأكد من قيام أي موظف في الدولة بأخذ رشوة يفضح في وسائل الإعلام، ويفصل من دائرته ويسجن لفترة لا تقل عن ثلاث سنوات، وتطبق نفس الآليات بحق الشركات التي تدفع الرشوة للحصول على العقود الفاسدة بطريقة مخالفة للقانون؛ قد يستمر بعض الموظفين في الدولة بالفساد حتى مع هذه الإجراءات الشديدة، ولكن هؤلاء لا يمكن أن تتجاوز نسبتهم ال ٢٪ إلى ٥٪، يجب التضحية بهؤلاء، فهؤلاء ليس مكانهم دوائر ألدولة، بل مكانهم السجن.
رابعاً،الضرب بيد من حديد لجميع المفسدين كما طالبت به المرجعية الرشيدة: حيث طالبت المرجعية الرشيدة رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي بالضرب بيد من حديد لكل مفسد أفسد في الفترة السابقة والحالية، ولكن للأسف الشديد فإن الأخ حيدر العبادي لم يضرب هؤلاء بيد من حديد كما طلبت منه المرجعية، إن هذا الأسلوب المتهاون في التعامل مع الفساد ومع المفسدين سيفقد الدولة وما تمتلكه من صولة وقانون لردع الفساد والمفسدين، حيث لا يمكن ردع المفسدين إلا بعقوبات شديدة بحق رؤوس الفساد، وبخلافه فلا يخشى من سلطة الدولة لردع المفسدين وبالذات إذا كان هؤلاء ينتمون إلى إحدى الجهات السياسية، لقد أتخذت إجراءات عقابية شديدة ولكن بحق أشخاص لا يمتلكون الإسناد السياسي، إن معاقبة رؤوس الفساد بعقوبات شديدة وبالذات إذا كانوا ينتمون إلى إحدى الجهات السياسية الحاكمة سيكون دوره مفصلياً للحد من الفساد، ولهذا أسندت المرجعية الرشيدة الدكتور حيدر العبادي بهذا الإسناد المتميز في مطالبته بالضرب بيد من حديد، لإنها تعلم أثر هذه السياسة في ردع رؤوس الفساد وبداية حقيقية للقضاء على الفساد. ولكن تلكوء الأخ حيدر العبادي وتفريطه بهذا الإسناد أفقد البلد فرصة تأريخية للقضاء على الفساد، بل قد ترتد آثار هذا التلكوء سلباً عليه.
كيف نحمي العراق من الإنهيار (إسترجاع ألأموال من المفسدين) الحلقة الثالثة
كيف نسترجع الأموال من المفسدين
بسم الله الرحمن الرحيم
عدد المشاريع المتلكئة منذ عام ٢٠٠٣ حتى اليوم بلغ اكثر من ثمانية آلاف مشروع وكلفتها اكثر من (270) مليار دولار، وإن أكثر من ٩٩٪ من هذه المشاريع متلكئة بسبب الفساد، حيث لم يتم تطبيق تعليمات العقود الحكومية من الشفافية وفتح المجال لكافة الشركات للتقديم بل تم الإتفاق مع شركات محددة مسبقاً وغير رصينة وتم الإتفاق معها على دفع عمولات كبيرة، فعندما يتم دفع مبالغ مقدماً لهذه الشركات من قبل الدولة ، يتم إسترجاع هذه المبالغ كعمولة من قبل الجهة الحكومية التي منحتهم العقد، ثم تطالب الشركة بدفعة أخرى، ولكنها تجد نفسها غير قادرة على القيام بالمشروع لأنها غير كفوءة وتخشى من الخسارة، فتستولي على ما إستلمته من أموال وتترك المشروع من دون إنجازه، وتحول ما إستلمته من أموال إلى خارج البلد، وتخشى الجهة الحكومية التي تعاقدت معها في البداية من ملاحقة هذه الشركة المتلكئة في إنجاز المشروع لأنها إن حوسبت فستكشف العمولات التي دفعتها إلى الجهة الحكومية، فيسكت كل طرف عن الآخر ويذهب كل طرف بما ناله من أموال، بل لعل هذين الطرفين هم أقارب أو أصدقاء، فيبقى المشروع متلكئاً وغير منجز.
لقد قامت الحكومة والمحافظات وكافة مؤسسات الدولة بالتعاقد على أكثر من تسعة آلاف مشروع منذ عام ٢٠٠٣ حتى اليوم، وإن عدد المشاريع المتلكئة قد بلغ أكثر من ثمانية آلاف مشروع كما ذكرنا، أي أن المنجز هو بحدود ١٠٪ من المشاريع، أما ما دفع من مبالغ تقاسمتها الجهة الحكومية مع الشركة المتلكئة عادة تبلغ ٣٠٪ من قيمة العقد، أي المقدار الكلي المسروق يبلغ حوالي ال (80) مليار دولار. وهناك مبالغ أخرى تعد بعشرات المليارات من الدولارات بالنسبة للتجهيزات من طائرات وأسلحة وعتاد وقضايا أخرى حيث كانت العمولات تتراوح بين ٤٠٪ إلى أكثر من ٩٩٪ كأجهزة كشف المتفجرات. فضلاً السرقات بشأن الفضائيين من أفراد الجيش والشرطة والحمايات والصحوات وما سمي بمجالس الإسناد وغيرها.
ألحل
قد يقول قائل يجب محاسبة ومعاقبة المسؤولين والحجز على أموالهم، ولكن هذا الحل ليس واقعياً، فليس المطلب الأساس معاقبة المفسدين، ولكن المطلب الأساس هو إرجاع المقدار الأكبر من هذه المبالغ التي تبلغ العشرات من المليارات من الدولارات، فكيف السبيل إلي ذلك ؟؟؟؟؟
يجب إبتداءً جلب شركة عالمية إستشارية في مجال المحاسبة، وتتولى هذه الشركة مراجعة المشاريع المتلكئة والتعرف على أسباب التلكؤ، ثم يتم الإجتماع بالشركات المتلكئة ومحاورتهم للتعرف منهم على اسباب تلكؤهم، والتعرف منهم على مقدار العمولات التي دفعوها إلى الجهة الحكومية، اما بالنسبة للتجهيزات فإن الشركة الإستشارية العالمية يمكنها بكل سهولة تقديم دراسة بشأن التجهيزات واسعارها الحقيقية وبالتالي معرفة مقدار السرقات التي دفعت كعمولات.
بشأن المشاريع المتلكئة يقيم إبتداءً العمل المنجز وكلفته، ويطلب من الشركة إكمال المشروع، فإن كانت عاجزة وغير كفوءة فيطلب منها دفع المبالغ التي إستلمتها مع خصم كلفة الأعمال المنجزة وإحتساب فائدة لهم بمقدار لا يتجاوز ال ١٠٪ من قيمة العمل المنجز، فإن إدعت أنها دفعت عمولات للجهة الحكومية فيطلب منها تدوين أقوالها مع إبراز كافة الأدلة التي تثبت أنهم قد دفعوا عمولات.
ثم يطلب من الجهة الحكومية إرجاع ما تبقى من المبالغ التي أخذتها قبال إصدار عفو حيث لا ينفع مطالبتها بارجاع كامل المبلغ والذي لا تستطيعه، فليس المطلوب معاقبة الناس بل المطلوب إرجاع أكبر مبلغ للخزينة العراقية، وأما ما تبقى فيبقى ديناً على هذه الجهة الحكومية لإرجاعه متى ما توفر .
المشكلة التي قد تبرز أن مقدار كبير من هذه الأموال قد دفعت إلى جهات سياسية، في هذه الحالة يطلب من الجهة السياسية إرجاع هذه المبالغ، فإن كانت عاجزة عن إرجاع كامل المبالغ فيطلب منها تقديم قوائم بجهات الصرف، ثم تجرى تسوية نهائية مع هذه الجهات السياسية، ويتم في نفس الوقت التعجيل بتشريع قانون الأحزاب وتخصيص مبالغ ضمن الموازنة لكافة الجهات السياسية الممثلة في مجلس النواب.
أما لمن لا يتعاون ويبقى خارج البلد فيمكن التعامل معه إنطلاقاً من إتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والتي وقع عليها العراق بموجب القانون رقم (35) لسنة (2007) المنشور بالوقائع العراقية المرقمة (4047)لعام (2007) بالاضافة الى نص الاتفاقية المنشورة بالوقائع العراقية المرقمة (4093) لعام (2008) حيث يفرض على كافة الدول المشاركة ارجاع المبالغ المسروقة وترفع عن الشخص المتهم السرية المصرفية وتصادر العقارات التي شريت بهذه الأموال وقرار المحاكم العراقية يسري أيضاً على الأشخاص مزدوجي الجنسية.
أصناف المسؤولين
هناك اربعة اصناف من المسؤولين في الدولة:
ألنزيهون ألذين يحاربون من قبل المفسدين، والمفسدين الصغار، والوسط والكبار
اولاً: النزيهون الذين يحاربون من قبل المفسدين؛ حيث سأتطرق إلى حالتين في وزارة الإتصالات.
الحالة الأولى بشأن إحدى المهندسات في الوزارة ، كانت هذه المهندسة رئيسة قسم، ثم نالت شهادة الماجستير من جامعة برونيل البريطانية من خلال ايفاد الوزارة ورجعت إلى العراق وكنت في حينها وزيراً، فجعلتها مسؤولةً على مشروع بوابات النفاذ الذي فشلت لجنة سابقة في اتمامه مع إستغراقهم العمل لفترة اربع سنوات، وأستطاعت هذه المهندسة إتمام المشروع خلال بضعة أشهر، وحققت مورد إلى الوزارة في حينها بحدود خمسة ملايين دولار شهرياً، أي بحدود (٦٠) مليون دولار سنوياً، وعندما شغر موقع مدير عام شركة الأنترنت عينتها مدير عام للشركة المذكورة. المشكلة الوحيدة لهذه المهندسة إن نزاهتها مطلقة، ولا يمكنها تمرير أي عقد به أي نوع من انواع الفساد. وعندما تركت الوزارة في نهاية عام ٢٠١٢ وتغير الكثير من الطاقم الإداري وجدوا أن هذه المهندسة ستقف حائلاً امام مخططاتهم لتمرير المشاريع الفاسدة، ولكنهم واجهوا معضلةً لإزاحتها، فهي كفوءة ومن الصعوبة ايجاد شخص مماثل لها في كفائتها، ونزيهة فلا يمكن توجيه أي إتهام لها للتشكيك بنزاهتها، وأخيراً أزاحوها خلافاً للتعليمات، وخشوا أن تبقى بأي مركز تقني في الوزارة لأنها ستكون قادرة على كشف كل عملية فساد في اى مشروع؛ فتفتقت أذهانهم بإرسال رسالة من شخص مجهول الأسم إلى المفتش العام يتهمها بألإرهاب، وإستناداً على هذه الرسالة جردوها من أي مهمة هندسية في مجالها، ووضعوها في مهمة إدارية لا علاقة لها بتخصصها وبكفائتها لكي يسرقوا من دون حسيب او رقيب كما يحلو لهم.
الحالة الثانية هي لرئيس اللجنة ألأمنية لأهم مشروع يخدم الأمن في العراق وهو مشروع أمن بغداد وأمن الحدود، وكان هذا الشخص بدرجة مستشار ألأمن ألإتصالاتي في الوزارة، مشكلته أيضاً أنه لا يمكنه السكوت عن أي فساد، وضمن عمله إكتشف أن مشروعاً أمنياً تجريبياً صغيراً على الحدود السورية العراقية كلفته لا تتجاوز المليون دولار أخذته شركة بالباطن ب(٣٥) مليون دولار من خلال وزارة الداخلية، فأرسل رسالة لوزارة الداخلية يعلمهم بهذه الحقيقة، ولكن بدلاً من أن يشكر على فعله، تمنعت وزارة الداخلية من حضور اللجنة الأمنية التي كان يرأسها، فتأخرت المرحلة الإستشارية لهذا المشروع المهم للحفاظ على حياة المواطنين من ستة أشهر إلى ثمان سنوات وإلى حد الآن لم تحقق، وحولوا لجنته من لجنة قرار إلى لجنة إستشارية تجتمع عند الطلب لتجريده من أي سلطة لإتمام المشروع، وبسبب جرئته على كشف حقيقة فسادهم، اتهموه هو بالفساد، ما فعلوه كان سبباً لإستشهاد الآلاف من الأبرياء، وسبباً لإحتلال مدينة الموصل والأنبار من قبل داعش وسبباً لجرائم أخرى كسبايكر أو مئات التفجيرات في بغداد وغيرها، لأنه لو قام هذا المشروع كما كان مخططاً له في بداية عام ٢٠١٠، لكان من الإستحالة لداعش عبور الحدود السورية العراقية ولكان من الإستحالة إحتلال مدينة الموصل او مدن الأنبار أو صلاح الدين ولكان في الإمكان تقليل عدد العمليات الإنتحارية في بغداد بمقدار يفوق ال ٩٥٪.
وقد قدم المستشار أعلاه طلب الإحالة على التقاعد بسبب مقابلة جهوده المخلصة لتوفير الأمن للبلد بأساليب ألإقصاء والتهميش، وهكذا ستخلوا مؤسسات الدولة ودوائرها من المخلصين والكفوئين والنزيهين، وسيحل محلهم الجهلة والمفسدون، وهذا ما يجب أن يعلمه ابناء شعبنا في كيفية تسيير الأمور في الدولة وما هو مستقبل البلد إن إستمرت مثل هذه السياسات الخطيرة.
ثانياً: المفسدون الصغار ؛ فهؤلاء لا يأخذون عمولات كبيرة، وإعتيادياً تتراوح عمولاتهم بين ٥٪ إلى ٢٠٪ من المشروع أو التجهيز، ولعل كثير من هذه العمولات تذهب للجهة السياسية التي ينتمي إليها المسؤول، ومع كون الجهات السياسية المتصدية تحتاج إلى تمويل ويجب تمويل مصاريفها من الموازنة، ولكنه لا يمكن أيجاد أي تبرير قانوني او شرعي لهذه العمولات مهما قل مقدارها.
ثالثاً:المفسدون الوسط ؛ وهؤلاء يأخذون عمولات متوسطة أكثر من عمولات المفسدون الصغار، الخطورة في هذه العمولات انها تحول المشروع إلى مشروع متلكأ، وأذكر أدناه الحادثة التالية في إجتماع مجلس الوزراء بداية عام ٢٠١١.
حيث تطرق في وقتها وزير التربية والتعليم محمد تميم إلى مشكلة ال (٢٠٠) مدرسة في فترة الوزارة التي سبقته حيث دفعت السلفة التشغيلية بمبلغ أكثر من (٤٠) مليون دولار، والعمل متلكأ، والمقاولون ليس لهم إمكانية مالية لإتمام المشروع، وهناك عدة بنوك مقدمة على الإفلاس بسبب دفعها لقروض دون مقابل؛ فتحدث نائب رئيس الوزراء الدكتور حسين الشهرستاني امام جميع الوزراء قائلاً (أنا أعرف هذا المشروع الذي أحيل إلى شركة أيرانية غير كفوءة، ودفعت لها سلفة تشغيلية، فدفعتها بدورها كعمولات ولم يبق بيدها اموال، فطلبت من مقاولين عراقيين إتمام المشروع، وهؤلاء إستدانوا من المصارف التي دفعت لهم إعتماداً على العقد الموقع مع الوزارة، والظاهر إن نسب الإنجاز أقل من السلفة التشغيلية التي تم دفعها كعمولة، وهي سرقة واضحة) ولم يتهم الدكتور الشهرستاني أي شخص بعينه في هذه السرقة الكبيرة. هذا مثال للسرقات المتوسطة ، المفضوحة أمام رئيس الوزراء وكافة الوزراء ، والخبر اليقين لدى الدكتور حسين الشهرستاني. هذا مثل لأكثر من ثمانية آلاف مشروع متلكأ منذ عام ٢٠٠٣ ومشابه لهذه الحالة.
رابعاً: المفسدون الكبار؛ وهؤلاء يأخذون عمولات تتجاوز ال (٩٠ ٪) من قيمة المشروع أوكلفة التجهيز، وأضرب أدناه المثل التالي في الشهر الثالث من عام ٢٠١٢.
حيث وزعت على الوزراء في مجلس الوزراء قوائم بكلف المصاريف لمؤتمر القمة العربي ونسب الإنجاز لجملة من المشاريع في هذا المضمار، وأثار إنتباهي في وقتها كلفة مشروع شارع المطار الذي بلغت كلفته بحدود (١٩٦) مليون دولار؛ وقررت أن أعمل عملية حسابية بسيطة كما هو متعارف (حساب عرب) لهذا المشروع؛ حيث يتشكل هذا المشروع كما يشاهده المواطن الذي يذهب إلي المطار من حوالي الألف وستمئة نخلة لا يمكن أن يتجاوز سعر النخل الألف دولار مع ارباحها، فتكون الكلفة الكلية بحدود (١،٦) مليون دولار؛ وهناك حوالي (١٨٠٠) عمود إنارة حيث أن كلفة العمود عالمياً مع التركيب والكابلات الكهربائية والأرباح لا يمكن أن تتجاوز ال (٦٠٠٠) دولار للعمود، اى بكلفة كلية بحدود (١٠،٨) مليون دولار، أما أحواض الماء والنافورات وبعض الإنشاءات الأخرى فلا يمكن أن تتجاوز كلفتها أل (٢) مليون دولار، أما الحشائش والزهور والشجيرات ورشاشات المياه وقضايا بسيطة أخرى فلا يمكن أن تتجاوز كلفتها ال (١،٥) مليون دولار؛ أي إن كلفة المشروع لا يمكن أن تتجاوز ال (١٦) مليون دولار في حين تم دفع مبلغ (١٩٦) مليون دولار؛ ويمكننا إجراء مقارنة بسيطة مع شارع بمواصفات عالمية عالية طوله حوالي ال (٢٠٠) كيلومتر يمتد من أربيل إلى زاخو ويخترق أربعة جبال من خلال أربعة أنفاق لم تتجاوز كلفته ال (٢٥٠) مليون دولار مع الإنارة وكافة الشروط والمعايير العالمية، ولا أريد أن أزعم أن ألنزاهة مطلقة في أقليم كردستان، ولكن لا يمكن المقارنة بين أعمدة كهرباء ونخيل وحشائش وأحواض ماء تكلف (١٩٦) مليون دولار وبين طريق أربيل زاخو بكلفة (٢٥٠) مليون دولار؛ وأرغب أن أؤكد أني لا أوجه الإتهام إلى شخص محدد أو عدة أشخاص عن هذا لفساد الكبير في شارع المطار لأني لا أمتلك دليل مادي يقيني بهذا الشأن غير ما أشرت إليه.
القضية الأخرى هي أجهزة كشف المتفجرات؛ حيث كان سعر الجهاز بحدود (٤٠) الف باون أي حوالي (٦٠) الف دولار، وهي أجهزة كاذبة لا يكلف الجهاز أكثر من ١٢ دولار؛ تم محاكمة صاحب الشركة المصنعة جيم ماكورميك في بريطانيا الذي إعترف أنه كان يبيع الجهاز ب (٤٠) الف باون، يأخذ لنفسه (٢٤) الف باون ويدفع عمولة للعراقيين بمقدار (١٦) ألف باون، وأنه باع الأجهزة لوزارة الداخلية بمقدار (٨٥) مليون دولار، وحكم عليه بالسجن في بريطانيا لعشر سنوات، ليست المشكلة في هذه الأجهزة هي السرقة التي تتجاوز ال ٩٩٪ فحسب، إنما ارواح الآلاف من الأبرياء الذين إستشهدوا بسبب هذا الفساد الكبير. يمكن الإطلاع على التقرير المصور لل((BBC على الرابط التالي: https://www.youtube.com/watch?v=VRpNbd3Q31I


