السياسة العالمية
مقابلة الشرقية بتأريخ 25 /1 / 2025
مشروع الشرق الأوسط الجديد بعد سقوط بشار الاسد

مخطط اسقاط بشار الأسد وجلب جبهة النصرة للسيطرة على سوريا هو مخطط اسرائيلي بالدرجة الأولى تم التهيئة له قبل فترة ليست بقصيرة؛ من الطبيعي ان إسرائيل قد نسقت مع اكثر من طرف وكل طرف له اجندته وأهدافه، فتعاملت بطريقة ذكية ومدروسة مع كافة الأطراف واستطاعت حسب تصوري اقناع كل طرف بان سيطرة القاعدة (جبهة النصرة) على سوريا سيحقق اهداف ومصالح ذلك الطرف ولا يتعارض مع مصالحهم، وهذه الأطراف هي :
1.تركيا.
2.اميركا
3.اوربا
ان الهدف المشترك بين الأطراف الثلاثة أعلاه فضلاً عن اسرائيل هو انهاء الوجود الإيراني في سوريا وقطع الامداد لحزب الله، فما هي الأهداف الخاصة لكل طرف من هذه الأطراف الثلاثة
بالنسبة لتركيا ترغب بالاستيلاء على مناطق من سوريا ولا سيما حلب (كما صرح رئيس حزب الحركة القومية التركي – دولت بهتشلي- حليف اردوغان) فضلاً عن انهاء دور الحركات الكردية الانفصالية وانهاء أي دور لهذه الحركات بإسناد حزب العمال الكردستاني، لقد اصبحت كل هذه الاهداف قريبة من التحقق
بالنسبة لأميركا فهي ترغب بإنهاء الوجود الروسي ولا يهمها ما ستؤول اليه الأمور ولكنها لا ترغب برجوع فصائل القاعدة وداعش، وهذا الهدف لم يتحقق بل تحقق العكس فقد رجعت القاعدة متمثلة بجبهة النصرة بأقوى قوتها، فكيف اقتنعت اميركا بهذا التغيير ؟؟؟؟
بالنسبة لاوربا فهي ايضاً ترغب بإنهاء الوجود الروسي لكنها لا تريد رجوع الجهات الإرهابية كالقاعدة وداعش لما يسببه ذلك من فزع واستمرار لحالة الهجرة من سوريا الى اوربا فرجوع القاعدة وداعش هو امر مرفوض من قبلهم، فكيف اقتنعوا بإنهاء نظام بشار الأسد واستبداله بجبهة النصرة ومعناه استمرار الهروب من اطراف أخرى لم تهرب سابقاً كالعلويين والاسماعيليين والشيعة والدروز والمسيحيين ؟؟؟؟
لقد كان الوضع الطبيعي والمثالي هو إعطاء القيادة لطرف علماني والذي يمكن ان تجتمع عليه المعارضة ويرضي الأمريكان والاوربيون، بل يمكن بكل يسر وسهولة جلب طرف إسلامي معتدل نسبياً كالإخوان المسلمين مما يحقق الرغبة التركية ولا يلقى معارضة أمريكية او اوربية؛ ولكن لماذا الإصرار على جبهة النصرة؟؟؟
إسرائيل لها هدفين أساسيين، الأول كما ذكرنا انهاء الوجود الإيراني وما يمثله ذلك من إيقاف التمويل وتوفير السلاح لحزب الله، اما بالنسبة لروسيا فإسرائيل لا يهمها بقاء او انهاء الوجود الروسي بشكل كبير إلا إذا كان فيه اسناد للأسد وما يعني ذلك من الاستمرار بتزويد حزب الله بالسلاح من ايران، كما انه لا يعنيها او بالأحرى تفضل استقطاع أجزاء من سوريا لصالح تركيا او لصالح الاكراد او هي تسيطر عليها كما حصل مؤخراً في الجولان
اما الهدف الاسرائيلي الثاني فهو تدمير سوريا وتمزيقها وانشاء دويلات قائمة على أسس عرقية ودينية وطائفية متصارعة فيما بينها وهذا لا يحققه إلا مجيئ جهة إرهابية تستسهل القتل وسفك الدماء وتنشر الدمار وهذا لا يتحقق إلا بمجيئ مجموعة إرهابية تكفيرية قادرة على انهاء السلم المجتمعي وتمزيق المجتمع السوري وهو ما يتمثل بجبهة النصرة
هذا الامر يتطلب اقناع الاتراك والأمريكان والاوربيون ؛ فتم التفاهم مع الجولاني بطرح خطاب توافقي معتدل في الفترة الأولى (لعله سنة او سنتين او اكثر او اقل) وتحقيق كافة المتطلبات التركية والأمريكية والاوربية، والأكثر من ذلك ان جبهة النصرة لم تبد أي اعتراض حتى ولو كان اعتراضاً لفضياً تجاه إسرائيل قبال المجازر الرهيبة بحق أطفال ونساء ورجال غزة من الأشخاص المسالمين والابرياء، كل ذلك من اجل تحقيق الرضا الإسرائيلي وباتفاق مسبق ، مما لا شك فيه ان بشار الأسد كان مستبداً ومسؤول عن قتل الكثير من المعارضين بغير حق، ولكن المستقبل سيكون خطير جداً ضمن التخطيط الإسرائيلي للمنطقة، لذلك المطلوب من الدول العربية والإسلامية ان تبذل كافة جهودها للحفاظ على وحدة الأراضي السورية لمواجهة هذا المخطط الإسرائيلي الخبيث، ويجب على الحكومة العراقية السعي للتواصل مع النظام الجديد في سوريا من اجل الحفاظ على علاقات اخوية متوازنة خدمة لمستقبل دول المنطقة وأبناء الشعبين الشقيقين العراقي والسوري
ما هي الخطوة الإسرائيلية الثانية بعد القضاء على سوريا؟؟؟ هناك ثمان دول عربية محيطة بإسرائيل من غير سوريا وتخطط لها إسرائيل في مشروع الشرق الأوسط الجديد وهي مصر والسعودية والأردن ولبنان وليبيا واليمن والعراق وما تبقى من فلسطين، أي غزة والضفة الغربية؛ واخطر المخططات هي بحق السعودية والعراق
السعودية: بعد استقرار دام لأكثر من مئة عام وتطور كبير في كافة الميادين وطفرات نوعية غير مسبوقة في كافة المجالات ونشوء جيل واعي ومتعلم ونشوء صناعات متميزة يشكل خطراً حقيقياً على إسرائيل، ولن تنفع سياسات التطبيع والتقارب مع إسرائيل، فلا يجوز لاي دولة عربية وإسلامية بنظر إسرائيل ان تحقق تطوراً حقيقياً بغض النظر عن نظامها القائم وقربها من اسرائيل، فقد سئل أبا ايبان نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير الخارجية في ستينات القرن الماضي بعد اصدار كتابه [بلدي: قصة إسرائيل الحديثة] عام 1972 عن العراق، فقال كانت العراق اكثر دولة نخشى منها لأنها كانت تسير بخطى حثيثة نحو التطور وما تمتلكه من إمكانيات ثقافية ومادية، ولكن ما ان حدثت ثورة 1958 وما تبعها من ثورات في ستينات (القرن الماضي) ورأينا ان عجلة التطور قد توقفت واخذ البلد يتراجع تولد لدينا اطمئنان ان العراق لن يشكل خطراً على إسرائيل في المستقبل المنظور، الامر ينطبق الآن على السعودية، ولا يمكن معرفة ما تخبؤوه إسرائيل للسعودية من اضطرابات واغتيالات على مدى المستقبل المنظور
لا تريد إسرائيل ان يتكرر سيناريو الشاه الذي كانت تعتبره الحليف الأقوى في الشرق الأوسط، ولكن انقلبت ايران في ليلة وضحاها الى عدو لدود ، وهذا السيناريو ممكن ان يتكرر مع أي دولة اسلامية
اما العراق: فإن تم القضاء على الفساد واستقر البلد وحقق تطوراً حقيقياً بما يمتلكه من كفاءات وامكانيات فيمكن ان يشكل خطراً حقيقياً كما ذكره أبا ايبان، ولذلك لا يجوز السماح له بالاستقرار ويجب السعي لتفتيت البلد كما هي سياسة بايدن الصهيونية التي دعا اليها عام 2006 لتقسيم العراق الى ثلاث دويلات شيعية وسنية وكردية، ثم كان مخطط إسرائيل باحتلال داعش للموصل عام 2014، ولكن داعش دحرت بفتوى المرجعية الرشيدة، والآن سيأتي دور جبهة النصرة التي نأمل انها مغايرة لسياساتها التكفيرية السابقة ولكن ان استمرت تلك السياسات السابقة فيخشى من استخدامها كرأس حربة لضرب العراق فضلاً عن السعودية والأردن ومصر وفلسطين واليمن في المستقبل المنظور
محمد توفيق علاوي
ما هو مصير من ارتكب هذه الجرائم النكراء في غزة ؟؟؟؟؟؟؟

لازالت جرائم الكيان الصهيوني توغل في قتل الاطفال والنساء والرجال من المدنيين الابرياء العزل لا لجرم ارتكبوه او اي ذنب اقترفوه ولكن تعطشاً للدماء وتلذذاً بسماع انين الاطفال والنساء الذين بترت اطرافهم وتقطعت اوصالهم وهم ينزفون ويموتون ببطئ تحت انقاض الابنية المهدمة، انها الجريمة الاخيرة لمدرسة التابعين من جرائم هذا الكيان في غزة؛ للاسف ان من يدعون انهم من العالم المتحضر يشاركون في تزويد هذا النظام بالاسلحة الفتاكة والقنابل المدمرة؛
إن كان هذا الكيان يعتقد أن هذه الجرائم وهذا الظلم سيمر مر الكرام فانهم واهمون، لقد رأينا جرائم مماثلة في التأريخ، ورأينا مصير الظلمة والمعتدين؛
في العصر القديم تمادى فرعون في الغي والظلم فماذا كان مصيره؟؟ لقد اباده الله هو وجنده واورث الله الارض في عهده الى المستضعفين من بني اسرائيل؛
وفي العصور المتوسطة تمادى المغول في جرائمهم واحتلوا كافة اراضي قارة آسيا، ودخلوا بغداد واحالوا مياه دجلة الى اللون الاحمر لكثرة من ذبحوهم من الابرياء، فانهى الله سطوتهم في معركة عين جالوت وانهى دولتهم الظالمة، بل حتى انهى عقيدتهم حين تمكن الاسلام منهم؛
وفي عصرنا الحديث تمادى هتلر واتباعه كما يتمادى اليوم نتنياهو واتباعه، لم يكن يخطر على بال هتلر وهو في اوج انتصاراته مصيره الذي ينتظره هو والمجرمون من اعضاء حكومته!!! إن كان نتنياهو والمجرمون من اعضاء حكومته يعتقدون انهم سيفلتون من العقاب فانهم واهمون؛
وسيكون يوم المظلوم على الظالم اشد من يوم الظالم على المظلوم، وهذا اليوم ليس ببعيد، وسنشهد بأم اعيننا ان اطال الله اعمارنا هذا اليوم بمشيئة الله وارادته
محمد توفيق علاوي
لقاء قناة سامراء حزيران 2023
انهيار الاقتصاد العراقي بشكل حتمي بين خمسة سنوات الى خمسة عشر سنة إن لم ينجح العراق خلال هذه المرحلة المفصلية بالخروج من الاقتصاد الريعي وايجاد بدائل عن النفط، التظاهرات في السنين القادمة ستكون مليونية وليست كتظاهرات تشرين التي لا تتعدى بضع مئات من الآلاف، سوف تضطر الحكومة الى تخفيض الدينار العراقي بعد بضع سنوات بحيث سيبلغ الدولار اكثر من مئة الف دينار وسوف لن يتعدى راتب الموظف الشهري غير بضعة دولارات شهرياً لا تكفيه لاطعام اهله وابنائه، سرقة القرن هي واحدة من السرقات الكبرى التي حصلت وستحصل في المستقبل ولن يتم الكشف عنها ما دامت الكثير من الاحزاب الفاسدة التي تحكم البلد مشاركة فيها، المواطن هو المسؤول الاول عن سرقات الكثير من الاحزاب الحاكمة والفاسدة لأنه متقاعس وموقفه سلبي تجاه الانتخابات ولا يشارك بها الا بنسبة ضئيلة وهذا ما يحقق مصلحة الاحزاب الفاسدة على حساب مصلحة الوطن …..؛
الرأسمالية الريعيّة الأميركيّة في صراعها مع الرأسمالية الانتاجية إلى أين؟

زياد حافظ
ألأخبار
الإثنين 11 نيسان 2022
العمليّة العسكرية الروسيّة في أوكرانيا هي أكثر من مواجهة بين روسيا والحلف الأطلسي ومعه الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. فهي مواجهة بين رأس ماليّتين متنافستَين: رأس مالية إنتاجيّة تقودها مجموعة من الدول وفي طليعتها روسيا والصين، ورأس ماليّة ريعية تقودها الولايات المتحدة ومعها الأطلسيون المسيطرون على حكومات الاتحاد الأوروبي وعلى مؤسّساته إضافة إلى كندا وأستراليا ونيوزيلاندا واليابان. باقي العالم يتفرّج ولم يقبل الاصطفاف وراء الولايات المتحدة في المواجهة مع روسيا.
إذا كان هذا المسار، يُعدّ تحوّلاً كبيراً في موازين القوّة السياسية الدولية، فإنّ التحوّلات في النماذج الاقتصادية المتنافسة تعكس الصراع بين قوى تعتمد الواقع كأساس، وبين قوى لجأت إلى العالم الافتراضي كنموذج لخلق ثروات من لا شيء. واقع الحال هو أنّ الرأسمالية الإنتاجية، تتفوّق بأشواط على الرأسمالية الريعيّة التي أوجدتها الولايات المتحدة منذ السبعينيات عندما وطّنت قاعدتها الصناعية خارج أميركا واعتمدت السياسة النقدية كمفتاح لإنتاج ثروة افتراضية غير مرتبطة بالأداء الاقتصادي العيني؛ الولايات المتحدة المعتمدة على قوّة عسكرية كبيرة، وعلى سيطرتها على شرايين المال في العالم عبر هيمنة الدولار كعملة احتياط أساسية، إن لم تكن الأولى أو حتى الوحيدة، اعتبرت أنّ بإمكانها الاستمرار بإملاءاتها على دول العالم التي تملك الطاقة والموارد الطبيعية، لتأمين رفاهية نخبها المتحكّمة. في المقابل كانت دول كالصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، تعتمد تطوير اقتصاداتها عبر الاستثمار في البنى التحتية وفي القاعدة الإنتاجية سواء في الصناعة أو الزراعة أو الطاقة أو في التكنولوجيا لتأمين رفاهية مواطنيها.
تركّز احتكاري – طفيلي
يرتكز النظام الريعي الذي اعتمدته الولايات المتحدة، على الاحتكارات عموماً، وعلى ثلاثة قطاعات طفيليّة بامتياز: القطاع المالي، القطاع التأميني والقطاع العقاري. من مفارقات الدّهر أنّ الأحرف الأولى باللغة الإنكليزية لهذه القطاعات مجتمعة تعطي مصطلح «فاير» (Finance, Insurance, Real Estate) أي الحريق. ويمكن إضافة شركات التواصل التكنولوجي والمعلوماتي كقوى صاعدة تسيطر على الإعلام الموازي، بينما 90% من الإعلام الشركاتي مملوك من ستة شركات فقط، هي: جنرال ألكتريك، فياكوم، نيوزكورب، ديزني، تايم وارنر، وسي. بي. اس. أما على صعيد شركات الهاتف المحمول، فهناك أربع شركات تسيطر على أكثر من 86% من السوق، وهي: فرايزون، وآ. تي. تي، سبرينت، وتي موبايل.
وبالفعل، هذا النوع من الاقتصاد الريعي والطفيلي، «حرَق» الاقتصاد العيني في الولايات المتحدة عبر التركّز الاحتكاري. فعلى سبيل المثال، يسيطر على القطاع المالي 5 شركات، وهي: ج. ب. مورغان شايز، بنك أوف أميركا، ويلز فارغو، سيتي غروب، ويو. أس بنكورب، علماً بأنّ أربع شركات تسيطر على هذه الشركات الخمس، وهي: بلاك روك، فانغارد غروب، فيدليتي انفستمنتس، ستيت ستريت غلوبال أدفيزرز. أمّا عدد شركات وسائل التواصل الاجتماعي، فلا يتجاوز أصابع اليد، ما يجعلها قادرة على السيطرة على الخطاب العام. فهي تحجب من تريد وتروّج لما تريد. وهناك شعور متزايد، بأنّ الدستور الذي يحمي حرّية التعبير تم تقويضه عبر الرقابة غير الرسمية. معظم هذه الشركات تديرها نخب من الطّيف الليبرالي الذي لا يكترث للرأي المخالف. هنا تقع المعركة الفاصلة للنخب النيوليبرالية الحاكمة التي لا تستطيع مواجهة الجماهير فتلجأ إلى «إلغاء» وجودها الإعلامي. هذه هي إحدى إرهاصات الانحطاط السياسي والأخلاقي المتفاقم في الولايات المتحدة.
ينسحب الأمر على عدد أكبر من القطاعات، مثل صناعة السيارات، النقل والمواصلات، المعلوماتية، وحتى المجمّع العسكري الصناعي يخضع لسيطرة عدد قليل من الشركات الكبرى مثل: لوكهيد مارتن، رايثيون، جنرال ديناميكس، بوينغ، نورثروب غرونمن. غالبية النشاطات الاقتصادية تتحكّم فيها احتكارات مكّنتها سياسات نقدية ومالية، بحجة «تحرير» الاقتصاد من القيود الضابطة (deregulation). والقوّة التي تملكها هذه الشركات، جعلتها المشرّع الفعلي في الكونغرس الأميركي، إذ استطاعت الاحتكارات ترويض النظام السياسي وتحويله إلى أداة تُدير مصالحها، علماً بأنّ الدولة الحديثة في المرحلة الرأسمالية الإنتاجية كانت حريصة على حماية العلاقات الاجتماعية الناتجة عن ملكية وسائل الإنتاج. وفي مراحل الوعي السياسي لحماية النظام الرأسمالي قبلت الدولة أن تتحوّل إلى دولة رفاهية تحمي في الحدّ الأدنى، الطبقات الفقيرة والوسطى عبر برامج إنفاق تؤمّن بعضاً من العدالة الاجتماعية. هذه هي فلسفة الضمان الاجتماعي من وجهة نظر الرأسمالية الإنتاجية.
«المال» هو الإنتاج
ومع تحوّل النظام الرأسمالي الإنتاجي إلى رأسمالية ريعيّة مالية بسبب الخروج من حقبة التصنيع ودخول ما بعد التصنيع، تحوّلت البنية العمّالية في الولايات المتحدة. إذ جرى تفكيك قوّة النقابات العمّالية أيام رونالد ريغان، واستكملها «الديموقراطي» بيل كلنتون من خلال تفكيك القيود الضابطة للنشاط الاقتصادي بشكل عام، والامتناع عن رفع مستوى الأجور الفعلي (وليس الاسمي) ليستمر على ما كان عليه منذ السبعينيات. وساعد في هذا التحوّل، سقوط المنظومة الاشتراكية في مطلع التسعينيات، فلم يعد الضغط الشعبي بنفس قوّة ما كان عليه في الحقبة الصناعية الإنتاجية. ومع تفكيك النقابات والتحوّل السريع إلى اقتصاد خدماتي، لم يعد ممكناً تحديد الحدود الفاصلة بين الطبقة العاملة وملكية وسائل الإنتاج. هذه الملكية أصبحت سائلة وسائبة، فيما أدّى «الابتكار» في صنع ثروات افتراضية، إلى إلغاء مفعول ملكية وسائل الإنتاج، بل تغيّر مفهوم الإنتاج بشكل ملحوظ وأصبح الإنتاج الافتراضي بدلاً من الإنتاج العيني في الصناعة والزراعة. وسيلة «الإنتاج» الأساسية أصبحت المال!
تبلورت أهمية المال في إنتاج الثروة الافتراضية من خلال سياسات نقدية اتّبعها الاحتياط الاتحادي (أي البنك المركزي الأميركي المملوك أصلاً من مصارف تجارية خاصة تملكها شركات وعائلات)، عبر إمداد الشركات بتسهيلات نقدية ساهمت في تفاقم الدين العام مقابل تمكين الشركات من توظيف التسهيلات المالية في شراء أسهمها، ما جعل الأسواق المالية تشتعل ارتفاعاً بمعزل عن الحالة الفعلية للاقتصاد العيني. هكذا حصل الانفصام بين الأسواق المالية والاقتصاد الفعلي، إذ ارتفعت قيمة الأسهم مع ارتفاع معدّلات البطالة وزيادة الفجوات الاقتصادية، غير أنّ كلفة ارتفاع الأسهم لم ترد في وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الشركات المالية المحتكرة. وغرقت أميركا بالدين، إذ إنّ الدين الخاص الذي يشمل دين الشركات والأفراد يتجاوز 38 تريليون دولار مقابل ناتج داخلي لا يتجاوز 23 تريليون دولار، علماً بأن الدين العام يفوق 30 تريليون دولار، أي أنّ مجمل الدين الأميركي يفوق 68 تريليون دولار. كذلك، تجب الإشارة إلى الخسائر المحتملة التي يصعب تقديرها إلاّ بالكودريليون (أي ألف تريليون) لأنّ قسماً كبيراً من التداول في الأسواق المالية مرتبط بالمشتقات المالية والرهانات على مستقبل أسعار الأسهم التي تموّل بالديون الآجلة. ففي حال انهيار الأسواق المالية، وقد يحدث ذلك في أي وقت الآن، فإن الخسائر المحتملة تفوق 4 كوادريليون وستطيح ليس فقط بالأسواق المالية الأميركية، بل أيضاً بالأسواق العالمية المرتبطة بها ولا سيّما في أوروبا الغربية. كارثة محتملة تصبح يوماً بعد يوم أكثر ارتقاباً. لذا، فإنّ سلوك المؤسسات المالية في الولايات المتحدة، ومعها الدوائر الحكومية، يقوم على الهروب إلى الأمام بدلاً من التوقّف وإعادة النظر. هكذا تصبح عوامل الانهيار الداخلي من عالم الواقع الجديد، ولا سيّما في ظل تزايد الانسداد في الأفق الاقتصادي والمالي، وتراجع النفوذ حول العالم، وحالة الإنكار السائدة بين النخب.
الإطار المؤسّسي للريع
خلال التحوّل في بنية النشاط الاقتصادي، نمت ظاهرة التمركز في النشاط. الحصول على «المال» عبر سياسات نقدية بكلفة منخفضة، ساهم في تكوين الاحتكارات التي يُشار إليها في الأدبيات الغربية بوصفها «تمركز». صحيح أنه صدرت في مطلع القرن العشرين تشريعات تحدّ من الاحتكار، وأُنشئت مؤسّسات تراقب النشاطات لتحارب الاحتكارات، لكن في عصر تفكيك القيود الضابطة التي بدأت مع الرئيس رونالد ريغان وبلغت ذروتها مع الرئيس بيل كلنتون، جرى إضعاف سلطات الرقابة، ما عزّز التمركز، وحوّل بعض محاولات كبح الاحتكارات إلى استعراضات إعلامية إرضاء لرأي عام أصابته الريبة. من أشهر الملاحقات، تلك التي استهدفت «مايكروسوفت» في التسعينيات، إذ لم يتم «تفكيك» الاحتكار في برامج تشغيل الحاسوب الذي ما زالت تتمتع به الشركة.
الاحتكار هو الإطار المؤسّسي لجني الريع بسبب التحكم بالعرض أو بالطلب ما يؤمن للمحتكر أرباحاً غير متصلة بالإنتاجية والجودة. والريع الاحتكاري، يكبح الاستثمار في الإبداع والتجديد، إذ لا يمكن أن يتقدّم اقتصاد مبني على الاحتكار الحاصل بل هو يحافظ على امتيازاته عبر التحكّم بالسلطة وبالتشريع، ما يزيد الفجوة بين الطبقة الحاكمة ومموّليها، والشعب. وبالتزامن تظهر التناقضات البنيوية الموجودة في كلّ مجتمع لتصبح تهديداً مباشراً لتماسك المجتمع واستقرار الدولة. ردّ الاحتكار، يأتي عبر المزيد من التسلّط، ونموّ الدولة الأمنية، والرقابة، وثقافة الإلغاء. فعندما يفتقد الخطاب السياسي والاقتصادي شرعيته يصبح خطاباً إلغائياً إلى أن ينفجر الوضع. هذه هي الخطوط العريضة للمشهد الداخلي الأميركي وإلى حدّ كبير المشهد الغربي الذي تحكمه الرأسمالية الريعية المالية.
تكنولوجيا في خدمة «التمركز»
لعبت الثورة التكنولوجية في المعلومات والتواصل والاحتساب، دوراً في تمكين الاحتكارات. قطاعات واسعة من شبكات التوزيع التجاري بالجملة والمفرق، أصبحت مملوكة من شركات قليلة مثل «أمازون». وأصبح الشراء عبر الإنترنت بديلاً من المتاجر في الأسواق، ما يعني أنّ القدرة على توفير شرايين التوزيع كالمستودعات ووسائل النقل البرّية والجوّية ساهم في قتل المتجر الذي أصبح تحت رحمة من يملك وسائل النقل. وأسهم اختفاء المؤسّسات الصغيرة والوسطى في تقلّص الطبقة الوسطى ما زاد الفجوة بين القلّة المحتكرة وسائر الطبقات، فضلاً عن اختفاء صمّام الأمان للاستقرار المجتمعي والتماسك الداخلي. ومع صعود الدولة الأمنية وتفشّي وسائل الرقابة التكنولوجية وثقافة الإقصاء والإلغاء، أصبح التناقض الداخلي سمة الخطاب والحراك الداخلي السياسي.
ظاهرة «أمازون» مهمة لسبب آخر، وهي العلاقة الوثيقة بين المنظومة الاحتكارية، والإعلام الشركاتي والدولة الأمنية. فالمؤسّس جيمس باسوس، اشترى صحيفة «واشنطن بوست». كذلك، فازت الشركة بعقود تجارية مع وكالة الاستخبارات المركزية بقيمة أكثر من 600 مليون دولار لتسهيل تخزين معلومات الوكالة في الـ cloud. وتحوّلت الصحيفة إلى وسيلة «التسريب» المفضّلة للوكالة بشكل منفصل عن مصالح الإدارة التي تعمل تحت رعايتها. التلازم بين الاحتكار والدولة بشكلها الأمني والإعلامي، يجعل الرأي الآخر أو الاعتراضي أمراً صعباً إن لم يكن مستحيلاً، فقد باتت السردية الرسمية هي التي يروّج لها الإعلام الشركاتي وهي غير قابلة للنقاش. هكذا يتم الترويج للحروب وللمغامرات العسكرية.
نحو التصادم الداخلي
لا تستطيع الرأسمالية الريعية، أن تصمد مقابل الرأسمالية الإنتاجية. فهذه الأخيرة تتفوّق في بناء طبقات من القيمة المضافة على إنتاج السلع والخدمات وتموّل البحوث والإبداع. والاحتكار في الرأسمالية الإنتاجية، يخضع لرقابة الدولة كما هو في الصين وروسيا والهند. فالتمازج بين الدولة المركزية القوية التي توجّه الاقتصاد، وبين مقتضيات السوق التنافسية، أسهم في نهضة اقتصادات وازنة في الاقتصاد العالمي مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل (الأسواق الاستهلاكية الكبرى). الرأسمالية الريعيّة المالية في الولايات المتحدة تعتبر أنّ أهم سلاح لديها في تثبيت نموذجها الاقتصادي حول العالم، هو مكانة الدولار كعملة احتياط أساسية إن لم تكن الوحيدة في العالم. لكن العالم يتغيّر. التسعير في التبادلات التجارية ولا سيّما النفط والغاز والمعادن الثمينة لم يعد حكراً للدولار. إقدام روسيا على تسعير الغاز بالروبل واليوان والروبية شكّل ضربة قاضية على الدولار واليورو. هذا لا يعني نهاية الدولار، بل تراجعاً كبيراً في دوره، بل يُنهي قوامته ويقلّص النفوذ الأميركي. فعندما تحجم الدول عن التعامل بالدولار، ينخفض الطلب عليه وتضعف إمكانية طباعته من أجل تمويل العجز في الموازنة الأميركية. فالدول التي تحمل الدولار كعملة احتياط، كانت توظّف احتياطاتها في سندات الخزينة الأميركية، وبالتالي فإنّ أميركا لن تجد من يحمل سندات الخزينة، ما يعني تقليص نفقاتها على حساب الضمان الاجتماعي والنفقات الاجتماعية. ستحافظ النخب الحاكمة على الإنفاق في الدفاع وسائر المؤسسات الأمنية والعسكرية، ما يجعل الصراع مع شرائح واسعة من المجتمع الأميركي أمراً لا مفرّ منه. هذا هو مستقبل الرأسمالية الريعية المالية، أي التصادم الداخلي مع مكوّنات المجتمع.
*باحث وكاتب اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي وعضو الهيئة التأسيسية للمنتدى الاقتصادي والاجتماعي في لبنان