الحقيقة التي يجهلها الكثير بشأن تغيير موقف ام المؤمنين عائشة من الإمام علي (ع) قبل وفاتها

صورة الجمل ٢

لقد نشرت موضوعاً تحت عنوان {الغدير باباً لتوحيد كلمة المسلمين وجمع شملهم} واكتشفت حسب التقنيات الجديدة ان اكثر من 80٪ من المعلقين لم يقرؤا المقال حتى نهايته، لذلك قررت ان اعيد كتابة المقال تحت عنوان آخر، فهناك القليل من الناس ممن يعرفون الموقف الحقيقي لأم المؤمنين عائشة من الامام علي (ع) قبل وفاتها، وقد اكد هذا الموقف واحداً من اهم علماء الشيعة وهو الشيخ الصدوق صاحب كتاب (من لا يحضره الفقيه) كما هو ضاهر ادناه في المقال، حيث لم يحض أي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله الميامين وصحبه  المنتجبين كما حضي حديث الغدير من إجماع المسلمين وبدرجة غير مسبوقة من التواتر منذ اليوم الأول لبعثة رسول الله (ص) في السنة الثالثة عشر قبل الهجرة  حتى يوم وفاته في السنة الحادية عشر للهجرة.

والسبب في ذلك أن عدد المسلمين الذين استمعوا إلى خطبة الغدير وحديث الغدير قد تجاوز عددهم المئة الف مسلم كانوا قد حجوا مع رسول الله (ص) حجة الوداع وقبل تفرقهم في الجحفة عند غدير خم، امر رسول الله (ص) بالصلاة جامعة، ثم القى فيهم رسول الله (ص) خطبةً سميت بخطبة الوداع أو خطبة الغدير ومما جاء فيها : إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا، الثقل الاكبر كتاب الله طرف بيد الله وطرف بأيديكم، والثقل الاصغر عترتي اهل بيتي فإن العليم الخبير أنبأني انهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا. ثم اخذ بيد علي ابن ابي طالب عليه السلام فرفعها حتى بان بياض ابطيهما، ثم قال : الست اولى بكم من انفسكم؟ قالوا : بلى يا رسول الله،  قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره  ، واخذل من خذله. فانزل الله في قوله تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَ‌ضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).

 لقد أجمع المسلمون أن أصح احاديث الرسول (ص) هو ما تواتر عنه ونقله جملة من الصحابة والتابعين بحيث سيكون من الاستحالة اجتماعهم على الكذب، واقل حد للتواتر هو اربعة والبعض جعله عشرة من الرواة. وأما إذا كان عدد الرواة عشرين او ثلاثين او اربعين، فلا يمكن ان يتطرق الشك الى صحة الحديث، والاحاديث التي ينوء عدد رواتها عن اربعين راوياً هي احاديث نادرة جداً. ولكننا نجد ان عدد رواة حديث الغدير عما وصلنا ينوء عن المئة وعشرة صحابياً مما جمعه السيد الاميني في موسوعته الغدير ويقول ان العدد الحقيقي قد يفوق هذا العدد بكثير (1) ، اما من التابعين فقد جمع السيد الاميني اربعة وثمانون تابعياً (2)، اما طبقات الرواة من العلماء فإن عددهم ينوء عن الثلاثمئة وستون عالماً (3)، كالبخاري صاحب الصحيح في تأريخه (4) ومسلم في صحيحه حيث يذكر الجزء الاول من الحديث (حديث الثقلين) (5) والنسائي في صحيحه وابن ماجة في سننه والترمذي في صحيحه وآخرين (6). ويمكننا القول بكل ثقة ان هذا الحديث هو اصح حديث على الاطلاق ورد عن رسول الله (ص).

ولكن الخلاف بين الشيعة والسنة في معنى الحديث وتفسيره وليس في صحته.

انقسم المسلمون إلى اربعة فرق برزت بشكل واضح في خلافة علي ابن ابي طالب عليه السلام:

 ١) شيعة علي (ع) الذين غدو جيشه وقاتلوا معه.

 ٢) أهل السنة من الصحابة الذين تولوا الخلافة بعد الرسول (ص) ثم قاتل بعضهم علياً (ع) في معركة الجمل بقيادة عائشة ام المؤمنين وطلحة والزبير.

٣) الشجرة الملعونة (شجرة بني امية) بالنص القرآني كما تواتر عن العشرات من المفسرين واصحاب الحديث (7) الذين كان يرأسهم ابو سفيان الذي اسلم مرغماً وابنه معاوية امير الفئة الباغية (8) الذي امر رسول الله (ص) بقتله ان رأوه علي منبره (9) وحفيده يزيد الذي رفع لواء الاخذ بثارات اجداده في بدر فانتقم بقتل حفيد الرسول الحسين (ع) (10).

٤) الخوارج الذين قاتلوا علياً (ع) في النهروان ثم قاموا بقتله عليه السلام وهو قائم يصلي.

لقد استدل الشيعة على احقية علي (ع) بالخلافة استنادا على هذا الحديث، وزعموا أن الخلفاء أبا بكر وعمر قد اجتهدوا في موقع النص في توليهم للخلافة، اما اهل السنة فزعموا أن المقصود من حديث الغدير هو وجوب محبة علي ابن ابي طالب (ع)، ومهما كان التفسير فنجد انه مع وجود بعض الخلافات بين علي (ع) وابا بكر وعمر وعثمان، ولكن التعاون بين الطرفين كان عظيماً قبال معسكر النفاق، حيث جاء أبو سفيان بعد مبايعة ابا بكر إلى علي أبن أبي طالب (ع) قائلاً : {وليتم على هذا الأمر أذل بيت في قريش، أما والله لئن شئت لأملأنها على أبي فصيل خيلاً ورجلاً}، فقال علي عليه السلام: {طالما غششت الإسلام وأهله، فما ضررتهم شيئاً، لا حاجة لنا إلى خيلك ورجلك}؛ وقد كان علي أبن أبي طالب (ع) خلال خلافة أبو بكر وعمر وعثمان ناصحاً لهم  مشيراً عليهم ما فيه مصلحة الإسلام ومثبتاً حقائق الإسلام وموجهاً لهم للسير على منهجه، حتى قال بحقه عمر بن الخطاب ثلاث مقولات مشهورة (لولا علي لهلك عمر) وقال (لا أبقاني ألله لمعضلةٍ ليس لها أبا حسنٍ) وقال (لا أبقاني ألله بأرض لست فيها يا أبا الحسن)؛ لقد قال عمر هذه المقولات بسبب المواقف ألمميزة للإمام علي (ع) لتقديم النصح للخليفة والحفاظ على هذه الدولة الفتية وحل الإشكالات التي يقع فيها الخليفة.

ومع إن أم المؤمنين عائشة قاتلت معسكر علي (ع) في حرب الجمل ولكنها حينما اكتشفت أن امر الاسلام قد آل إلى المنافقين وإن معاوية قد شرع سب اهل بيت النبوة بعد اغتياله للإمام الحسن واجهت هذا المخطط وواجهت معاوية بذكر فضائل الإمام علي (ع) واهل بيت النبوة، كما جاء عنها في حديث مسلم حين اثبتت ان قوله تعالى {إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} قد نزلت بحق أهل الكساء الخمسة وهم رسول الله (ص) وعلي (ع) وفاطمة (ع) والحسن (ع) والحسين (ع) (11). ومدحت فاطمة (ع) بأفضل مديح مشبهة اياها برسول الله (ص) حين قالت:  : ( مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَاطِمَةَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهَا ، كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَبَّلَهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إِلَيْهِ، فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ، وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِها) (12).

وقالت في خلافها مع علي (ع) : والله ما كان بيني وبين علي في القدم إلا ما يكون بين المرأة واحمائها، وإنه عندي على معتبتي من الاخيار (13).

إن بعض الشيعة قد ينالون من ام المؤمنين عائشة بسبب موقفها من الإمام علي (ع) في حرب الجمل وموقفها من دفن الامام الحسن (ع) ولكنهم يجهلون انها في آخر عمرها حينما استذكرت عشرات الاحاديث بحق علي ابن ابي طالب (ع) كمقولة الرسول (ص): (يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) (14)، وحديث الغدير، وحديث كلاب الحوأب وغيرها من الاحاديث وما فعلته في إعلانها الحرب على علي (ع) في حرب الجمل ندمت ندماً يعجز عن وصفه القلم ووصفته هي حين اوضحته في قولها لما انبها مؤنب فيما أتته قالت: ( قضى القضاء وجفت الأقلام والله لو كان لي من رسول الله عشرون ذكرا كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فثكلتهم بموت وقتل كان أيسر علي من خروجي على علي ومسعاي التي سعيت فإلى الله أشكو لا إلى غيره). وإن هذه الواقعة قد نقلها الشيخ الصدوق في علل الشرائع (15). بل كان ندمها أشد قبل موتها حين قالت: والذي نفسي بيده لوددت اني كنت نسياً منسيا وقولها في موقع آخر: ياليتني كنت نباتاً من نبات الارض ولم اكن شيئاً مذكورا (16). بل انها رفضت ان تدفن في بيتها قرب رسول الله (ص) ندماً على ما فعلت في حرب الجمل وخجلاً من رسول الله (ص). إن اول شرط من شروط التوبة هو الندم، وإن الامور تقيّم بخواتيمها.

بل انها توجت موقفها في رعايتها وتنشئتها وتعلقها بأبناء اخيها محمد بن ابي بكر الذي كان من اشد المشايعين لعلي ابن ابي طالب (ع) وبالذات ولده القاسم، وكان من ثمرة هذه الرعاية والتنشئة أنه كان للقاسم  ابنة غدت والدة الإمام جعفر الصادق (ع) وهي ام فروة  بنت القاسم بن محمد بن ابي بكر، ولذلك قال الإمام  الصادق (ع) مقولته المشهورة (اولدني ابو بكر مرتين) حيث كانت جدة الإمام الصادق (ع) من امه اسماء بنت عبد الرحمن بن ابو بكر.

وهكذا نرى ان شيعة علي (ع) والسنة من الصحابة المقربين لرسول الله (ص) قد نسوا خلافاتهم حينما واجهوا اعداءهم من المنافقين وتآلفوا وتعاونوا  لرد المخططات المعادية للإسلام في صدر الاسلام، وهكذا فالتأريخ يعيد نفسه، فشيعة علي (ع) اليوم هم ورثة شيعته السابقين، والسنة اليوم هم ورثة السنة السابقين، أما أعداءهم من امثال داعش ومن على شاكلتهم فإنهم ورثة اعداء الإسلام من المنافقين والخوارج في آن واحد. تراهم يقطعون الرؤوس ويذبحون مناوئيهم مثلهم الأعلى يزيد ابن معاوية وشيعته حين ذبحوا الحسين (ع) وأهل بيته ورفعوا رؤوسهم على الأسنة،  وإنهم ورثة الخوارج على لسان رسول الله (ص)  حين يقول في حديث متواتر: ( سيخرج قوم في آخر الزمان يقرأون القرآن فلا يجاوز تراقيهم، يحسنون القول ويسيئون الفعل، يحقر احدكم صلاته الى صلاتهم وصيامه الى صيامهم، يقتلون اهل الاسلام ويدعون اهل الاوثان، يمرقون من الدين مرق السهم من الرمية، والله لإن ادركتهم لأقلتنهم قتل عاد وثمود، طوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه ).

فليكن الغدير وذكرى الغدير منهج المسلمين جميعاً في حب اهل البيت والتآخي والتآلف والوقوف بوجه اعداء الاسلام كما كان أهل بيت النبوة عليهم السلام في تآخيهم مع الكثير من الصحابة وامهات المؤمنين وبالذات ام المؤمنين عائشة  التي ما لبثت أن تناست حربها مع علي (ع) حين وجدت ان عدوهم المشترك هم المنافقون، هم الفئة الباغية بل هم الشجرة الملعونة…….

  1. http://gadir.free.fr/Ar/imamali/k/book20/5.htm
  2. http://gadir.free.fr/Ar/imamali/k/book20/6.htm
  3. http://gadir.free.fr/Ar/imamali/k/book20/7.htm
  4. تأريخ البخاري ج 1 ص (375) – ج 4 ص (193)
  5. صحيح مسلم باب فضائل علي ابن ابي طالب حديث رقم (2408)
  6. كالحاكم النيسابوري في المستدرك والمتقي الهندي في كنز العمال واحمد ابن حنبل في مسنده وابو يعلي وابو نعيم والبيهقي وابن حبان والدارقطني والبزار وابن الاثير في صحاحهم وسننهم ومسانيدهم وآخرين كالطبري والبغدادي وابن قتيبة والشافعي والبغوي والطحاوي والسجستاني والذهبي والزمخشري والباقلاني والرازي وابن الجوزي وابن خلدون والسيوطي والشوكاني وغيرهم كثير
  7. راجع الدر المنثور للسيوطي في تفسير الشجرة الملعونة وتاريخ الطبري ج8 صفحة 185
  8. البخاري حديث رقم 447
  9. راجع الذهبي ميزان الاعتدال ج 1 صفحة 571
  10. البداية والنهاية لأبن كثير صفحة 3049
  11. صحيح مسلم حديث رقم 2424
  12. صحيح الترمذي حديث رقم (3872) وصحيح ابو داوود حديث رقم (5217)
  13. تاريخ الطبري ج 3 ص 60
  14. صحيح مسلم حديث رقم (2682)
  15. علل الشرائع للشيخ الصدوق صفحة (222)
  16. الطبقات الكبرى لابن سعد صفحة (1405)

تآمر امريكي وراء جلب المالكي لرئاسة الوزراء

تآمر امريكي وراء جلب المالكي لرئاسة الوزراء

الأحد، 21 حزيران، 2015

(الكلمة الكاملة لوزير الاتصالات السابق محمد توفيق علاوي ولكن لم يتم إلقاء غير الجزء الأخير وبالذات منهج السيد السيستاني وموقفه من الحكومة المدنية في مؤتمر – نحو ديمقراطية توافقية في العالم العربي – بتاريخ ١٥ – ١٦ حزيران ٢٠١٥ في بيروت بإشراف مركز القدس للدراسات السياسية والمنظمة التونسية منتدى الجاحظ)

من مراجعة ما مر به عالمنا العربي من توجهات سياسية مختلفة ومناهج فكرية متباينة ونزاعات دينية وطائفية وأوضاع سياسية مضطربة منذ نهاية القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا يقودنا إلى التوصل إلى الحل الأمثل لواقعنا وذلك بقيام دولة مدنية تتمتع بالمواصفات التالية:

في الجانب السياسي: نظام ديمقراطي فيه إنتخابات حرة ومجلس للنواب يتمتع بالسلطات التشريعية العليا في البلد، وتستمد السلطة التنفيذية سلطاتها من الشعب سواء بطريقة مباشرة او غير مباشرة.

في الجانب الإقتصادي: نظام إقتصادي يتمتع بدرجة عالية من الحرية مع منع الإحتكار (خلاف الرأسمالية) وإعطاء فرص متساوية للمستثمرين مع توفير الضمان الإجتماعي والضمان الصحي وفرض التعليم المجاني.

في الجانب الإجتماعي: يتمتع افراد المجتمع بالمساوات وحرية الرأي وحرية التعبير وحرية الإعتقاد وكافة مفردات حقوق الإنسان وكافة مفردات الحرية الشخصية ولكن ضمن منظومة قيم خلقية تخضع للقيم والمعتقدات الدينية والعرف الإجتماعي والتأريخي من العلاقات العائلية والقبلية بما لا يتعارض مع المساوات بين كافة افراد المجتمع او التمييز فيما بينهم.

إن تحقق مفردات هذه الدولة هي حلم أغلب شعوب المنطقة ماخلا فئة تمثل الأقلية من السياسيين والمؤدلجين الذين تتجاذبهم تيارات فكرية متباينة والتي كانت ولا زالت حائلاً دون الوصول إلى تحقيق ما تصبو إليه هذه المجتمعات من نظام دولة مدنية تحقق طموحات اغلب مواطني بلداننا العربية.

أما التيارات التي تتجاذب السياسيين والمؤدلجين في عالمنا العربي منذ قرن من الزمان حتى يومنا هذا فهي اربعة تيارات اساسية خلال القرن السابق حتى يومنا هذا:

١ – التيارات القومية

٢ – التيارات اليسارية

٣ – التيارات الليبرالية

٤ – التيارات الإسلامية

فضلاً عن هذه التيارات الأربعة فهناك للأسف تيار عام مشترك بدأ يستفحل منذ الثمانينات من القرن الماضي وهو تيار الفساد وهو الإستئثار بموارد الدولة لأشخاص معدودين من الطبقة الحاكمة وطبقة من المستفيدين حولهم على حساب المصلحة العامة للمواطنين.

التيارات القومية: القومية عبارة عن رابطة لغوية وتاريخية وجغرافية، ولا تمتلك القومية فكراً أو منهجاً سياسياً أو نظاماً إقتصادياً، برزت المشاعر القومية في فترة خمسينات القرن الماضي بعد تحرر مجموعة من الدول العربية من الهيمنة الإستعمارية وقيام ثورات ضد الأنظمة الملكية، وقد تأججت هذه المشاعر خلال فترة العدوان الثلاثي على مصر، في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وقد برزت بشكل موازي أفكار حزب البعث العربي الإشتراكي ووصلوا إلى السلطة في دولتين عربيتين هما سوريا والعراق، وقد تبنى حزب البعث النظام الإشتراكي كنظام إقتصادي.

لقد فشل التيار القومي فشلاً ذريعاً في إنشاء دولة مدنية وبالذات بعد التدهور الإقتصادي في مصر بسبب سياسة التأميم، ومن ثم الفشل العسكري وإستنزاف موارد الدولة في الدفاع عن نظام عبد الله السلال في اليمن، وإنتهاءً بنكسة خمسة حزيران عام ١٩٦٧. أما نظام حزب البعث فأنتهى إلى قيام أنظمة دكتاتورية في كل من العراق وسوريا، وكانت الإنجازات هي نقيض الشعارات المرفوعة، فشعار الوحدة قابله العداء المستحكم بين سوريا والعراق الدولتين الوحيدتين اللتين تتبنيان منهج حزب البعث، فضلاً عن إحتلال دولة عربية وهي الكويت من قبل العراق تحت ضل حكم حزب البعث.

التيارات اليسارية: برزت التيارات اليسارية وبالذات فكر الحزب الشيوعي في ثلاثينات القرن الماضي، للفكر الشيوعي نظام متكامل على المستوى العقائدي والإقتصادي والإجتماعي والسياسي، نجح هذا الفكر في إستقطاب تعاطف جماهيري لكونه يمثل المعسكر الشرقي عدو المعسكر الغربي الذي كانت تعاديه دول المنطقة بسبب السياسات الإستعمارية، لم تكن له تجربة على ارض الواقع غير اليمن الجنوبي، هذا الفكر غير ملائم لدول المنطقة التي تعتنق الإسلام بسبب الفكر الإلحادي للشيوعية، فضلاً عن تناقض هذا الفكر مع الفطرة البشرية، وقد إندحرت هذه التجربة بعد فشلها في الإتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية والصين. ولكن تم تبني الأفكار الإشتراكية والتأميم في بعض الدول ولفترات محددة، ولكن آيضاً فشلت هذه السياسة.

التيارات الليبرالية: لا توجد دولة عربية تطبق الفلسفة الليبرالية في الجانب الفكري والسياسي والإجتماعي كما هو موجود في الغرب، ولكن إذا كانت هنالك دولة قريبة من تبني الفلسفة الليبرالية فهي لبنان، قد نستطيع إطلاق مفهوم الليبرالية على مجموعة من الدول العربية وبالذات في الجانب الإقتصادي ولكن مع وجود محددين، محدد على مستوى الحكم ومحدد إجتماعي.

أما على المستوى الإجتماعي فهناك مجموعة من القيم الإجتماعية أغلبها ذات أبعاد دينية وتقاليد إجتماعية وعشائرية؛ المحدد الآخر على مستوى نظام الحكم ما يصطلح عليه في الغرب (Autocrat) لا توجد له كلمة مرادفة باللغة العربية، وأقرب كلمة هي الإستبداد. ولكن لا يمكن إطلاق هذا التعبير (الإستبداد) إلا على أنظمة من مثال نظام بورقيبة او زين العابدين في تونس او علي عبد الله صالح اوحتى حسني مبارك، ولكن لا يمكن إطلاقه على نظام الحكم اليوم في المغرب العربي او الكويت او دولة الإمارات العربية المتحدة أو عمان أو الأردن بل يمكن تعريفه (بنظام يتمتع فيه الحاكم غير المنتخب بسلطات كبيرة) هذه الأنظمة هي أقربها للدولة المدنية المثلى لعالمنا العربي.

التيار الإسلامي: هناك اربعة تيارات إسلامية للحكم فاعلة في عالمنا العربي؛

تيار سني يتمثل بمدرسة سيد قطب

تيار سلفي يتمثل بمدرسة ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب

تيار يجمع بين المدرستين، مدرسة سيد قطب ومدرسة ابن تيمية وابن عبد الوهاب

تيار شيعي يتمثل بمدرسة السيد السيستاني

قبل مناقشة هذه التيارات لا بد من تثبيت ثلاثة حقائق مهمة بالنسبة لنظام الحكم في الإسلام

الأول: إن ألإسلام لا يدخل في تفاصيل نظام ومنهج الحكم بل يضع الإطار فحسب ولذلك إعتمد الإسلاميون على تجارب الدولة الإسلامية بعد رسول الله (ص)، فالحاكم في عهد فترة الخلافة الراشدة وهي افضل فترة حكم إسلامي كان هو الحاكم المطلق، وكان يحكم طوال عمره، وهذا لا يمثل المنهج الإسلامي في الحكم، فلا يمنع الإسلام من الإستفادة من تطور الفكر البشري في مجال الحكم، فعلى سبيل المثال نجد أن نظام الحكم في الجمهورية الإسلامية في أيران وهو حكم إسلامي حتى الصميم ولكن بمنظار شيعي؛ وبغض النظر عن مبدأ ولاية الفقيه وهي قضية خلافية حتى في الفكر الشيعي، ولكننا نجد أن مؤسس نظام الجمهورية الإسلامية في أيران السيد الخميني تبنى صيغة الجمهورية؛ رئيس جمهورية منتخب لفترة محددة من الزمن، ووزراء يمثلون الحكومة، ومجلس للنواب المنتخبين.

الثاني: يعتقد الإسلاميون إن الإسلام يتعارض مع النظام الإنتخابي، فإذا ما وصل الحزب الإسلامي للحكم، فلا يسمح بفتح المجال للرجوع إلى الإنتخابات بحيث هناك إمكانية لمجيء حزب لا إسلامي إلى الحكم، هذا ما يستدل به من أدبيات الإخوان وأغلب الأحزاب الإسلامية، وقد صرح به بشكل علني عباس مدني رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد فوزهم في الإنتخابات عام ١٩٩١ في الجزائر، ولكن واقع الإسلام علي النقيض فمبدأ الشورى في الإسلام يسمح بتولي الحاكم متى ما نال تأييد المواطنين سواء كان إسلامياً أم لم يكن. (هذا يحتاج إلى بحث مطول سنتطرق إلى جزء منه في الفقرة التالية)

الثالث: هناك تصور أنه لا يجوز أن يكون هناك مجلس للنواب يشرع القوانين، وفي الحقيقة هذا جهل بدور مجلس النواب، فهو لا يشرع قوانين الأحوال المدنية والتي يمكن أن لا تتعارض مع ثوابت الإسلام والشريعة الإسلامية إستناداً للدستور.

إن الرسول (ص) حينما تصدى للحكم لم ينطلق من مبدأ التعيين الإلهي فحسب مع كونه رسولاً مبعوثاً من الله سبحانه وتعالى، فعندما أراد إنشاء فئة مقاتلة تدافع عنه وعن الشريعة الإسلامية أخذ البيعة من أهل المدينة على ذلك بما سمي ببيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية من الأنصار قبل هجرته من مكة للمدينة، وعندما أراد الله إنزال التشريعات التي تتضمن الحدود أمر رسوله (ص) بأخذ البيعة مرة أخرى فيما سمي ببيعة الشجرة او بيعة الرضوان، هذا الأمر يحتاج إلى دراسات أعمق، حيث لم يبذل الإسلاميون الجهد المطلوب لدراسة البيعات التي حصلت في حياة الرسول (ص).

١. تيار سيد قطب: لقد إستلهم سيد قطب أفكاره في الحاكمية من المفكر الهندي أبو الأعلي المودودي وبالذات كتابه (الحكومة الإسلامية)، وأستند المودودي ومن بعده السيد قطب على مجموعة من الآيات القرآنية في كفر الحكام المسلمين ممن لا يحكم بما أنزل الله وبالذات قوله تعالى في سورة المائدة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فؤلائك هم الكافرون)، ومن هذا المنطلق حكموا بجاهلية المجتمعات الإسلامية وكفرهم، طبعاً هذا التفسير يدل علي الجهل بمدلولات اللغة العربية، والجهل بتفسير آيات الكتاب خلاف فهم السلف الصالح، فإستخدام كلمة (الحكم) في ذلك العصر بل في كل آيات الكتاب جاءت بمعنى (القضاء) من قبل الله او الإنسان او حتى الكتاب أو (القدرة على القضاء) وليس إدارة الدولة وحكمها كألملك او رئيس الجمهورية او رئيس الوزراء كما في يومنا الحالي.

(بحث إسلامي قرآني فيما ذهبنا إليه أعلاه للإطلاع من قبل المهتمين بهذا الشأن)

حيث جاء في قوله تعالى {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في انفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما}(سورة النساء آية 65)، وقوله تعالى {يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم}(سورة آل عمران آية23)، وقوله تعالى {ولن ابرح الأرض حتى يأذن لي ابي أو يحكم الله }(سورة يوسف آية80)، وقوله تعالى {وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث}(سورة الأنبياء آية78)، وقوله تعالى {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله}(سورة المائدة آية43)، وقوله تعالى {وآتيناه الحكم صبياً}(سورة مريم آية12)، وقوله تعالى {وكذلك أنزلناه حكماً عربياً}(سورة الرعد آية37)، وقوله تعالى {ففرت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً}(سورة الشعراء آية21)، وقوله تعالى {إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين}(سورة الأنبياء آية78) وغيرها من الآيات المشابهة.

أما الحكم بالمعنى المعاصر كالملك أو رئيس الجمهورية أو ما شابه فإن القرآن قد عرفه بـ (الملك) أو (ولي الأمر) أو (تولى) أو (له الأمر) أو ما شابه، وذلك في قوله تعالى {إني وجدت إمرأةً تملكهم}(سورة النمل آية23)، وفي قوله تعالى {إن ألله قد بعث لكم طالوت ملكاً}(سورة البقرة آية247)، في قوله تعالى {والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين}(سورة النمل آية33)، في قوله تعالى {ولو ردوه إلى الرسول وإلى إولي ألأمر منهم}(سورة النساء آية83)، وفي قوله تعالى {أطيعوا ألله واطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}(سورة النساء آية59)، وفي قوله تعالى {وشاورهم في الأمر}(سورة آل عمران آية159)، وفي قوله تعالى {وأمرهم شورى بينهم}(سورة الشورى آية38)،، في قوله تعالى {ياأيها الملأ أفتوني في أمري}(سورة النمل آية32). في قوله تعالى {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل}(سورة البقرة آية205).

بل جاءت هذه الآية(ومن لم يحكم بما أنزل الله) والآيات الأخرى المشابهة في سياقها بحق اليهود والنصاى كما ورد عن البراء بن عازب وحذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو رجاء العطاردي وعكرمة وعبيد الله بن عبد الله والحسن البصري، وكما هو واضح من الآيات الثلاث بهذا الشأن التي جاءت متوالية في سورة المائدة في قوله تعالى {إنا أنزلنا التورىة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربنيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس وأخشون ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}(سورة المائدة آية44) وقوله تعالى {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بألنفس والعين بألعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}(سورة المائدة آية45) وقوله تعالى {وقفينا على آثارهم بعيسى أبن مريم مصدقاً لما بين يديه من التورىة وهدى وموعظة للمتقين* وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}(سورة المائدة آية 46-47).

بل إن الأمر مع كل ما ذكرنا أشد من ذلك، فإن الآية لو أخذناها بالمعنى العام من دون تخصيص بحق أهل الكتاب، فحتى الحاكم (القاضي) المسلم الذي لا يحكم (يقضي) بما أنزل الله فإن كفره هنا مجازي وليس حقيقي كما ورد بشكل واضح عن السلف الصالح، فيقول ابن عباس في تفسير هذه الآية من سورة المائدة بأنه (ليسس بالكفر الذي يذهبون إليه) وروى ابن جرير عن ابن عباس بأن من أقر ولم يحكم بما أنزل الله فهو ظالم وفاسق وليس بكافر كالجاحد بما أنزل الله وقال ابن طاووس بأن الكفر هنا ليس كالكفر الحقيقي كمن (يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله) ونقل عن وكيع عن طاوس بأنه (ليس بكفر ينقل عن الملة) (يمكن مراجعة تفسير ابن كثير بهذا الشأن).

٢. التيار السلفي: لا نريد ان ندخل في تفاصيل التيار السلفي الذي يبيح دماء المسلمين ممن يختلفون معه في الرأي مما شاهدناه من سلوكياتهم في التأريخ الماضي والمعاصر، ولكن هناك تساؤل كبير، لماذا إستشرى هذا الفكر على هذا المستوى الواسع في كافة بقاع الأرض فنجد أنه لا تخلو بقعة من بقاع الأرض ممن يحملون هذا الفكر ويتبنونه مع العالم ؟؟؟

الجواب: أن المسؤول الأول عن إنتشار هذا الفكر على هذا المستوى الواسع هو المؤسسة الدينية في المملكة العربية السعودية، وهنا أؤكد إن العائلة الحاكمة في السعودية كانت تجهل ما كان يطبخ على نار هادئة من قبل هذه المؤسسة خلال فترة تجاوزت الخمسين عاماً بحيث فقدت هذه المؤسسة السيطرة على هذا التيار الذي إنقلب على النظام السعودي ودعى إلى إسقاطه بل إنقلب حتى على المؤسسة الدينية في السعودية وحكم بكفر مشايخهم بسبب وقوفهم إلى جانب العائلة السعودية الحاكمة.

إن كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب يدرس في كافة المراحل الإبتدائية والمتوسطة والثانوية وهو يكفر جميع المسلمين ممن لا يعتقدون بعقائد إبن تيمية وإبن عبد الوهاب ويستبيح دماءهم، ولذلك نجد أن خمسة عشر من أصل تسعة عشر من الإنتحاريين الذين فجروا مركز التجارة في نيويورك هم من السعوديين.

لقد قامت المؤسسة الدينية في السعودية بإقتراح من أبو الأعلى المودودي بإنشاء الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة عام ١٩٦٣ وأن نسبة الطلاب غير السعوديين تبلغ اكثر من ثمانين بالمئة، وإن السعودية في كل عام تعطي منح لحوالي ثمانية آلاف طالب لدراسة الدراسات الوهابية التكفيرية في الجامعات السعودية من غير السعوديين من مختلف بقاع الأرض، بل إن ضعف هذا العدد هم من المنتسبين من خلال مناهج الدراسات من بعد، لقد تخرج من الجامعات السعودية خلال فترة الخمسين عاماً ما يقارب النصف مليون طالب ممن يعتقدون بالعقائد التكفيرية، بل قامت المؤسسة الدينية في السعودية بالطلب من الحكومة السعودية ببناء عشرات الآلاف من المساجد في كافة بقاع الأرض وكانت تعين فيها أئمة من الوهابيين من خريجي الجامعات السعودية، لقد أعلنت الحكومة السعودية إنها صرفت مبلغ ٢٧ مليار دولار لنشر الثقافة السلفية خلال بضعة سنوات من حكم الملك فهد، ولوإستندنا إلى هذا الرقم فنجد أنها صرفت أكثر من ثمانين مليار دولار منذ أوائل الثمانينات حتى يومنا هذا لنشر الفكر السلفي الذي غدا نواةً للفكر التكفيري، لذلك فمن الطبيعي أن تجد القاعدة وداعش الملايين من المسلمين المتعاطفين معها من خريجي هذه الجامعات او ممن اتبعوا أئمة المساجد من الوهابيين في مختلف بقاع الأرض. وأن ينتشر أمرهم في كافة بقاع الأرض من اليمن ومصر وليبيا والجزائر والمغرب والعراق ولبنان وسوريا ونيجيريا ومالي والصومال وإندونيسيا وماليزيا والفليبين والباكستان والشيشان والهند وفرنسا وبريطانيا والمانيا وإسبانيا وغيرها؛ إن أول من يكفره هؤلاد الوهابيون السلفيون التكفيريون هي العائلة السعودية الحاكمة نفسها كما صرحوا به ونشروه في الكثير من أدبياتهم وكتبهم.

الحل: في هذا المجال يجب تبني الفكر الإسلامي المعتدل المخالف لأفكار ابن تيمية وإبن عبد الوهاب التكفيري من قبل لجنة تمثل مجموعة من الدول العربية والإسلامية ويجب أن تكون السعودية علي رأس هذه اللجنة من أجل وضع برنامج يطرح المفاهيم الإسلامية الحقيقية قبال الأفكار السلفية التكفيرية التي تكفر كافة الأنظمة العربية وعلي رأسها السعودية.

٣. التيار الذي يجمع بين فكر سيد قطب وافكار إبن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب: وهو أخطر فكر إرهابي ويمثل فكر القاعدة وجبهة النصرة وداعش؛ لا ينفع إستخدام القوة فحسب لمواجهة هذا التيار، بل يجب تبني منظومة فكرية إسلامية سليمة تواجه الفكر السلفي التكفيري، ويجب أن تصدر هذه المنظومة من المؤسسات ألإسلامية العريقة التي لم تتأثر إلى حد الآن بالفكر السلفي التكفيري، كجامعة الأزهر في مصر، وجامعة الزيتونة في تونس، وجامعة القرويين في فاس في المغرب فضلاً عن المراكز الإسلامية والجامعات الإسلامية الأخرى في مناطق العالم المختلفة التي لم تتأثر إلى حد الآن بالفكر السلفي التكفيري. يجب ان تتم الدعوة لتبني هذه المنظومة من قبل مجموعة من الدول العربية على رأسها المملكة العربية السعودية.

٤. التيار الشيعي المتمثل بمدرسة آية الله العظمى السيد علي السيستاني (وهو التيار الذي يعارض مبدأ ولاية الفقيه): يتميز هذا التيار بجملة من الخصائص وهي؛

أ) القبول بالدولة المدنية التي تحكم من قبل الشخص الأقدر والأكفأ في إدارة الدولة بغض النظر عن إنتمائه الفكري، حيث وافق السيد السيستاني مع ممثل الأمم المتحدة الأخضر الإبراهيمي عام ٢٠٠٤ على ترشيح شخصيتين غير إسلاميتين وهما الدكتور أياد علاوي والدكتور أحمد الجلبي، وتم إختيار الدكتور أياد علاوي رئيساً للوزراء عام ٢٠٠٤ حيث كان يتمتع بسلطات تشريعية وتنفيذية، بل في عام ٢٠٠٩، عندما تدهورت امور الحكومة بسبب الفساد وإخفاقاتها في الجوانب المختلفة قابلت السيد السيستاني أنا شخصياً وسألته عن الحل، فأجابني بالنص أنه طلب في وقتها عام ٢٠٠٤ من رئيس الإئتلاف (السيد عبد العزيز الحكيم) للطلب من الدكتور أياد علاوي بالدخول في الإئتلاف الموحد وضمان رآسة الوزراء له في الدورة القادمة، وقال لي السيد حفظه الله لو وافق الدكتور أياد على الدخول في الإئتلاف في وقتها لكان اليوم هو رئيس الوزراء ولما وصلنا إلى الوضع المأساوي الذي نحن به اليوم.

ب) مبدأ القضاء على الطائفية السياسية بشكل كامل، وهو صاحب المقولة المشهورة (لا تقولوا السنة إخواننا بل السنة انفسنا) لو طبق هذا الشعار بحذافيره لقضي اليوم على الطائفية السياسية في العراق؛ ولكن للأسف وجدت الحكومة التي يرأسها المالكي أنها لا يمكن ان تستمر في الحكم بسبب فشلها في إدارة الدولة ما لم تعمق الخلافات الطائفية، مع الإيحاء للشيعة أنها هي المدافعة عن حقوقهم، وهذا جر إلى دفع الكثير من السنة إلى الإنتماء إلى داعش أو تأيدهم أو بالحد الأدنى عدم مقاتلتهم عندما إحتلوا مدنهم، إذاً المشكلة هو قيام حكومة يترأسها رئيس وزراء إسلامي يسمح ويدفع بإستشراء الفساد على نطاق جداً واسع وغير قادر على إدارة البلد، وللأسف إن هذا الأمر قد تم بتآمر أمريكي لجلب المالكي لرآسة الوزراء مع العلم إنه فشل في الإنتخابات، وتنحية أياد علاوي عن تولي رآسة الوزراء مع فوزه وإستحقاقه الدستوري لتولي رآسة الوزراء، وللإنصاف فإن أيران لم تكن تؤيد المالكي لتولي رآسة الوزراء إلا في الشهر العاشر من عام ٢٠١٠حيث كنت أنا في خضم المباحثات السياسية في تلك الفترة.

ج) مبدأ التصدي في الأمور المفصلية والمصيرية للأمة، حيث رفض بشكل قاطع أن يكتب الدستور من قبل مكتب محاماة امريكي، وهدد الأميركان من خلال الأمم المتحدة إذا لم تعلن الولايات المتحدة بأن الدستور سيكتب من قبل أيادي عراقية منتخبة من قبل الشعب فإنه سيعلن رفضه للدستور العراقي المزمع كتابته في تلك الفترة، الأمر الثاني هو إزاحته للمالكي عام ٢٠١٤ عندما فشل في إدارة الدولة وأثار الفتنة الطائفية وكان يدير كافة المؤسسات الأمنية ولكنه عجز عن منع داعش من إحتلال الموصل، أو الدخول إلى تكريت وإرتكاب مجزرة سبايكر. الأمر الثالث هو الدعوة إلى الجهاد الكفائي وألذي كان السبب الرئيس في منع داعش من التمدد وإحتلال مدن أخرى بعد الموصل والتكريت، كبغداد او مناطق أخرى.

البحث المقدم الى مؤتمر الزهراء (ع) تحت عنوان فقرتان من خطبة الزهراء (ع) [ الجزء الاول]؛

فقرتان من خطبة ألزهراء (ع)؛

(جعل ألله ……. طاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من ألفرقة)

مصاديقها ألتأريخية ورسالة ألزهراء إلينا أليوم

 

خطبة ألزهراء عليها ألسلام بحر واسع تثبت فيه ألكثير من ألمفاهيم ألإسلامية، وفي هذه ألعجالة أريد أن أتطرق إلى فقرتين من هذه ألخطبة ألشاملة وألواسعة بمفاهيمها، ألعميقة بمعانيها، ألعالية بمضامينها، تخطب وكأنها تنطق عن أبيها رسول ألله وعن بعلها علي إبن أبي طالب عليهم أفضل ألصلاة وألسلام:

(جعل ألله ……. طاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من ألفرقة)، إن ألإسلام ألذي جاء به رسول ألله (ص) وحفظه أهل بيت ألنبوة (ع) على مدى ألأجيال يمثل نظاماً عاماً وشاملاً لملة ألإسلام ، سواء كان ذلك في جانب علاقة ألإنسان بربه، أو علاقة ألإنسان بألإنسان أو علاقة الإنسان بالمجتمع أو توضيح ألكثير من ألمفاهيم وألتصورات ألإسلامية على كافة ألمستويات وضمن مختلف ألمجالات.

 

ما ألمقصود من عبارة طاعتنا نظاماً للملة؟

إن أستيعاب ألإسلام بكافة أبعاده ومفاهيمه وتشريعاته وسننه وتطبيق هذه ألمفاهيم وألسنن وألتشريعات على أرض ألواقع بألشكل ألصحيح هو ألذي يوفر ألنظام للملة ألإسلامية.

ولكن كيف ألسبيل لتحقيق ذلك؟

إنه يتحقق من خلال تحقيق أربعة أهداف:

ألهدف ألأول: من خلال كتاب ألله؛ كتاب ألله موجود بين ظهراني ألناس؛ وكان ألمطلوب في صدر ألإسلام هو ألحفاظ على كتاب ألله من ألإضافة وألحذف وألتحريف، وهو ما تحقق تثبيتاً لقوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }

ألهدف ألثاني: من خلال سنة ألرسول (ص)؛ وهذا يتطلب نشر سنة رسول ألله (ص) ألصحيحة، وكشف ألأكاذيب من ألسنة ألمزيفة وألموضوعة.

ألهدف ألثالث: ألفهم وألتأويل ألصحيح للكتاب ألذي إختص ألله به نفسه وألراسخون في ألعلم، وألفهم وألإستيعاب الصحيح وألمعمق للسنة ألصحيحة لرسول ألله (ص).

ألهدف ألرابع: ألتطبيق ألعملي لما جاء في ألكتاب وألسنة وإتخاذ ألمواقف ألمهمة وألمصيرية بشأن قضايا ألأمة ألكبيرة مما يحتاج درجة عالية من ألبصيرة وألإدراك وألتسديد ألإلهي.

فإذا أضفنا إلى ذلك مقولة ألزهراء في أن ألإمامة أماناً من ألفرقة فنستطيع حينها أن نزعم إن

ألهدف ألخامس : هو تحقيق ألأمان من ألفرقة

وذلك لتحقيق مقولة ألزهراء (ع) بألكامل (جعل ألله ……. طاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من ألفرقة) .

وقبل أن نخوض في تفاصيل هذه ألأهداف ألخمسة فإننا نستطيع أن نزعم أن هذه ألأهداف ألخمسة هي ما سعى لتحقيقه أهل بيت ألنبوة(ع) على مستويين،  على ألمستوى ألعام، وألمقصود به ألأمة ألإسلامية بكافة فرقهم وطوائفهم؛ وألمستوى ألثاني هو ألمستوى ألخاص وهو مستوى أتباعهم ممن يعتقد بإمامتهم؛ ولكن هذا لا يعني أن أهل ألبيت (ع) هم للشيعة فحسب، ولا يعني أن ألشيعة يمكنهم  ألإدعاء بأن أهل البيت ملكهم كما يتصور ألكثير من ألجهال من ألفريقين، بل أهل ألبيت (ع) هم للمسلمين جميعاً، وكان هدفهم ألأول هو ألعمل لمصلحة ألأمة ألإسلامية، فضلاً عن أتباعهم، وهذا ما سنبينه بالتفصيل…

ولكن ألإدعاء أن أهل ألبيت (ع) يسعون لتحقيق هذه ألأهداف على مستوى ألأمة ألإسلامية بكافة فرقهم وطوائفهم يثير حالة كبيرة من ألإستغراب وألإستفهام ….

فبألنسبة للهدف ألأول بشأن ألحفاظ على كتاب ألله من ألتحريف؛ فإن ألله سبحانه وتعالى هو ألذي أنزل ألقرآن وهو ألذي تولى حفظه من ألإضافة وألحذف وألتحريف، وقد أثبت ألله هذه ألحقيقة في قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ }، كما إن ألقرآن ألموجود أليوم بين ظهراني ألناس هو نفس ألكتاب ألذي أمر ألخليفة ألراشد ألثالث عثمان بن عفان بإستنساخه وتوزيعه على ألأقطار ألإسلامية، وليس لأهل ألبيت أي دور في ذلك، فكيف يمكننا ألإدعاء أن أهل ألبيت قد حفظوا ألقرآن من ألتزوير وألتحريف وألزيادة وألنقصان ؟

أما بألنسبة للهدف ألثاني، وهو نشر ألسنة ألصحيحة وكشف ألسنة ألمزيفة؛ فألرسول (ص) نطق بمئات بل بآلاف ألأحاديث، وسن ألكثير من ألسنن، وأقر ألكثير من ألأمور، منذ بعثته حتى وفاته خلال ثلاث وعشرون سنة. وقد نقلت ألكثير من هذه ألأحاديث وألسنن والتقريرات من خلال ألعديد من كتب ألحديث، ونشأت ألكثير من ألدراسات وألأبحاث في هذا ألشأن، من كتب ألرجال، وتراجم وسير ألرواة، وطبقات ألمحدثين، ونشأت مفاهيم ألصحابة والتابعين وتابعي التابعين،  ومفاهيم ألجرح وألتعديل، ومفاهيم الحديث ألصحيح والحسن والضعيف والموضوع، وألفت ألموسوعات ألحديثية، من كتب ألصحاح وألسنن والمسانيد، والكثير من هذه ألدراسات وألأبحاث تطورت خلال عدة قرون بعد وفاة ألرسول (ص)، وألناظر من ألخارج يرى دور أهل ألبيت محدوداً في هذا ألمجال؛ فكيف يمكننا ألإدعاء أن أهل ألبيت (ع) قد لعبوا دوراً مفصلياً في نشر ألأحاديث ألصحيحة وكشف ألكثير من ألأحاديث ألموضوعة وألمزيفة، ليس على نطاق أتباعهم فحسب بل على نطاق ألساحة ألإسلامية ألواسعة بجميع مذاهبهم وطوائفهم؟

أما بالنسبة للهدف الثالث في تفسير كتاب ألله وسنة رسوله (ص) بالشكل الصحيح؛ فقد ألف علماء ألمسلمين خلال أربعة عشر قرناً من وفاة الرسول (ص) حتى يومنا هذا عشرات بل مئات ألمجلدات من التفاسير لكتاب ألله، أما بألنسبة للشروحات بشأن ألسنة ألنبوية، فألسنة النبوية بشكل عام واضحة ولا تحتاج إلا إلى جهد بسيط وإلمام باللغة العربية وثقافة شرعية لتقديم ألشروحات ألوافية، ولكن أيضاً في هذا المجال فالمطلوب هو التعريف بألأحاديث الصحيحة ومعرفة ونبذ ألأحاديث ألمزورة والموضوعة؛ فما هو دور أهل البيت (ع) في ذلك ؟

أما بالنسبة للهدف الرابع في التطبيق العملي لما جاء في الكتاب والسنة؛ فقد قامت دول إسلامية متعددة خلال أربعة عشر قرناً، وكانت أغلب هذه الدول تحكم بأسم ألإسلام وترى وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية إستناداً إلى الكتاب والسنة النبوية، فأين هو دور أهل ألبيت (ع) في إتخاذ المواقف المصيرية والمهمة بشأن قضايا ألأمة ألكبيرة ؟

أما بالنسبة للهدف الخامس وهو تحقيق ألأمان من الفرقة؛ فإن الناظر من الخارج قد يجد الصورة معكوسة، فقد تحقق ألوئام داخل ألعالم ألإسلامي بشكل نسبي خلال فترة ألخلفاء ألراشدين ألثلاث، ولكن بمجرد أن تولى ألإمام علي (ع) ألأمر نشأت ألنزاعات وقامت ألحروب والفرقة بين ألمسلمين وأولها حرب ألجمل ثم صفين ثم ألنهروان، ولكن ما إن جاء معاوية بن أبي سفيان حتى قام ألصلح بينه وبين ألإمام ألحسن (ع) وسمي ذلك ألعام بعام ألجماعة لإجتماع ألمسلمين وإجتماع كلمتهم في ضل دولة واحدة، وهكذا كان ألوضع خلال فترات طويلة ضمن دولة ألخلافة ألأموية ودولة ألخلافة ألعباسية؛ فكيف يمكن أن تكون إمامة أهل ألبيت (ع) أماناً من ألفرقة ؟

 

ولكن أمام هذه التساؤلات وأمام حالة ألإستفهام وألإستغراب ألتي تطرقنا إليها فإننا نستطيع أن نقول وبكل ثقة أن أهل البيت (ع) في واقع ألأمر قد سعوا وحققوا ألأهداف ألخمسة أعلاه وهذا ما سنتناوله بالتفصيل؛ كما إننا نثبت حقيقة أن هذه ألأهداف لم تتحق من قبل أهل ألبيت (ع) بشكل متساوٍ فيما بينهم، بل إن كل إمام مر بظروف وواقع تاريخي يختلف عمن هو غيره من ألأئمة، فيبرز تميز ذلك ألإمام بمواقف تصب بإتجاه واحد أو أكثر من هذه ألأهداف ألخمسة، وهذا يتطلب ألتعرف على ألمخاطر ألتي تعرض لها ألمسلمين وألإسلام وتعرضت لها ألشريعة الإسلامية وألمناهج ألإسلامية  وألمفاهيم ألإسلامية بل كافة مفاصل ألفكر ألإسلامي بشموليته وكافة أبعاده وبالتالي ألتعرف على مواقف أهل ألبيت (ع) لدرء هذه ألأخطار ضمن ألمساحات ألخمسة ألتي تطرقنا إليها؛ وهذه ألمخاطر هي كما يلي :

 

البحث المقدم الى مؤتمر الزهراء (ع) تحت عنوان فقرتان من خطبة الزهراء (ع) [ الجزء الثاني ]؛

ولكن أمام هذه التساؤلات وأمام حالة ألإستفهام وألإستغراب ألتي تطرقنا إليها فإننا نستطيع أن نقول وبكل ثقة أن أهل البيت (ع) في واقع ألأمر قد سعوا وحققوا ألأهداف ألخمسة أعلاه وهذا ما سنتناوله بالتفصيل؛ كما إننا نثبت حقيقة أن هذه ألأهداف لم تتحق من قبل أهل ألبيت (ع) بشكل متساوٍ فيما بينهم، بل إن كل إمام مر بظروف وواقع تاريخي يختلف عمن هو غيره من ألأئمة، فيبرز تميز ذلك ألإمام بمواقف تصب بإتجاه واحد أو أكثر من هذه ألأهداف ألخمسة، وهذا يتطلب ألتعرف على ألمخاطر ألتي تعرض لها ألمسلمين وألإسلام وتعرضت لها ألشريعة الإسلامية وألمناهج ألإسلامية  وألمفاهيم ألإسلامية بل كافة مفاصل ألفكر ألإسلامي بشموليته وكافة أبعاده وبالتالي ألتعرف على مواقف أهل ألبيت (ع) لدرء هذه ألأخطار ضمن ألمساحات ألخمسة ألتي تطرقنا إليها؛ وهذه ألمخاطر هي كما يلي :

 

أولاً: كتاب ألله

فبألنسبة لكتاب ألله؛ فإننا لو راجعنا التاريخ سنجد أن جميع الديانات والشرائع ألإلهية وجميع ألكتب ألسماوية السابقة قد حرفت؛ حيث حرفت شريعة نبي ألله إبراهيم (ع) بألكامل ممن تبقى من أتباعه من أديان منحرفة كالهندوسية ما تفرع عنها من ألبوذية وديانة السيخ،  وكذلك شريعة نبي ألله موسىى (ع) وألديانة أليهودية وكتابهم ألتوراة، ونبي ألله عيسى (ع) والديانة ألمسيحية وكتابهم ألإنجيل؛ بل جميع ألديانات ألسماوية ألأخرى من غير ألإسلام ممن جاء بعد نوح (ع) وقبل عيسى (ع) ممن ذكرهم ألله في كتابه ألكريم أو لم يذكرهم؛ ألملاحظة ألمهمة في هذه ألإنحرافات إنها تمت على يد أناس محبين ومخلصين لأنبيائهم سواء كانوا من أليهود  أو ألنصارى أو غيرهم، وأكبر دليل على حبهم لأنبيائهم أن النصارى أضفوا الصفات ألأ لهية على نبي ألله عيسى (ع) ولكنهم حرفوا الإنجيل. وإن أليهود كانوا ولا زالوا يحبون موسى ويفخروا بمعجزاته وألهندوس ألذين يعتبرون براهما هو ألإله ألأعظم ألذي لا تحرقه النار وأبو ألأمم وزوجته ساراسواتي وهو كنايةً عن نبي ألله إبراهيم وزوجته سارة وإستحالة النار ألتي ألقي فيها برداً وسلاماً ولكنهم مع ذلك حرفوا كتبهم ألسماوية وعقائدهم.

إن أخطر أمر واجهه ألإسلام هو وصول مجموعة معادية للإسلام ومبغضة لرسول ألله (ص)، حاربت ألإسلام وألمسلمين ورسول ألله (ص) لأكثر من عشرين عاماً، دخلوا ألإسلام رغماً عن أنوفهم، لم تؤمن قلوبهم طرفة عين أبداً بهذا ألدين، وصفهم ألله في كتابه ألكريم بالمنافقين يظهرون الإسلام ويبطنون ألكفر، بل أعلنوها حرباً علنيةً وشعواء على الدين حين قاتل يزيد أبن معاوية ألحسين (ع) وأهل بيته، وردد في مجلس عام شعار ألأخذ بثارات أجدادهم من رسول ألله (ص) ببدر وذلك بألفتك بحفيده ألحسين (ع) ومن تبقى من أهل بيت ألنبوة. لم يورد ألله في كتابه ألكريم قصص ألأنبياء وألأقوام ألسابقين عبثاً، وإنما ذكرها للتعريف بما سيواجهه ألمسلمون في مستقبل ألأيام من أحداث هي تكرار لما حدث للأقوام ألسابقين وللأديان ألسابقة، فالتأريخ يعيد نفسه، وألأحداث ألسابقة تتكرر، فالإنسان هو نفس الإنسان وألمجتمعات هي نفس ألمجتمعات؛ لم تواجه أليهودية ولا ألنصرانية أناساً تولوا أمور ألدين يضمرون هذا ألحقد على دينهم أو على نبي ألله موسى (ع) أو نبي ألله عيسى (ع) ولكن مع ذلك حرفت ألتوراة وحرف ألإنجيل؛ لقد كان من ألطبيعي أن يحرف ألقرآن وأن يحرف دين ألإسلام تحريفاً كاملاً على يد أعدائه الذين أحتلوا منزلة رسول ألله (ص) فتسموا بخلفاء الرسول؛ بل إن ألأمر أكثر من ذلك فبني أمية كانوا يعلمون أن ألله قد ذمهم في كتابه ألكريم في عدة آيات وبالذات في قوله  تعالى (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ)، حيث جاء في ألكثير من التفاسير أن رسول ألله (ص) رأى رؤيا في منامه أن بني أمية ينزون على منبره كنزو ألقرود فنزلت ألآية ألكريمة تثبت هذه ألرؤيا ومطلقةً على بني أمية لفظ (ألشجرة الملعونة) كما ورد في تفاسير ألرازي وألقرطبي وأبن كثير والطبري في تأريخه وألسيوطي في الدر المنثور والبيهقي في الدلائل والمتقي الهندي في كنز العمال وإبن عساكر في تاريخ دمشق وإبن مردوية في تفسيره وألحاكم النيسابوري في ألمستدرك وفي غرائب ألقرآن والهيثمي في مجمع الزوائد وأبو يعلي في المسند وإبن حجر العسقلاني في الفتوح والكثير غيرهم نقلاً عن آلكثير من الصحابة والتابعين كأبن عباس وأبو هريرة وسعيد بن المسيب والحسن بن علي (ع) وأم ألمؤمنين عائشة ويعلي بن مرة وأبي برزة ألأسلمي وعبد الله بن مطرف وغيرهم من الكثير من الصحابة.  لقد كان من حقدهم على كتاب الله أن ألوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان حين أستفتح القرآن فظهر له قوله تعالى “واستفتحوا وخاب كل جبارٍ عنيدٍ” فقال: “أتتوعدني؟” ثم علقه ولا زال يضربه بالنشاب حتى خرقه ومزقه وهو ينشد:

[أتتوعد كل جبار عنيــد، فها أنا ذاك جبـار عنيـد.إذا لاقيت ربك يوم حشرٍ، فقل يارب مزقني الوليد] أمام هذا ألواقع نجد أنه من الغريب أن بني أمية لم يحرفوا كتاب ألله؛ ولكن ذلك ألإستغراب يزول ليقيننا أنه لا راد لأمر ألله وإرادته ومشيئته في حفظ كتابه الكريم ولكن ذلك لم يكن بطريقة إعجازية ولكن بطرق طبيعية تمثلت بمواقف ودور أهل البيت (ع) ألذي إختاره ألله لهم كما سيتبين أدناه.

 

ثانياً:سنة نبيه

لقد قضى رسول ألله (ص) أكثر من عشر سنوات في ألمدينة ألمنورة، وكانت له بالحد ألأدنى خطبتين في كل أسبوع في صلاة ألجمعة، أي في ألسنة ألواحدة أكثر من مئة خطبة فقط أثناء صلاة ألجمعة،  إذاً مجموع ألخطب لصلاة ألجمعة لرسول ألله (ص) تتجاوز ألألف خطبة؛ ولكن كم وصلنا من هذه ألخطب ألمميزة للرسول ألأعظم صلى ألله عليه وآله وسلم؛ أنا شخصياً لم أطلع إلا على خطبة واحدة للرسول (ص) بشأن شهر رمضان وهي خطبة عميقة بمفاهيمها، عظيمة بمضامينها وشاملة بمحتواها و يتداولها ألكثير من ألمسلمين قبل شهر رمضان؛ فإذا كانت خطبة واحدة للرسول (ص) بهذه ألقيمة وتحوي كل تلك المضامين والمفاهيم؛ فكم كان يمكن أن يكون لدينا مفاهيم راقية وحقائق جلية ووضوح بعمق ألشريعة ألأسلامية من ألف خطبة؟ ولكن أين تلك ألخطب؟ وكم هي ألنسبة ألتي وصلتنا من أحاديث رسول ألله صلى ألله عليه وآله وسلم؟.

قال ألبخاري صاحب ألصحيح المعروف أنه لم يصح لديه أكثر من (٢،٧٠٠) حديث من غير المكرر من أصل (٦٠٠،٠٠٠) حديث قد بلغه، وقال مسلم أيضاً صاحب الصحيح إنه لم يصح لديه غير حوالي (٣،٠٠٠) حديث من أصل (٣٠٠،٠٠٠) حديث، ونجد مجموع الأحاديث في الصحيحين بحدود (٣،٥٠٠) من غير ألمكرر؛ أما ألمؤلفات ألحديثية ألتي جمعت بين ألغث وألسمين لأهل ألسنة فأهمها وأكبرها ألمسند لأحمد إبن حنبل ألذي بلغت أحاديثه حوالي أل (٣٠،٠٠٠) حديث؛ هذا ألواقع يثبت حقيقتين مخيفتين، ألأولى كثرة ألأحاديث ألموضوعة ألتي تجاوزت ألنصف مليون حديث؛ وألحقيقة ألثانية قلة ألأحاديث ألصحيحة.

ومع قلة ما دون في عهد ألرسول (ص) من أحاديث، فقد كانت هناك مخططات وعمليات لإتلاف ما دون من أحاديث بعد وفاة ألرسول (ص)، فضلاً عن سياسة منع تدوين ألحديث لما يقارب ألقرن ونصف من وفاة رسول ألله (ص).

ونكرر تساؤلنا أعلاه: هل  يمكننا ألإدعاء أن أهل ألبيت (ع) قد لعبوا دوراً مفصلياً في نشر ألأحاديث ألصحيحة وكشف ألكثير من ألأحاديث ألموضوعة وألمزيفة، ليس على نطاق أتباعهم فحسب بل على نطاق ألساحة ألإسلامية ألواسعة بجميع مذاهبهم وطوائفهم؟ نستطيع أن نقول بكل ثقة أن ألكثير من ألأحاديث الصحيحة في ألبخاري ومسلم وغيرها من كتب ألحديث لمدرسة ألخلافة مدينون بها لأهل بيت النبوة (ع) فضلاً عن الكتب الحديثية لأتباع مدرسة الإمامة؛ فكيف كان ذلك ؟ هذا ما سنوضحه أدناه.

 

 ثالثاً: تفسير ألكتاب وشرح سنة نبيه

يوجد في كتاب ألله ٦٢٣٦ آية، فإذا كان رسول ألله قد قضى ٢٣ سنة من البعثة حتى وفاته فيكون معدل ما نزل عليه من ألآيات في السنة حوالي ٢٧٠ آية، أي في ألأسبوع حوالي (٥) آيات، أي أقل من آية واحدة في اليوم، لقد كان رسول ألله (ص) يوضح للمسلمين معنى كل آية ويقوم بتفسيرها إن كان هناك عدم وضوح من معناها، بل من الطبيعي إن شك المسلمون بأي آية من الكتاب أن يسألوا رسول ألله (ص)، حيث كان كل مسلم يستطيع أن يسأل رسول ألله (ص) مرة واحدة في ألأسبوع عن ألآيات الخمس التي أنزلت في ذلك ألأسبوع، لقد كان ألكثير من ألمسلمين يدونون ألآيات وألسور ألتي كانت تنزل على رسول ألله (ص)، حيث كانت عدة آيات لعدة سور تتنزل على رسول ألله (ص) في آن واحد فكان الرسول (ص) يوجههم فيعرفهم لأي سورة تتبع هذه الآية ثم يضع كل آية في موضعها الصحيح من السورة، كما إنهم كانوا عندما يدونون الآيات يكتبون تفاسيرها ومعانيها وسبب نزولهاعن ألرسول (ص) في الحواشي؛ للأسف تم إحراق كل هذه ألنسخ من المصاحف ألتي كانت تتضمن ألتفاسير عن رسول ألله (ص) في زمن الخليفة الثالث عثمان بن عفان ودون القرآن في عهده خالياً من جميع الحواشي والتفاسير ألتي نقلت عن رسول ألله (ص)، لذلك فإن ألأمر كان يستدعي مفسرين يفسرون الكتاب وبالذات ألآيات ألتي يمكن تأويلها بأكثر من معنى، حيث أشار ألله إلى هذه ألحقيقة في قوله تعالى ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾،

وهنا نتساءل كيف أوصل أهل بيت النبوة (ع) المقصودون في قوله تعالى (ألراسخون في العلم) تفسير ألكتاب إلى ألمسلمين عامة وإلى أتباع أهل البيت خاصة ؟

 

رابعاً: التطبيق العملي لما جاء في كتاب الله وفي سنة نبيه

كما تطرقنا سابقاً بألنسبة لكتاب ألله فإن ألتفاسير ألتي دونت في عهد رسول ألله (ص) وعن رسول ألله (ص) قد أحرقت، وأغلب أحاديث رسول ألله (ص) وخطبه وسننه لم تدون ولم تنقل إلينا؛ كما أن واقع الدولة ألإسلامية الفتية بعد وفاة رسول ألله (ص) قد تعقد كثيراً فقد واجه ألمسلمون بعد رسول ألله (ص) واقعاً جديداً تمثل بألحروب وألغزوات وفتح ألبلدان وإنتشار ألإسلام على ألمدى ألواسع وإختلاط ألمسلمين مع شعوب وحضارات أخرى، وهذا يتطلب مواقف إسلامية عملية لحل ألكثير من ألمعضلات ألجديدة ألتي واجهت ألمسلمين مما يستدعي درجة عالية من ألإستيعاب للإسلام لإستنباطها من كتاب ألله وسنة رسوله (ص) مما لا يمكن أن يتاح للإنسان ألمسلم ألعادي فعله.

فما هو الدور ألذي لعبه أهل بيت ألنبوة (ع) للتطبيق ألعملي لما جاء في كتاب ألله وفي سنة نبيه ضمن هذا الواقع ألجديد والمتغيرات ألكبيرة ؟

 

خامساً: تحقيق ألأمان من الفرقة

لقد تعرضت هذه ألدولة ألفتية بعد وفاة رسول ألله (ص) مباشرةً إلى خلافات كبيرة جداً تمثلت بخلافة رسول ألله (ص)، فقد كان أهل بيت ألنبوة ممثلين بعلي أبن أبي طالب (ع) يدّعون أنهم أولى ألناس بخلافته إستناداً لمقولة ألرسول (ص) في خطبة ألوداع [من كنت مولاه فهذا علي مولاه]، في حين إدعت قريش أن رسول ألله (ص) لم يوص لأحد وإنه ترك ألأمر شورى بين المسلمين، فأدى هذ ألأمر إلى حدوث نزاع على مستوى ألقيادة كاد يمكن أن يؤدي إلى إضعاف هذه ألدولة بشكل كبير أو لعله إسقاطها، ثم أصبح المسلمون في حيرة بعد وفاة أبي بكر حيث أوصى بألأمر إلى عمر بن ألخطاب من دون شورى ألمسلمين، وتكررت ألنزاعات حين تولى علي بن أبي طالب (ع) الخلافة، فقامت معركة الجمل، ثم صفين ثم النهروان، وإنشطرت ألدولة ألإسلامية إلى دولتين وحكمها خليفتين بعد مهزلة التحكيم على أثر معركة صفين؛ فما كان دور أئمة أهل البيت (ع) ضمن هذا الواقع للحفاظ على ألأمة وتحقيق ألأمان من ألفرقة ؟

سنتطرق إلى دور أهل بيت ألنبوة (ع) ومواقفهم في مواجهة ما ذكرناه من مخاطر لتحقيق مقولة الزهراء (ع) (جعل ألله ……. طاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من ألفرقة) وكما ذكرنا سابقاً فإن هذه ألأهداف لم تتحق من قبل أهل ألبيت (ع) بشكل متساوٍ فيما بينهم، بل إن كل إمام مر بظروف وواقع تاريخي يختلف عمن هو غيره من ألأئمة، فيبرز تميز ذلك ألإمام بمواقف تصب بإتجاه واحد أو أكثر من هذه ألأهداف ألخمسة، لذلك سنذكر كل إمام على حدة ونذكر ما حققه من أهداف ضمن المساحات ألخمسة ألتي تطرقنا إليها أعلاه:

 

البحث المقدم الى مؤتمر الزهراء (ع) تحت عنوان فقرتان من خطبة الزهراء (ع) [ الجزء الثالث/ دور الامام علي (ع) في تحقيق الاهداف الاسلامية الكبرى]؛

 

دور ألإمام علي (ع) في تحقيق ألهدف ألخامس وهو ألحفاظ على ألأمة من ألفرقة وتحقيق ألهدف ألرابع في إتخاذ ألمواقف ألمهمة وألمصيرية وألكبيرة بشأن قضايا ألأمة :

من مراجعة ألتأريخ ألإسلامي يتبين لنا إن من أخطر ألمراحل ألتي مرت بها ألأمة ألإسلامية هي بعد وفاة رسول ألله (ص) حيث دب ألخلاف بين علي أبن أبي طالب وألخليفة ألأول وألثاني أبا بكر  وعمر؛ وكادت تنشق ألقيادة في ألأمة ألإسلامية بل تنشق ألأمة ألإسلامية وكان هناك من يؤجج هذا ألتمزق وهذا ألإنشقاق؛ حيث جاء أبو سفيان إلى علي أبن أبي طالب (ع) قائلاً : {وليتم على هذا الأمر أذل بيت في قريش، أما والله لئن شئت لأملأنها على أبي فصيل خيلاً ورجلاً}، فقال علي عليه السلام: {طالما غششت الإسلام وأهله، فما ضررتهم شيئاً، لا حاجة لنا إلى خيلك ورجلك}؛ لقد كان علي أبن أبي طالب (ع) خلال خلافة أبو بكر وعمر وعثمان ناصحاً لهم  مشيراً عليهم مافيه مصلحة ألإسلام ومثبتاً حقائق ألإسلام وموجهاً لهم للسير على منهجه، حتى قال بحقه عمر بن ألخطاب ثلاث مقولات مشهورة (لولا علي لهلك عمر) وقال (لا أبقاني ألله لمعضلةٍ ليس لها أبا حسنٍ) وقال (لا أبقاني ألله بأرض لست فيها يا أبا الحسن)؛ لقد قال عمر هذه ألمقولات بسبب ألمواقف ألمميزة للإمام علي (ع) لتقديم النصح للخليفة والحفاظ على هذه الدولة الفتية وحل الإشكالات التي يقع فيها الخليفة؛ فعلى سبيل ألمثال : حينما جمع ألفرس جيشاً جراراً تجاوز ألمئة ألف مقاتل للهجوم على ألدولة ألإسلامية ألفتية في عهد عمر بن ألخطاب، جمع عمر رؤوس ألصحابة لإستشارتهم، فأشاروا عليه تشكيل جيش كبير وذلك بجلب ألمقاتلين من أليمن وألشام وألبصرة وألحجاز فضلاً عن ألكوفة، وأن يقوم ألخليفة عمر بن ألخطاب بقيادة هذا ألجيش وبذلك يمكن بهذه ألأعداد ألكبيرة من ألمقاتلين وبقيادة ألخليفة صد ألهجوم ألفارسي؛ ولكن ألإمام علي (ع) رفض تلك ألمشورة وأشار عليه بخلاف رأي ألمشيرين ألآخرين فقال له : (أما بعد فإنك إن أشخصت أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم ، و إن أشخصت أهل اليمن من يمنهم سارت الحبشة إلى ذراريهم ، و إنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك الأرض من أطرافها و أقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك أهم إليك مما بين يديك من العورات و العيالات ! أقْرِرْ هؤلاء في أمصارهم ، و اكتب إلى أهل البصرة فليتفرقوا فيها ثلاث فرق : فلتقم فرقة لهم في حرمهم و ذراريهم ، و لتقم فرقة في أهل عهدهم لئلا ينتقضوا عليهم ، و لتسر فرقة إلى إخوانهم بالكوفة مدداً لهم . إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً قالوا هذا أمير العرب و أصل العرب ، فكان ذلك أشد لكلبهم و ألبتهم على نفسك . و أما ما ذكرت من مسير القوم فإن الله هو أكره لمسيرهم منك ، و هو أقدر على تغيير ما يكره . و أما ما ذكرت من عددهم ، فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة و لكنا كنا نقاتل بالنصر . فقال عمر : أجل والله لئن شخصت من البلدة لتنتقضن عليَّ الأرض من أطرافها و أكنافها ، و لئن نظرت إلي الأعاجم لا يفارقن العرصة ، و ليمدنهم من لم يمدهم و ليقولن هذا أصل العرب ، فإذا اقتطعتموه اقتطعتم أصل العرب ) .

فضلاً عن ذلك كانت للإمام علي (ع) عدة مواقف في تقديم ألنصح للخليفة عمر بن ألخطاب في مجال ألقضاء ونتطرق أدناه إلى ألحادثتين ألتاليتين؛ إن رجلين أتيا امرأة من قريش فاستودعاها مائة دينار وقالا: لا تدفعيها إلى أحد منا دون صاحبه حتى نجتمع، فلبثا حولا ثم جاء أحدهما إليها وقال: إن صاحبي قد مات فادفعي إلي الدنانير فأبت فثقل عليها بأهلها فلم يزالوا بها حتى دفعتها إليه ثم لبثت حولا آخر فجاء الآخر فقال: ادفعي إلي الدنانير، فقالت: إن صاحبك جاءني وزعم أنك قد مت فدفعتها إليه فاختصما إلى عمر فأراد أن يقضي عليها وقال لها: ما أراك إلا ضامنة . فقالت: أنشدك الله أن تقضي بيننا وارفعنا إلي علي بن أبي طالب .فرفعها إلى علي (ع) وعرف أنهما قد مكرا بها، فقال: أليس قلتما لا تدفعيها إلى واحد منا دون صاحبه ؟ قال: بلى .قال: فإن مالك عندنا إذهب فجئ بصاحبك حتى ندفعها إليكما. أما ألحادثة ألأخرى فقد أتى عمر بن الخطاب بامرأة قد تعلقت بشاب من الأنصار وكانت تهواه فلما لم يساعدها احتالت عليه فأخذت بيضة فألقت صفرتها وصبت البياض على ثوبها وبين فخذيها ثم جاءت إلى عمر صارخة فقالت: هذا الرجل غلبني على نفسي وفضحني في أهلي وهذا أثر فعاله . فسأل عمر النساء فقلن له: إن ببدنها وثوبها أثر المني فهم بعقوبة الشاب فجعل يستغيث ويقول: يا أمير المؤمنين ! تثبت في أمري فوالله ما أتيت فاحشة وما هممت بها فلقد راودتني عن نفسي فاعتصمت . فقال عمر: يا أبا الحسن ما ترى في أمرهما ؟ فنظر علي إلى ما على الثوب ثم دعا بماء حار شديد الغليان فصب على الثوب فجمد ذلك البياض ثم أخذه واشتمه وذاقه فعرف طعم البيض وزجر المرأة فاعترفت؛ لذلك قال عمر بحق علي (أقضاكم علي)  فهكذا نرى إن دور ألإمام علي أبن أبي طالب (ع) واضحاً كل ألوضوح في أن منهجه كان في وضع ألأسس ألتي تحافظ على مسيرة ألأمة وضمان أمن ألدولة والمحافظة عليها من ألفرقة من خلال تقديم ألنصح وألمشورة لمن سبقه من ألخلفاء. بل إن ألأمر تعداه إلى أكثر من ذلك فقد كان يعتبر نفسه هو ألمسؤول ألأول على هذا ألكيان وهذه ألدولة، لذلك مع قمة خلافه مع معاوية بن أبي سفيان عندما وصل إلى مسامعه أن ألروم قد يشنون حرباً على ألشام حيث كان هناك معاوية بن أبي سفيان عدوه اللدود قال  قولته المشهورة: (لو فعلها بنو الأصفر –الروم- لوضعت يدي بيد معاوية ولقاتلناهم).

 

دور ألإمام علي (ع) في تحقيق ألهدف ألثاني والثالث والرابع في حفظ أحاديث وسنة رسول ألله (ص) وتفسيره لكتاب ألله وتطبيقه ألعملي لما جاء في الكتاب والسنة:

أما دوره في حفظ أحاديث وسنة رسول ألله (ص) وذلك خلال فترة توليه ألخلافة إنه كان يدعو ألناس ويجمعهم ويذكر أحاديث رسول ألله (ص) ويطلب منهم تدوينها، بل كان يطلب تدوين خطبه، فوصل لنا سفر نهج ألبلاغة ألذي يشمل على ألمئات من كلماته وخطبه ورسائله، ولولا سياسة إتلاف أحاديث رسول ألله (ص) لوصلتنا عن رسول ألله (ص) أيضاً ألمئات من خطبه وكلماته.

وأحب في هذا المجال أن أقارن بين تفسير علي (ع) وهو القصود في قوله تعالى (الراسخون في العلم) وبين من فسر ألقرآن ممن في قلوبهم زيغ ممن يتسمون بالسلفيين التكفيريين من أمثال داعش ومن لف لفهم، حيث يزعمون أنهم يأخذون بألمعنى الظاهري لآيات الكتاب، ولذلك يقولون إن لله وجه حقيقي ويد حقيقية وعين حقيقية وساق حقيقية وأن ألله خلق آدم على صورته كما كان يزعم إبن تيمية؛  ويزعمون أنه يهبط من العرش إلى ألسماء ألدنيا، وإن ألعرش يخلو منه حين إنتقاله إلى السماء؛ وأحب أن أتطرق إلى مقولات علي (ع) في هذا المجال كما هي واردة في نهج البلاغة ومصادر أخرى حيث يقول :

(لا تحويه الفكر ولا تدركه الأوهام، لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان، لا يقاس بالناس، ولا يدرك بالحواس، قريب من الأشياء غير مـُلامس، بعيد منها غير مباين، متجلٍّ لا باستهلال رؤيةٍ، بائن لا بمسافةٍ، قريب لا بمداناة، صانع لا بجارحة، سميع لا يوصف بآلة، بصير لا يوصف بالحاسّة؛ من شبّهه بتباين أعضاء خلقه، لم يباشر قلبه اليقين بأن لا ند له؛  كذب العادلون به إذ شبّهوه بخلقه، ونحلوه حلية المخلوقين بأوهامهم، لا تدركه الأبصار، ولا كان في مكان فيجوز عليه الانتقال؛ ما دلنا القرآن من صفاته وجب الائتمام به، والاستضائة بنور هدايته؛ كمال الإخلاص لله نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، سبحانه هو كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته، من اعتمد على الرأي والقياس في معرفة الله ضلّ وتشعّبت عليه؛ إنّ من يعجز عن صفات ذي الهيئة والأدوات فهو عن صفات خالقه أعجز، ومن تناوله بحدود المخلوقين أبعد؛ كيف يصف إلهَه من يعجز عن صفة مخلوق مثله ؛ لم يُطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته؛  من وصف الله فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن عدّه فقد أبطل أزله؛ كمال توحيده الإخلاص له، فمن وصف الله فقد قَرَنَه ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جَزَّأه ومن جزَّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومن جزّأه فقد وصفه ، ومن وصفه فقد ألحد فيه ، ومن بعّضه فقد عدل عنه؛  قد جهل الله من استوصفه، الذي سُئلت الأنبياء عنه فلم تصفه بحدّ ولا ببعض، بل وصفته بفعاله، ودلّت عليه بآياته، كلم موسى تكليماً بلا جوارح ولا أدوات، ولا شفة ولا لهوات، سبحانه وتعالى عن تكييف الصفات؛ مَن تفكّر في ذات الله تزندق، لا تناله التجزئة والتبعيض، ولا تُحيط به الأبصار والقلوب، ولا يمكن حده بالأماكن، ولا يشار إليه بالنظائر، لا تلمسه لامسة، ولا تحسّه حاسّة، لا يُشبهه صورة، ولا يُحسّ بالحواسّ، كلّت عن إدراكه طروف العيون، وقصرت دون بلوغ صفته أوهام الخلائق، كلّت الأوهام عن تفسير صفته، وانحسرت العقول عن كُنْه عظمته، ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه، وعن الأفهام أن تستغرقه، وعن الأذهان أن تُمثّله، فلسنا نعلم كُنْه عظمته، إلاّ أنّا نعلم أنّه حيّ قيّوم، لا تأخذه سِنة ولا نوم، لم ينتهِ إليه نظر، ولم يُدركه بصر، ولم يتناهَ في العقول فيكون في مهبّ فكرها مُكيَّفاً، ولا في رَوِيّات خواطرها فيكون محدوداً مصرّفاً، ولم تبلغه العقول بتحديد فيكون مُشبَّهاً، ولم تقع عليه الأوهام بتقدير فيكون ممثّلاً، غاية كلّ متعمّق في معرفة الخالق سبحانه الاعتراف بالقصور عن إدراكها؛ عظم عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر، من يزعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود، ومن ذكر أن الأماكن به تحيط، لزمته الحيرة والتخليط، بل هو المحيط بكل مكان، فإن كنت صادقاً أيها المتكلّف لوصف الرحمن، بخلاف التنزيل والبرهان، فصف لي جبريل وميكائيل وإسرافيل….. هيهات!!!! أتعجز عن صفة مخلوق مثلك، وتصف الخالق المعبود، وأنت تدرك صفة رب الهيئة والأدوات، فكيف من لم تأخذه سنة ولا نوم؟ له ما في الأرضين والسموات وما بينهما وهو رب العرش العظيم؛ ولا يقاس بالناس، من ساواه بشيء من خلقه فقد عدل به، والعادل به كافر بما تنزلت به محكمات آياته، وما كلف الشيطان علمه، مما ليس في الكتاب فرضه، ولا في سنة النبي صلى الله عليه وآله وأئمة الهدى أثره، فكل علمه الى الله سبحانه، فإن ذلك منتهى حق الله عليك؛ واعلم أنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السُّدَد المضروبة دون الغيوب، الإقرارُ بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فمدح الله تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يُحيطوا به علماً، وسمّي تركهم التعمّقَ فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخاً. فاقتصِرْ على ذلك، ولا تُقدِّر عظمة الله سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين).

هكذا يتجلى ألفرق في تفسير كتاب ألله بين سذاجة وجهل من في قلوبهم زيغ من أمثال إبن تيمية ومن يتسمون بالسلفيين وبين عظمة هذه المقولات أعلاه لأمير ألمؤمنين علي بن ابي طالب (ع)،  ومما لا شك فيه إن هذا الوصف لله ليس له مثيل من قبل أي من ألمسلمين منذ وفاة رسول ألله (ص) حتى يومنا هذا، لا في تفاسير ألقرآن ولا في تأويلات آياته ولا أي من علماء ألمسلمين من غير رسول ألله (ص) وأهل بيته (ع).

أما بألنسبة لتطبيقه ألعملي لكتاب الله وسنة نبيه فقد تجلى ذلك حينما تولى ألخلافة، وأوضح ما ورد في هذا المجال هو عهده إلى مالك ألأشتر والتي تمثل منهجاً كاملاً للحكم في ألإسلام حيث أخترنا بعض الفقرات منها حيث يقول عليه افضل الصلاة والسلام:

[كتابه عليه السلام الى مالك الاشتر]

لا توجد وثيقة لا في ألأولين من ألأنبياء وألرسل [من غير رسول ألله (ص)] ولا في الآخرين من العلماء وألسياسيين والمصلحين تبلغ جزءً من هذه الوثيقة في عظمتها، بما أحتوته من مضامين عالية، واسعةً في محتواها، وفذة في رسم منهج سياسي شامل ورفيع، وهي بحق مدرسةً متكاملة ومناراً عالياً لمن يريد أن يحكم بالعدل وينال رضى ألله وخير الدنيا وسعادة الآخرة.

البحث المقدم الى مؤتمر الزهراء (ع)تحت عنوان فقرتان من خطبة الزهراء (ع) [الجزء الرابع / موقف الامام الحسن (ع) من قضايا الاسلام الكبرى]؛

 

دور ألإمام ألحسن (ع) في تحقيق ألهدف ألخامس في ألحفاظ على ألأمة من ألفرقة وتحقيق ألهدف ألثاني في ألحفاظ على سنة رسول ألله (ص) :

ثم جاءت بعد ذلك مرحلة لا تقل خطورة في تمزيق ألأمة وذلك بعد إستشهاد أمير ألمؤمنين علي أبن أبي طالب (ع) وحدوث ألمواجهة بين جيش ألإمام ألحسن (ع) وبين جيش معاوية إبن أبي سفيان.

ولكن قبل الخوض في هذا الموضوع لابد من توضيح حقيقة خافية على ألكثيرين؛ فأنا أعتقد أن أكثر إمام تعرضت ألمواقف منه وتعرضت ألروايات عنه وتعرضت سمعته وذكراه إلى ألظلم هو ألإمام ألحسن (ع)، حيث تعرض للظلم من قبل ثلاث فئات، ألفئة ألأولى من أتباعه ومحبيه من معاصريه لقد لقبوه ب(يا مذل المؤمنين) لأنه مال إلى الصلح في الوقت ألذي كان فيه قادراً على مقارعة معاوية مع إمكانية كبيرة للإنتصار عليه، أما ألفئة ألثانية فهم مؤرخي ألسلطة خلال فترة ألخلافة العباسية ألذين تطرقوا إلى صلح ألإمام الحسن (ع) خلال فترة نشوء ألنزاع بين ألحسنيين (محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن على) ألذي بايعه العباسيون بالخلافة أواخر الدولة الأموية ثم إنقلبوا عليه وأخيه إبراهيم وبين ألعباسيين، فقد إنتقصوا ألإمام آلحسن (ع) وأتهموه بالتخاذل والضعف وبالغوا بضعف جيش العراق وعدم تماسكهم وغدرهم، فضلاً عن إتهامه عليه السلام بميله للراحة والدعة وعدم رغبته بالحرب وإنشغاله بالنساء بكثرة زواجاته وطلاقه للنساء عكس أخيه الحسين (ع)، بل زعموا أنه بمجرد إجراء الصلح دخل معاوية إلى الكوفة وقال [إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتزكوا…، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وانتم له كارهون، ألا واني مَنِّيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له]، والحقيقة فإن هذه الواقعة هي كذب واضح، لا ننفيها ولكن نقول أن هذه الخطبة كانت بعد عشر سنين من الصلح وبعد إستشهاد الإمام الحسن (ع) كما سنثبته أدناه، كل هذه ألتهم من أجل إتهام ألثوار ألحسنيين بأنهم ليسوا أهلاً للحكم  إذا كان جدهم ألحسن (ع) بهذه الدرجة من الضعف وعدم قدرته على ألحكم، أما ألفئة ألثالثة فللأسف ألشديد هم الكثير من الشيعة المعاصرين ألذين لم يفقه ألكثير منهم أن ألحسن (ع) أقدم على ألصلح لتحقيق أهداف كبيرة وعظيمة وحفظ ألإسلام من إنحراف كبير ومستقبل خطير ومجهول؛ لقد شبه الحسن (ع) صلحه مع معاويه كصلح الحديبية بين رسول ألله (ص) ومشركي مكة، ولكن أغلب معاصري ألشيعة أخذوا يجدون المبررات للإمام ألحسن (ع) في إضطراره للصلح، في حين أستطيع أن أقول وبكل ثقة أن ألأمام ألحسن (ع) أقدم على ألصلح ليس من موقع المضطر، بل لأسباب لم يكشفها في وقتها، وللأسف كانت مواقف أكثر الشيعة المعاصرين منطلقة من الروايات التاريخية المحرفة من قبل مؤرخي السلطة العباسية حيث يصعب الوصول إلى ألحقائق إلا بعملية تحري ألحقائق ما بين سطور ألروايات التأريخية كما سنتطرق إليه أدناه، ولم يكشف ألإمام الحسن (ع) ألأهداف ألحقيقية للصلح في وقتها، ولكن معاوية إكتشف هذه الأهداف بعد ما يقارب العشر سنوات من الصلح، لذلك بادر إلى إغتيال ألإمام الحسن (ع) وأنقلب على جميع شروط الصلح، ولكن إغتيال ألإمام الحسن (ع) وإنقلاب معاوية على شروط الصلح لم تفلح في أيقاف ألأهداف العظيمة وألجبارة التي حققها ألإمام الحسن (ع) لمصلحة ألإسلام والمسلمين كما سنوضحه أدناه.

هناك تشابه كبير بين صلح الحديبية وصلح ألإمام الحسن (ع) كما صرح به ألإمام الحسن (ع) نفسه لذلك سنتناول أوجه التشابه بين الصلحين لمعرفة ألأنجاز العظيم ألذي حققه ألإمام الحسن (ع).

لقد إستقر ألعالم ألإسلامي بعد معركة صفين وقضية ألتحكيم، فصار للمسلمين خليفتين ودولتين، دولة المشرق ألإسلامي عاصمتها الكوفة وتتضمن مكة والمدينة واليمن والبحرين وبلاد فارس، ودولة المغرب الإسلامي وعاصمتها ألشام وتتضمن بيت المقدس ومصر وشمال أفريقيا، إن هذا هو أشبه ما يكون بإستقرار المسلمين في المدينة المنورة والمشركين في مكة بعد معركة الخندق، ولكن المطلوب في ذلك الوقت هو أن يعم ألإسلام كل أرض الجزيرة بما فيها مكة، لذلك كانت المبادرة من رسول الله (ص) فهو الذي تحرك ضمن مخطط إلهي  وإتجه إلى مكة ثم كان صلح الحديبية وكان من تداعياته دخول ألرسول (ص) إلى مكة وتهديمه للأصنام في مكة ونشر ألإسلام داخل مكة وفي كل أرجاء ألجزيرة العربية.

لقد بويع للحسن (ع) بالخلافة في العراق وكانت ألأمور سائرة بإتجاه تكريس ألدولتين، دولة ألإسلام الحق في المشرق ودولة ألإسلام المنحرف في الغرب. لقد تحرك ألإمام ألحسن عليه ألسلام بجيش قوامه بين أربعين إلى مئة ألف مقاتل، لإنهاء وضع الدولتين كما تحرك رسول الله بإتجاه مكة في صلح الحديبية، فأضطر معاوية أن يتحرك بجيش قوامه ستون ألفاً، وعندما ألتقى الجيشان فزع معاوية لعظمة جيش العراق حسب رواية البخاري وروايات أخرى حيث روى البخاري عن أبى موسى قال: (استقبل والله الحسن بن على معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص إنى لأرى كتائب لا تولى حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية ….. أى عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لى بأمور الناس من لى بنسائهم، من لى بضيعتهم فبعث إليه رجلين من قريش من بنى عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه، وقولا له واطلبا إليه) ولم يرغب معاوية بشيء غير أن يبقى كل على وضعه فهذه أكبر آماله وأعظم أمنيته، حيث كان هذا نفس طلبه من علي (ع) في فترة خلافته، لقد أراد معاوية من علي (ع) أن يبقيه والياً على الشام ليس إلاّ، ولكن علي (ع) أصر على خلعه، وقاد جيشاً لحربه في صفين وكان ما كان من حيلة رفع المصاحف ومهزلة التحكيم، وها قد بايع أهل العراق ألإمام الحسن (ع)، وجهز الحسن (ع) جيشاً لقتال معاوية، لقد كان معاوية مستعداً أن يعيد نفس مقترحه للإمام علي (ع) فيبقى والياً على بلاد الشام ويبقى ألإمام الحسن (ع) خليفةً على دولة الإسلام؛ إقترح معاوية على ألإمام ألحسن (ع) ألهدنة والصلح، على أن يبقى معاوية على حكم بلاد ألشام ومصر وشمال أفريقيا وأن يحكم ألإمام ألحسن (ع) ألعراق وألجزيرة وبها مكة وألمدينة وأليمن وبلاد فارس؛ فكل يعيش في دولته ألكبرى براحة وإطمئنان ومن دون إقتتال ومن دون سفك ألدماء؛ وهنا يتجلى منهج أهل ألبيت (ع) بأروع  صوره في ألحفاظ على ألإسلام من ألإنحراف وعلى ألأمة من ألفرقة، حيث كان يعلم ألإمام ألحسن (ع) أن أهل ألشام قد إنحرفوا إنحرافاً كبيراً عن ألإسلام، لقد غير معاوية ألمفاهيم، فأهل بيت ألنبوة بنظر أهل ألشام هم ألخارجين عن ألإسلام، بل أوحى إليهم معاوية أنه هو ألمقصود من عبارة (أهل ألبيت) حيث يشترك مع ألرسول (ص) كونهم من قريش وبألذات من بني عبد مناف؛ وإن علياً (ع) كما كان يزعم لا علاقة له بألإسلام بل كان ألدين ألإسلامي على ألمنهج ألمنحرف لمعاوية أبن أبي سفيان وألذي شرع كسنة وكدين هو سب إلإمام علي (ع) وشتمه على ألمنابر وبعد ألصلاة حيث تواترت ألروايات بهذا ألأمر كما ورد في صحيح مسلم والترمذي ومسند أحمد وألطبري والمسعودي والسيوطي وأبن ألأثير وألعشرات من غيرهم، بحيث تفاجأ أهل ألشام حين سمعوا بمقتله وهو في ألصلاة وتساءلوا “أو كان علي يصلي؟”، لقد بلغ ألإنحراف ألأموي أن ألحجاج ألثقفي يتحدث على ألمنبر متسائلاً {رَسُولُ أَحَدِكُمْ فِي حَاجَتِهِ أَكْرَمُ عَلَيْهِ أَمْ خَلِيفَتُهُ فِي أَهْلِهِ ؟} حيث بلغت بهم ألجرأة وألإنحراف أن منزلة ألخلافة أعلى من منزلة ألنبوة، ومعناه أن منزلة ألخليفة ألأموي أعظم من منزلة رسول ألله (ص)، لقد وردت هذه ألروايات في مسند أبي داوود وإبن كثير وغيرهم من أصحاب ألسير، لقد كان معاوية يستشيط غضباً عند سماعه كلمة (أشهد إن محمداً رسول ألله) في ألأذان كما نقل عن مطرف بن ألمغيرة بن شعبة حيث كان أبيه من أشد ألمعجبين بمعاوية وحين طالبه في آخر عمره أن يحسن إلى ولد عمه من بني هاشم فأجابه إجابة طويلة أهم ما فيها :{هيهات هيهات ،  ………. وان أخا هاشم/ وفي بعض ألنسخ إبن أبي كبشة (وهي مسبة من قبل مشركي قريش حيث كانوا يطلقونها على ألرسول أيام ألجاهلية)  يصرخ به في كل يوم خمس مرات أشهد ان محمداً رسول اللّه. فأي عمل يبقى بعد هذا لا ام لك ، الا دفنا دفناً}؛ وذكر هذه ألحادثة ألكثير من أهل ألسير كألمسعودي وأبن ألأثير وألمدائني وغيرهم؛ إن ألأمة أو بألأحرى نصف ألأمة بهذا ألواقع وبهذا ألمقترح من معاوية سائرة إلى ألإنحراف ألكامل عن ألإسلام وسائرة نحو ألفرقة، فماذا يجب أن يكون موقف ألإمام ألحسن (ع) حيث هو من أهم مصاديق مقولة ألزهراء (جعل ألله ……. طاعتنا نظاماً للملة، وإمامتنا أماناً من ألفرقة)؛ لقد كان جواب ألإمام ألحسن (ع) لمعاوية على مقترحه لتقسيم ألعالم ألإسلامي إلى دولتين جواباً مناقضاً لمقترح معاوية ومفاجأً له حين أجاب [ولكني أدعوك لولاية أمر كافة بلاد ألإسلام ألعراق وألجزيرة وألشام ومصر وغيرها ولكن بشروط]، تفاجأ معاوية بهذا ألرد غير ألمتوقع (وكاد يطير فرحاً) كما جاء بألنص عن إبن عبد ألبر في ألإستيعاب، فأرسل إلى ألحسن (ع)  سجلاً أبيض في أسفله ختم معاوية قآئلاً له اكتب فيه شروطك فكل ما تريد فهو لك  كما ورد في الطبري عن إبن عبد البر وكما ورد عن رواية ألزهري. فوضع ألحسن (ع) شروطه وأهمها [أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. وأن لا يلاحق شيعة آل البيت عليهم السلام.وأن لا يسب أو يشتم عليا عليه السلام.وأنه ليس لمعاوية الحق في نصب أحد للخلافة.وأن لا يدعو الحسن معاوية أميرا للمؤمنين. وعلى معاوية أن يعيد الخلافة إلى الحسن فإن توفي الحسن فإلى الحسين.]، لقد إعترض الكثير من أخلص المخلصين للإمام ألحسن (ع) على الصلح كحجر بن عدي، وعدي بن حاتم، والمسيب بن نجبة، ومالك بن ضمرة، وسفيان بن أبي ليلي، وبشير الهمداني، وسليمان بن صرد، وعبد الله بن الزبير، وأبو سعيد وقيس بن سعد. فقد روى المدائني أن المسيب بن نجية الفزاري وسليمان بن صرد الخزاعي قالا للحسن ( ما ينقضي تعجبنا منك ومعك أربعون ألف مقاتل من الكوفة سوى أهل البصرة والحجاز. فقال الحسن: كان ذلك. فما ترى الآن؟ فقال والله أرى أن ترجع لأنه نقض العهد، فقال: يا مسيب إن الغدر لا خير فيه). ونقل صاحب كشف الغمة عن سفيان بن أبي ليلى قال: أتيت الحسن بن علي حين بايع معاوية فوجدته بفناء داره عنده رهط فقلت: السلام عليك يا مذل المؤمنين فقال عليك السلام يا سفيان انزل فنزلت فعقلت راحلتي ثم اتيته فجلست إليه فقال: كيف قلت يا سفيان: فقلت: السلام عليك يا مذل رقاب المؤمنين . فقال: ما جر هذا منك إلينا ؟ فقلت: أنت والله – بأبي أنت وأمي – أذللت رقابنا حين أعطيت هذا الطاغية البيعة وسلمت الأمر إلى اللعين بن اللعين بن آكلة الأكباد ومعك مائة الف كلهم يموت دونك . وقد جمع الله لك امر الناس . أما قيس بن سعد بن عبادة وكان أحد قواد جيش ألإمام الحسن (ع) فعندما دعاه ألإمام الحسن (ع) للبيعة، فقال قيس بن سعد (حسب رواية أبي مخنف) لما جاء: حلفت أن لا ألقاه الا بيني وبينه الرمح والسيف، (ولكن تلهف معاوية لإتمام ألأمر جعله يقوم بالتالي حسب رواية أبي الفرج ألأصبهاني في مقاتل الطالبيين ) فأمر معاوية برمح وسيف فوضعا على الأرض بينهما ليبرّ بيمينة، وكان قيس قد اعتزل في أربعة آلاف، وأبى أن يبايع فلما سمع بالصلح جاء إلى (مجلس ألإمام الحسن (ع) ومعاوية)، فبايع قيس مكرهاً لكن من دون أن يضع يده في يده بل امتنع من رفعها إليه فنزل معاوية من الكرسي فمسح يده على يد قيس.

لقد طبق معاوية ألكثير من شروط ألصلح لعشر سنوات قبل أن ينقلب عليها بعد إستشهاد ألإمام ألحسن (ع)، وهذا ما كان يهدف إليه ألإمام ألحسن (ع) فقد كانت تلك ألعشر سنوات كافية لتحقيق وحدة ألأمة ألإسلامية وألقضاء على التفرقة وعلى تقسيم ألعالم ألإسلامي إلى دولتين وعلى نشر ألأحاديث ألصحيحة لرسول ألله (ص)؛ كان أهل آلشام قد نشأوا على إسلام معاوية ألمحرف ويجهلون ألكثير حقائق ألإسلام وألكثير من أحاديث ألرسول (ص) ألصحيحة،  أما بعد صلح ألحسن (ع) فقد إستبدل معاوية سياسة سب وشتم ألإمام علي (ع) إلى سياسة مناقضة، فعلى سبيل ألمثال عندما حضر ضرار بن ضمرة ألكناني وهو من ألموالين لعلي (ع) إلى مجلس معاوية ألذي كان يعج بأهل ألشام، سأله معاوية أن يصف عليا عليه‌ السلام فنهض ضرار قائلاً :

(كان ـ علي ـ واللهِ بعيدَ المدى ، شديدَ القِوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلا ، يتفجَّرُ العلمُ من جوانِبِه ، وتنطِقُ الحِكمةُ من نواحيه ، يستوحشُ من الدنيا وزَهرتها ، ويأنسُ بالليلِ ووحشتِه ، غزيرَ العَبرة ، طويلَ الفكرة ، يُعجِبُه من اللِّباس ما قَصُر ، ومن الطعام ما خَشُن. كان فينا كأحدِنا ، يجيبُنا إذا سألناه ، وينبئُنا إذا استفتيناه ، ونحن واللهِ مع تقريبِه إيانا وقُربِه منّا لا نكاد نكلِّمه هيبةً له. يعظِّم أهلَ الدين ويُقرِّب المساكين. لا يطمع القَويُّ في باطله ، ولا ييئَسُ الضعيفُ من عدله ، وأشهدُ لقد رأيتُه في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليلُ سدولَه ، وغارت نجومَه ، قابضاً على لحيته ، يتململُ تململَ السَّليم ، ويبكي بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا غُرِّي غيري ، أبي تَعرَّضتِ أمْ إليَّ تَشوَّقتِ. هيهات هيهات قد باينتُك ثلاثاً لا رجعة لي فيها ، فعُمرك قصير وخطرك حقير. آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.) وعندما سمع معاوية بهذا ألوصف نزفت دموعه حتى بلت لحيته وقال : رحم الله أبا حسن كان والله كذلك، وسأل ضراراً عن حزنه على علي (ع) فأجابه : كحزن من ذبح ولدها في حجرها؛ لقد نقل هذه ألحادثة ألكثير من أهل ألسير  كإبن عساكر وإبن عبد ألبر وأبو نعيم وألمدائني، لقد أراد معاوية بمثل هذه ألأفعال أن يظهر عظيم إمتنانه للإمام الحسن (ع) حينما تنازل له عن الحكم وهو في كامل قوته وقوة جيش العراق، بل ألأمر أكثر من ذلك، فقد كان يعلم معاوية سخط الكثير من ألمقربين للإمام الحسن (ع) عليه بسبب مبادرة الصلح، فكان بكل طريقة يريد أن يظهر تودده وأن يرد الجميل، فما أسهل أن يمتدح علياً (ع) في مجلس عام وفي المقابل ينال الولاية وحكم بلاد ألإسلام من أقصاها إلى أقصاها، تلك البلاد التي كان الحسن (ع) أحق بحكمها لأنها قامت على يد جد الإمام الحسن وأبيه عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام، وها هو ألإمام الحسن (ع) يتنازل عن هذا الحق لصالح معاوية من دون عوض؛ ولكن في نفس الوقت نكتشف أنه قد خفي على معاوية أن كل جهوده في تشويه صورة علي أبن أبي طالب (ع) لفترة تجاوزت ألخمس وعشرون سنة منذ توليه ولاية ألشام حتى صلحه مع ألإمام ألحسن (ع) قد ذهبت إدراج الرياح، بل ساهم هو بنفسه في تعريف أهل ألشام بحقيقة ألإمام علي (ع) وعظيم منزلته؛ أما بألنسبة للأحاديث ألصحيحة لرسول ألله (ص) وألتي كانت محجوبة عن أهل ألشام، فبعد توحيد بلاد ألإسلام فمن ألمعروف أن أهل مكة وألمدينة قد كانوا قريبي عهد برسول ألله (ص) تنتشر بينهم أحاديثه ومواقفه وأفعاله وتقريراته، أما أهل ألكوفة فكانوا معاصرين لعلي أبن أبي طالب (ع) تربوا على يده سمعوا أحاديثه ونقل لهم أحاديث أخيه وأبن عمه رسول ألله (ص) فضلاً عن الكثير من أصحابه وأصحاب رسول ألله (ص) ألذين إستوطنوا ألكوفة ممن نقلوا لهم ما صح من أحاديث رسول الله (ص) وفضل أهل ألبيت (ع)، لقد فتح مخطط ألإمام ألحسن (ع) ألحدود بين ألعراق وألشام وأختلط أهل ألشام وأهل مصر وشمال أفريقيا بأهل ألعراق وأهل مكة وأهل ألمدينة، فأنتشرت ألأحاديث ألصحيحة لرسول ألله (ص) في كافة أرجاء ألعالم ألإسلامي، وعرف أهل ألشام حقيقة أهل بيت ألنبوة وقيمتهم، وإندحر ألإسلام ألمشوه ألذي طرحه معاوية.

لقد أصبح كل ألمسلمين بشيعتهم وسنتهم مدينون في عقائدهم ألإسلامية أليوم لأهل بيت ألنبوة (ع)، بل ولا نبالغ إن قلنا أنه حتى ألصحاح (كصحيح ألبخاري وصحيح مسلم) وألمسانيد وكتب ألسنن ومع قلة ألروايات عن أهل ألبيت (ع) فيها، ولكننا نستطيع أن نقول أن  ألأحاديث ألصحيحة في هذين ألسفرين (ألبخاري ومسلم) بل في جميع كتب ألصحاح وألسنن وألمسانيد مدينون بها لأهل بيت ألنبوة (ع) بشكل عام وللإمام الحسن (ع) بشكل خاص……..

لقد وصف ألإمام الحسن (ع) ألأثر العظيم لصلحه مع معاوية مخاطباً المعترضين وقائلاً (ويحكم! ما تدرون ما عملت. والله للّذي عملت لشيعتي خير ممّا طلعت عليه الشمس أو غربت) وأضاف قائلاً (أما علمتم أنّ الخضر لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران (ع)، إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصواباً؟).

نعم إن قتل الغلام للناظر من الخارج يعتبره جرماً عظيماً بحق والديه، ولكن بالمنظار ألإلهي هو منتهى الرحمة لوالديه، وكذلك صلح ألإمام الحسن (ع) للناظر من الخارج يراه ضرراً على مسيرة الإسلام الحق، ولكنه بالمنظار ألإلهي هو منتهى الرحمة والحكمة والخير لمصلحة ألإسلام والمسلمين.

لقد رد ألإمام محمد الباقر على أحد أصحابه حين شكك بموقف الإمام ألحسن من الصلح قائلاً: (أسكت فإنه أعلم بما صنع لولا ما صنع لكان أمراً عظيماً)، نعم كان يمكن أن يكون أمراً عظيماً جداً، كان من الطبيعي لولا الصلح أن يكون لدينا اليوم إسلامان، إسلام رسول ألله (ص) إسلام ألحق، وإسلام معاوية إسلام الباطل، إسلام الجبرية وألسنة المحرفة، إنها سنة سب أهل البيت بالباطل، وسنة ألأحاديث الموضوعة، وسنة ألجهل بألأحاديث الصحيحة للرسول (ص)، بل لعله كان يمكن أن يقود إلى تحريف كتاب الله ويغدوا مصير ألإسلام كمصير الديانات السابقة المحرفة، ولكن لن يقدر معاوية ولا بني أمية ولا من في ألأرض جميعاً ألوقوف أمام إرادة الله ومشيئة في نصر دينه على يدي سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين عليهم أفضل الصلاة والسلام متمثلاً في حفظ كتابه وحفظ دينه خاتم ألأديان من خلال ظروف طبيعية وموضوعية وليست إعجازية متمثلة بتضحيات عظيمة لأهل بيت النبوة عليهم افضل الصلاة والسلام.

لقد تفاجأ معاوية من مقترح ألإمام ألحسن(ع) حينما طرحه عليه ولم يفقه في وقتها ما كان يخططه ألإمام ألحسن (ع)؛ ولكن بعد عشر سنوات أكتشف معاوية مخطط ألإمام ألحسن (ع) من ألصلح، حيث إنهارت كل مخططاته في طرح ونشر إسلام محرف يكفر أهل ألبيت ويضع فيه ألأحاديث ألمزورة عن رسول ألله (ص) لتعظيم شأنه وألحط من شأن مناوئيه وطرح ألعقيدة ألجبرية في ألرضى بألأمر ألواقع وعدم تغييره؛ فضلاً عن ألأحاديث ألموضوعة في وجوب طاعة ألخليفة وإن كان ظالماً وفاسقاً. لقد تفجر غضبه وحقده على ألإمام الحسن (ع) حينما أكتشف مخططه ألذي أدحض كل جهوده لفترة خمس وعشرين عاماً، وأنعكس هذا الغضب بمواقف حازمة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فقرر إغتيال ألإمام ألحسن (ع) بعد عشر سنوات، فقتله غيلةً بألسم، وأعلن على ألملأ نقضه لصلح ألإمام ألحسن (ع) وقال (إن صلح ألحسن تحت قدمي هاتين)  وأعاد سنة سب وشتم ألإمام علي (ع) على المنابر وقطع عطاء ألموالين لأهل ألبيت (ع) وقتل ألكثير منهم كحجر بن عدي ألكندي وعمرو بن حمق ألخزاعي وغيرهم بعد إستشهاد ألحسن (ع)، ولكن لم تفلح كل جهوده تلك لتغيير الواقع مرة أخرى فلات حين مناص، ولكنه مع ذلك تمادى في الغي وأوصى بألخلافة إلى أبنه يزيد، بل قتل أم ألمؤمنين عائشة وأخيها عبد ألرحمن بن أبي بكر غيلةً بسبب إعتراضهم على تولية إبنه يزيد كما ذكره إبن كثير وبعض أصحاب ألسير، ولكن هذا ألإنقلاب من معاوية لم يكن قادراً على إيقاف ألأهداف ألتي حققها ألإمام ألحسن (ع) في نشر ألإسلام ألصحيح ألضامن للنظام ألذي أراده ألله  في كافة ألبقاع ألإسلامية في ذلك الوقت وتوحيد ألأمة ألإسلامية فكان ذلك  بحق كما وصفته ألزهراء ألبتول نظاماً للملة وأماناً من ألفرقة بين ألمسلمين .

البحث المقدم الى مؤتمر الزهراء (ع) فقرتان من خطبة الزهراء (ع) [ الجزء الخامس/ مواقف الحسين والسجاد والباقر والصادق عليهم السلام تجاه قضايا الاسلام الكبرى]؛

 

دور ألإمام ألحسين(ع) في تحقيق ألهدف ألخامس في ألحفاظ على ألأمة من ألفرقة وتحقيق ألهدف ألأول وألثاني في ألحفاظ على كتاب ألله من ألتحريف وسنة رسول ألله(ص) من ألتزوير:

وأستمر هذا ألنهج ولكن بمواجهة من نوع آخر حين شعر ألحسين (ع) أنه لا توجد وسيلة لأيقاف ألمخطط ألأموي في تحريف ألإسلام بل لعله حتى تحريف ألقرآن إلا بألتضحية بنفسه وعائلته، فكانت ثورته ألعظمى ألتي كشفت حقيقة بني أمية وظلمهم  وكسب أهل ألبيت (ع) قلوب ألمسلمين جميعاً بإستشهاد ألحسين (ع)، وأسقط ألحسين (ع) بإستشهاده ألكثير مما سنه بني أمية من سنن باطلة ومنحرفة عن ألإسلام وأمتد تأثيره حتى إلى داخل ألبيت ألأموي حيث أعلن معاوية إبن يزيد (معاوية ألثاني) أن جده معاوية قد نازع ألأمر أهله، وأن أبيه يزيد قتل ألحسين (ع) سبط ألرسول ظلماً كما ورد عن إبن حجر في صواعقه ألمحرقة، وأنه لن يتولى أمر ألخلافة وطالب بإرجاع ألأمر إلى أهله فقيل أنه قتل بالسم أو طعناً بعد أربعين يوماً ؛ كما إن ألخليفة عمر أبن عبد ألعزيز قد أوقف سنة سب ألإمام علي (ع) على ألمنابر  وبعد ألصلاة وأستعاضها بقوله تعالى { إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ وَإِيتَآءِ ذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ألتي بقيت كسنة سارية حتى يومنا هذا، لقد سحب ألحسين (ع) ألشرعية من ألحكم ألأموي؛ وتداعى على أثر إستشهاده رفض ألمسلمين لحكم بني أمية وقامت عشرات ألثورات ضدهم من ثورة ألمدينة ألمنورة وواقعة ألحرة إلى ثورة عبد ألله ألزبير في مكة إلى ثورة سليمان بن صرد ألخزاعي إلى ثورة ألمختار ألثقفي إلى ثورة زيد إبن علي إلى ثورة يحيى أبن زيد وعدة ثورات أخرى في ألأهواز وألبصرة وخراسان وألحجاز وفلسطين وحمص وأليمن وأذربيجان  وشمال أفريقيا حتى تجاوز عددها ألثلاثون ثورة حتى ضعفت ألدولة ألأموية بشكل كبير وتم أسقاط ألدولة ألأموية في ألشام بكل سهولة بعد سبعة عقود من إستشهاده، فتم ألقضاء على مخططات ألأمويين في ألإنحراف ألكامل عن ألإسلام وطمس حقيقة أهل ألبيت (ع)، فأصبح ألمجال متوفراً لكل مسلم على وجه ألأرض في يومنا هذا ألوصول إلى حقيقة أهل ألبيت (ع) وبألتالي حقيقة ألإسلام من خلال كتب  ألحديث سواء كانت تحسب على مدرسة ألإمامة أو مدرسة ألخلافة، وهكذا بسبب مخططات ألأئمة من أهل بيت ألنبوة (ع) توفرت ألإمكانية لكافة ألمسلمين أن يتوحدوا في متبنياتهم ألفكرية لكل من كان صادقاً مع نفسه.

 

مخطط ألإمامين علي زين ألعابدين (ع) ومحمد ألباقر في تحقيق ألهدفين ألثالث والرابع:

حيث إستخدم ألإمام علي زين ألعابدين (ع) إسلوب ألدعاء في صحيفته السجادية في توضيح ألكثير من ألمفاهيم ألإسلامية   بما أوتي من بلاغة فريدة، وقدرة فائقة على أساليب التعبير العربي، وذهنية ربانية تتفتق عن أروع المعاني وأدقها في تصوير صلة الإنسان بربه، ووجده بخالقه، وتعلقه بمبدئه ومعاده، وتجسيد علاقة ألإنسان بألإنسان بما يعبر عنه من قيم خلقية وحقوق وواجبات، فضلاً رسالته ألرائعة (رسالة الحقوق) وما تمثله من منهج إسلامي قانوني شامل وعميق وجامع، وتشمتل على شبكة علاقات الإنسان الثلاثة، مع ربِّه ونفسِه ومجتمعه وترسم حدود العلائق والواجبات بين الإنسان وجميع ما يحيط به.حيث وضعت المناهج الحيّة لسلوك الإنسان، وتطوير حياته، وبناء حضارته، على أسس ألفهم وألأستيعاب الشامل للدين ألإسلامي و تمثل دائرة معارف إسلامية كبرى من حيث تعدد جوانبها و تنوع مضامينها. ولم يتخذ ألإمام زين ألعابدين(ع) تجاه ألدولة ألأموية ألتي قتلت أباه ألإمام ألحسين (ع) وسبت أهل بيته موقفاً سلبياً ومتفرجاً، بل حتى وإنه وإن كان مجرداً من ألسلطة فإنه كان يشعر بمسؤوليته عن هذا ألدين ألذي جاء به جده رسول ألله (ص) وهذه ألدولة ألتي أسسها ألرسول (ص) وجعله ألله وصياً عليها في عصره، ويتجلى ذلك في مجموعة من إنجازاته كدعائه لأهل ألثغور وألكثير من الحقوق العامة في رسالته للحقوق؛ فضلاً عن موقفه أدناه من ألحادثة ألتالية : حيث أن ألخليفة ألأموي عبد الملك بن مروان، حينما اصطدم بملك الروم وهدده الملك الروماني باستغلال حاجة المسلمين إلى استيراد نقودهم من بلاد الرومان لإذلال المسلمين وفرض الشروط عليهم، وقف عبد الملك متحيراً وقد ضاقت به الأرض كما جاء في الرواية وقال :أحسبني أشأم مولود ولد في الإسلام. فجمع أهل الإسلام واستشارهم فلم يجد عند أحد منهم رأياً يعمل به .فقال له القوم : إنك لتعلم الرأي والمخرج من هذا الأمر !فقال : ويحكم من ؟ قالوا : الباقي من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله  ، قال صدقتم، وهكذا كان.فقد فزع إلى الإمام زين العابدين : فأرسل عليه السلام ولده محمد بن علي الباقر إلى الشام وزوده بتعليماته الخاصة، فوضع خطة جديدة للنقد الإسلامي، وأنقذ الموقف .

  موقف ألإمام جعفر الصادق (ع) في تحقيق ألهدفين الثاني والثالث على المستوى ألإسلامي العام ومستوى الموالين لأهل بيت النبوة عليهم أفضل الصلاة والسلام :

لقد إقتصر عصر ألنص بألنسبة للمسلمين بشكل عام إلى ثلاث وعشرون سنة منذ ألبعثة حتى وفاة ألرسول ألأعظم (ص) أو بألأحرى إلى وفاة ألإمام جعفر ألصادق سنة ١٤٨ هجرية حيث هناك ألكثير من ألأحاديث ألتي رفعت إلى  ألإمام ألصادق (ع) مما إتفق عليه أصحاب ألمدرستين، مدرسة ألخلافة ومدرسة ألإمامة  على إعتبار إن حديثه هو حديث رسول ألله (ص) كما روى عنه محمّد بن إسحق، ويحيى الأنصاري، ومالك بن أنس، وسفيان ألثوري وسفيان بن عيينة، وابن جريح، وشعبة، ويحيى القطّان، وآخرون، أما بالنسبة لمدرسة ألإمامة فقد إمتد عصر ألنص إلى أكثر من ثلاثة قرون من وفاة ألرسول (ص)، ؛ لذلك كان من ألطبيعي أن تكون مدرسة أهل بيت ألنبوة غنية بعشرات ألألوف من ألأحاديث ألصحيحة، فكتبت في ذلك ألعصر المصنفات ألأربعمائة أو ما يسمى ألأصول ألأربعمائة وهي تفوق ألصحاح في صحتها بمراحل لأن ألأصل نقل عن ألمعصوم مباشرةً من دون واسطة وليس نقلاً عن و عن، ولكن للأسف تم إتلاف ألكثير منها وإندثارها بسبب ألإضطهاد وبألذات في فترة إحتلال إلسلاجقة لبغداد، ولكن جمعت ألكثير من الروايات عن تلك ألأصول في ألكتب ألأربعة، ألكافي للكفعمي وإلإستبصار وألتهذيب للشيخ ألطوسي  ومن لا يحضره ألفقيه للشيخ ألصدوق، فألكافي للكفعمي نجد به على سبيل ألمثال أكثر من (١٦،٠٠٠) حديث، و ألفت في فترات لاحقة موسوعات حديثية وروائية أخرى، حيث نجد أن موسوعة  بحار ألأنوار للمجلسي بها أكثر من (١٠٠،٠٠٠) حديث ولو إفترضنا أن ثلثي ألأحاديث غير صحيحة ومكررة فتبقى نسبة ألأحاديث الصحيحة لأتباع أهل ألبيت بحدود ألضعفين إلى ثلاثة أضعاف مما يمتلكه غيرهم.