السياسة النقدية بين الدكتور سنان الشبيبي والسيد علي العلاق (الحلقة الثانية)

Money 2

السياسة النقدية  بين الدكتور سنان الشبيبي والسيد علي العلاق

(تتمة الرد على رسالة السيد علي العلاق محافظ البنك المركزي – الحلقة الثانية)

سأدون هذا الموضوع بصراحة تامة وسأتطرق إلى إنجازاتكما كليكما وإخفاقاتكما من دون مجاملة، ولذلك أطلب مرة أخرى من كليكما التعامل بروح رياضية مع ما سأقوله بهدف الوصول إلى وضع الأسس الصحيحة للتخطيط لسياسة إقتصادية سليمة لتلافي الآثار السلبية لما سيواجهه البلد من ظروف إقتصادية صعبة بسبب قلة الموارد وكثرة الإلتزامات في هذه المرحلة العصيبة من أجل النهوض بألبلد وإنقاذ المواطن من معاناة كبيرة بدت تبرز ملامحها، بل وضع السياسات التي يمكن أن تنعش حياة المواطنين وتجعلهم يعيشون في رغد من ألعيش وسعادة ورخاء، وتجعل الوطن متجهاً نحو التقدم والتطور والإزدهار، وذلك ليس ببعيد، فدول  في المنطقة مثل ألأردن ولبنان وتركيا تبرز فيها معالم التطور والتقدم والإزدهار مع العلم إن هذه الدول لا تمتلك حكوماتها عشر ما يمتلكه العراق من موارد طبيعية كتركيا مثلاً بل أقل من واحد بالمئة من الموارد الطبيعية لما يمتلكه العراق بالنسبة لما تمتلكه ألأردن ولبنان، كل ذلك يرجع إلى وضع السياسات الإقتصادية والنقدية الصحيحة للبلد من دون هدر أو فساد أو تبذير، وحتى وإن وجد بعض الفساد فلا يمكن مقارنة ذلك بما يحدث في العراق.

(السياسة النقدية للدكتور سنان الشبيبي)

يرجع الفضل الكبير لكثير من جوانب التطور في النظام المصرفي العراقي والسياسة النقدية في يومنا الحالي إلى الدكتور سنان الشبيبي مع وجود إخفاقات يجب التطرق إليها كما سنتناوله أدناه.

إن اكبر إنجاز حققه الدكتور سنان الشبيبي هو إنشاء نظام مصرفي متطور أستطيع أن أقول من نقطة الصفر لنظام إقتصادي حر مع فتح المجال لقيام مجموعة من المصارف ألأهلية وتصريف العملة بشكل حر وحرية التحويل وفتح الإعتمادات والمقاصة الألكترونية ضمن سوق مفتوح مقارنة بألنظام المصرفي المركزي الإشتراكي السابق، لقد تمثلت السياسة النقدية التي وضعها الدكتور الشبيبي  بستة محاور مهمة سنتناولها أدناه، وهي:

  1. الحفاظ على سعر ثابت للعملة مقارنة بالمرحلة السابقة التي كانت العملة فيها تتدهور قيمتها يوماً بعد يوم من دون وجود محددات، لقد ثبت سعر العملة بمقدار مقارب ل(١٥٠٠) دينار للدولار الواحد عام (٢٠٠٣) بعد أن كان ما يقارب (٣٠٠٠) دينار للدولار الواحد وبقي هذا السعر ثابتاً حتى عام (٢٠٠٦)، حيث تم رفع سعر  الدينار بالتدريج حتى بلغ الدولار أقل من (١٢٠٠)، لقد كان لهذا الصعود الثاني للدينار العراقي آثار سلبية على الصناعة والزراعة في العراق، فغدت المنتجات الزراعية والصناعية لدول الجوار أرخص من مثيلاتها في العراق، لقد تحدثت مع الدكتور سنان الشبيبي بهذا الشأن فكان جوابه لي أنه مسؤول عن السياسة النقدية، أما تبعات مستلزمات النهوض للقطاع الصناعي والزراعي فهو يقع ضمن السياسة  الإقتصادية للبلد وليس ضمن السياسة النقدية، والسياسة الإقتصادية للبلد يجب أن توضع من قبل الحكومة، وليس هنالك من وجود في العراق لمفهوم ألسياسة ألإقتصادية للبلد خلال الفترة السابقة وبالذات الثمان سنوات لحكم المالكي بل حتى الآن، بل إن رفع قيمة الدينار كان بتوجيه من الحكومة إلى البنك المركزي من دون دراسة او تخطيط أو تقدير للنتائج، قد يقبل هذا التبرير بشكل جزئي ولكن كما هو معلوم أن السياسة النقدية مترابطة بالسياسة المالية والإقتصادية، والتأثير السلبي على القطاع الزراعي والصناعي من بديهيات السياسات النقدية والإقتصادية، وهذه النقطة تحسب على الحكومة التي أتخذت هذا الإجراء، وكنت أنا جزءً من الحكومة وقد إعترضت في وقتها على هذا الإجراء، ولكن (لا رأي لمن لا يطاع) حيث كنت وزيراً للإتصالات ولا يأخذ برأيي في جانب السياسة النقدية، ولكن مع هذا نجح الدكتور سنان الشبيبي في الحفاظ على سعر الدينار العراقي، وزادت الثقة العالمية والمحلية بالدينار العراقي، وهذه كلها جوانب أيجابية لولا إجراء رفع سعر الصرف للدينار عام ٢٠٠٦-٢٠٠٧ والذي تتحمل الحكومة المسؤولية ألأكبر على هذا الإجراء فضلاً عن مسؤولية الدكتور سنان الشبيبي ولكن بدرجة أقل.
  2. إتخاذ سياسة لإيجاد وتأمين إحتياطي البنك المركزي كغطاء للعملة العراقية من العملات الأجنبية والذهب والمحافظة عليه، لقد إستطاع الدكتور سنان الشبيبي توفير مبالغ تجاوزت الثمانين مليار دولار كإحتياطي وغطاء للدينار العراقي خلال تسع سنوات من توليه إدارة البنك المركزي، وهذا يعتبر من أهم إنجازات الدكتور سنان الشبيبي على الإطلاق،  لقد تم للأسف الشديد هدر ما يقارب نصف هذا المبلغ بسبب السياسات غير المدروسة خلال السنتين السابقتين.
  3. إتخاذ الإجراءات الضرورية من أجل إنشاء منظومة مصارف أهلية عراقية، حيث كان القطاع المصرفي العراقي يغلب عليه المصارف الحكومية ولا وجود للمصارف الأهلية إلا على مستوى ضيق ومحدود، المشكلة في العراق ليس أفتقادهم للخبرات في هذا المجال فحسب، بل عدم وجود رؤوس أموال عراقية كافية لإنشاء مصارف أهلية، فكانت سياسية الدكتور سنان عدم الطلب إبتداءً برأس مال كبير لإنشاء المصرف، وقام المصرف المركزي بمساعدة المصارف الأهلية للنهوض ولتحقيق أرباح وذلك برفع نسبة الفائدة المصرفية، ونشأت عشرات المصارف الأهلية الجديدة، ولولا إتخاذ هذه الخطوات لما كان في الإمكان نشوء مصارف عراقية بملكية عراقية، بل كان من الطبيعي أن تنشأ فروع في العراق لمصارف غير عراقية، ويعود الفضل في ذلك للدكتور سنان الشبيبي، فضلاً عن ذلك فقد أدت سياسته إلى توليد ثقة بالمصارف ألأهلية العراقية فبدأ الناس يودعون أموالهم فيها وبفوائد عالية وهم واثقون منها خلال عهده.
  4. ألحفاظ على سعر تصريف موحد بين سعر التصريف الرسمي للبنك المركزي وسعر التصريف الموازي لسوق العملة خارج المصرف المركزي مع فرق عمولة بسيطة تحسب بشكل طبيعي للمصرف كما هو في دول العالم المختلفة، لقد إستطاع الدكتور سنان الحفاظ على هذا الواقع منذ توليه للمسؤولية عام ٢٠٠٣ حتى أواسط عام ٢٠١١ حيث زاد الطلب بشكل غير طبيعي على الدولار بسبب الحصار الذي فرض على أيران وبسبب الأحداث الدموية في سوريا، لقد كان المطلوب من إدارة البنك المركزي أن توفر الدولار حسب حاجة السوق لئلا يستفاد المضاربون ومن لهم سلطة من السياسيين ومن يدفعون الرشاوي العالية للحصول على أكبر نسبة من الدولارات لتصريفها في بالسعر الموازي خارج البنك المركزي بأرباح كبيرة، وهذه الأرباح تحسب على حساب المواطن، فيشتري الفاسدون من السياسيين ومن هو محسوب عليهم الدولار بسعر قليل من البنك المركزي ، ثم يبيعوه بسعرٍ عالٍ في السوق الموازي للعملة، ثم يشتريه التجار بسعر عالٍ، فيضاف الفرق على مختلف المواد المستوردة، فيستفيد السياسيون ومن يدور في فلكهم على حساب المواطن، لقد أخبرني الدكتور سنان أن هناك توصيات من قبل بعض  أصحاب القرار العاملين في البنك أن لا يزيد العرض ولكنه طلب مني أن لا أذكر أسماءهم، وإني ألتزم بطلبه فلا أذكرهم، ولكن الدكتور سنان كان يريد أن يلغي هذا الفارق فيتوحد السعر مرة أخرى، ولكن نشأت خلال بضعة أشهر فئة إغتنت غنىً كبيراً بسبب هذا الفرق، فسعوا لإسقاط الدكتور سنان وإخراجه من البنك، وكان المالكي يرغب بإخراجه لأنه لم يستجب له بشأن القرض الذي طلبه من إحتياطي البنك المركزي، فإجتمعت رغبة الفريقين ولفقت تهم باطلة بحق الدكتور سنان الشبيبي تمت تبرئته منها لاحقاً، إن عدم وجود سعرين للدولار على الأقل خلال فترة ثمان سنوات تعتبر ميزة كبرى وإنجاز متميز لسياسة الدكتور سنان الشبيبي.
  5. السيطرة على التضخم (Inflation) حيث وصل التضخم إلى أكثر من (٥٣٪) عام ٢٠٠٦، وإستطاع الدكتور سنان بسياسته الحكيمة الهبوط بالتضخم إلى أقل من  (٣٪) عام ٢٠١٠ .
  6. دور المتابعة والتنفيذ لمقررات نادي باريس، إن نادي باريس حقق أعظم إنجاز إقتصادي ومالي للعراق خلال تاريخه المعاصر، حيث كان العراق يرزح تحت كاهل كبير من الديون بلغ حوالي (١٤٠)  مليار دولار، لقد إستطاع الثلاثي الدكتور أياد علاوي كرئيس للوزراء وألدكتور عادل عبد المهدي كوزير للمالية والدكتور سنان الشبيبي كمحافظ للبنك المركزي التحاور مع كثير من الدول التي كانت لديها ديون باهضة  بحق العراق إلى التنازل بمقدار حوالي ٨٠٪   من تلك الديون، أي إنهم إستطاعوا توفير مبلغ  أكثر من (١٠٠) مليار دولار، للأسف تذكر الآن السرقات الكبرى، ولكن لا يتم التطرق للإنجازات الكبرى التي تعادل السرقات في أهميتها ولكن بشكل معاكس، صحيح إن دور الدكتور سنان الشبيبي لم يكن سياسياً حيث كان للدور السياسي الفعل الأكبر في إسقاط هذا المقدار من الديون الكبيرة على العراق متمثلاً بالدكتور أياد علاوي بالدرجة الأولى والدكتور عادل عبد المهدي بالدرجة الثانية ومن ثم الدكتور سنان الشبيبي كمتابع وتنفيذي لهذه المقررات، يجب أن لا ينسى الشعب العراقي ما حققه هذا الثلاثي من خدمة كبيرة جداً للوطن وللمواطن، وهو نقيض ما سرقه السياسيون اللاحقون من أموال هذا الشعب المستضعف.

(سنتناول في الحلقة القادمة السياسة النقدية للسيد علي العلاق محافظ البنك المركزي الحالي)