هل أخرج رسول ألله (ص) السلفيين من القاعدة وداعش وغيرهم من دائرة الإسلام ؟

%d8%af%d8%a7%d8%b9%d8%b4-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%b3%d9%86%d8%a9

أدناه الجزء الثالث من كتاب (داعش ومستقبل العالم ) لمؤلفه : عبد الرحمن البكري ؛ حيث يثبت الكاتب بشكل لا يقبل النقاش أن رسول ألله (ص) قد أشار في عشرات بل مئات من الأحاديث الصحيحة الواردة في البخاري ومسلم وغيرها من كتب الحديث إلى هذه الفئة الضالة والمنحرفة أنهم خارجون عن الإسلام وإن ألرسول (ص) لو أدركهم لقتلهم قتل عاد وثمود  

نبوءة الرسول الأعظم (ص)

إن من أعظم مصاديق نبوءة الرسول (ص) هو إخباره عما كشفه الله له من أمور الغيب، لذلك ترى القرآن يزخر بذلك النمط من الآيات في كشف بعض أمور الغيب بشكل إجمالي وأحياناً بشكل تفصيلي.

كما أن الرسول (ص) قد تحدّث لأمته عن كثير مما سيحدث لها ومما ستلاقيه في المستقبل، وكتب الحديث تزخر بهذا النمط من الأحاديث.

ولو تتبعنا الأحاديث الواردة في هذا الشأن فإننا نجد ثلاثة أنماط من الأحاديث التي تدعو للتأمل، وعلى الأخص بعد عرضها على واقع ومسار الحركة السلفية الوهابية بشكل خاص، وأهل نجد بشكل عام.

أما هذه الأصناف الثلاثة فهي:

الصنف الأول: الأحاديث الواردة بحق قوم في آخر الزمان

أ ـ       أخرج البخاري في كتاب (المناقب) في حديث رقم 3611، في باب علامات النبوة (سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة).

ب ـ     وورد في (صحيح) مسلم في كتاب (الزكاة) حديث رقم 1606، في باب التحريض على قتال الخوارج، الجزء الثاني، ص 748 (يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، يقرأون القرآن يحسبونه أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز قراءتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم لاتكلوا على العمل)، وأخرج هذا الحديث أبو داوود في كتاب السنة في باب التحريض على قتل الخوارج، حديث (رقم 4768).

ج ـ     وورد في صحيح الترمذي في أبواب الفتن، الجزء التاسع، ص 37، في باب صفة المارقة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (ص) (يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يقولون من قول خير البرية يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية).

د ـ      وورد في (مسند) الإمام أحمد بن حنبل في الفتح الرباني في باب ذكر الخوارج في الجزء 24 صفحة 19، عن سويد بن غفلة قال: قال علي (رض) إذا حدثتكم عن رسول الله (ص) حديثاً لئن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم عن غيره فإنما أنا رجل محارب والحرب خدعة، سمعت رسول الله (ص) يقول: (يخرج في آخر الزمان أقوام أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم عند الله يوم القيامة).

هـ ـ     وورد في (كنز العمال)، حديث رقم 30949 عن الرسول (ص) قال: (سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة) للاطلاع على المزيد من الأحاديث المشابهة راجع الهامش(1).

الصنف الثاني: الأحاديث الواردة بحق قوم يقطنون شرق المدينة بشكل عام… وبحق أهل نجد بشكل خاص

أ ـ       أخرج البخاري في كتاب الفتن عن ابن عمر حديث رقم 6716 قال: (ذكر النبي (ص): اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا يا رسول الله وفي نجدنا، فأظنه قال في الثالثة: هنالك الزلازل والفتن وبها يطلع قرن الشيطان).

ب ـ     وروى مسلم في صحيحه عن ابن عمر حديث رقم 5302، يقول: (سمعت رسول الله (صلى الله عليه) وسلم يشير بيده نحو المشرق ويقول: ها إن الفتنة ها هنا، ها إن الفتنة ها هنا ثلاثاً حيث يطلع قرن الشيطان).

ج ـ     وأخرج أحمد بن حنبل في مسنده، الجزء الثاني، ص118، عن ابن عمر أن النبي (ص) قال: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك في يمننا، قالوا: وفي نجدنا، قال: اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا، قالوا في نجدنا، قال: هنالك الزلازل والفتن، منها، أو بها، يطلع قرن الشيطان). وورد في المسند أيضاً حديث رقم 6723، كما أخرج نعيم بن حماد في الفتن حديث رقم 1496 عن عبد الله بن عمرو: (سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما خرج منهم قرن قطع كلما خرج منهم قرن قطع حتى عدها زيادة على عشرة مرات، كلما خرج منهم قرن قطع حتى يخرج الدجّال في بقيتهم).

ج ـ     أخرج الترمذي في (المناقب) وأخرج أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر، حديث رقم 4552، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن، واشراط الساعة، حديث رقم 5301: (قال النبي (ص) وهو مستقبل المشرق يقول: رأس الكفر من ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان).

د ـ      أخرج ابن ماجة في سننه، حديث رقم 173، عن ابن عمر عن رسول الله (ص): (ينشأ نشأ يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما خرج قرن قطع، قال ابن عمر سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كلما خرج قرن قطع أكثر من عشرين مرة حتى يخرج في عراضهم الدجّال). كما أخرج الحاكم في المستدرك عن ابن عمرو أيضاً، حديث رقم 8635، أنه سمع رسول الله(ص): (سيخرج أناس من أمتي من قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما خرج منهم قرن قطع حتى يخرج الدجّال في بقيتهم). وأخرج الحاكم أيضاً في المستدرك، الجزء الثاني، ص 147 قال (ص): (يخرج من قبل المشرق قوم كان هديهم هكذا يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق كمرق السهم من الرمية ثم لا يرجعون إليه، ووضع يده على صدره، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم فإذا رأيتموهم فاقتلوهم).

هـ ـ     أخرج مسلم في صحيحه، حديث رقم 52 قوله (ص): (رأس الكفر نحو المشرق) وفي رواية (الإيمان يمان والكفر من قبل المشرق)، وفي رواية (غلظ القلوب والجفاء في المشرق والإيمان في أهل الحجاز).

و ـ      أخرج مالك في (الموطأ) الجزء الثاني، ص 975 عن ابن عمر: (رأيت رسول الله (ص) يشير إلى الشرق ويقول ها إن الفتن ها هنا إن الفتنة من حيث يطلع قرن الشيطان)، وفي رواية (يشير الرسول إلى المشرق ويقول ها هنا يطلع قرن الشيطان كلما قطع منه قرن نجم قرن).

ز ـ     وورد في (مسند الشاميين) للطبراني، حديث 2694، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: (وشر أقوام بالمشرق كلما نشأ قرن قطع قرن حتى يخرج في أعراضهم الدجّال).

ح ـ     وورد في (مسند الطيالسي) حديث رقم 2397، عن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) قال لقد سمعت رسول الله (ص) يقول: (يخرج ناس من قبل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما قطع قرن نشأ قرن كلما قطع قرن نشأ قرن كلما قطع قرن نشأ قرن ثم يخرج في بقيتهم الدجّال). للاطلاع على المزيد من الأحاديث المشابهة راجع الهامش(2).

الصنف الثالث: الأحاديث الواردة بحق ذي الخويصرة التميمي

…فقد ورد هذا الحديث بعدة طرق عن حادثة واحدة ولكن بلفظين… الأول يذكر الواقعة مع الاسم (أي ذي الخويصرة التميمي) والثاني حيث يذكر الواقعة وصفة الشخص من دون ذكر الاسم مع اختلاف بسيط في اللفظ.

حيث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي وابن حبان والبيهقي وآخرون عن أبي سعيد الخدري وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن محمد بن علي بن حسين وعن عبد الله بن أبي نجيح وعن أبي بزرة الأسلمي.

(يمكن مراجعة اللفظ الأول للحديث في الهامش رقم (3) واللفظ الثاني للحديث بالتفصيل أيضاً في الهامش رقم (4))، وقد أخذنا أدناه باللفظ الثاني للحديث مع ذكر الاسم (بينما نحن عند رسول (ص) وهو يقسم قسماً أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من تميم، غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناثئ الجبين، كث اللحية محلوق، قال اتق الله يا محمد فقال: فمن يطع الله إن عصيته أنا؟ أيأمنني أهل السماء ولا تأمنوني، فاستأذنه عمر، رحمه الله في قتله، وفي الوجه الآخر، خالد بن الوليد، فمنعه، فلما ولى قال: إن من ضئضئ هذا قوماً، وفي لفظ آخر، يخرج في آخر الزمان قوم كان هذا منهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، سيماهم التحليق، لايزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجّال، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شرّ الخلق والخليقة، وفي لفظ آخر، والله لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد).

وقد أخرجه البخاري في الصحيح عن محمد بن كثير، وأخرجه مسلم من وجه آخر عن سعيد بن مسروق، والوجه الآخر رواه البخاري أيضاً في الصحيح عن أبي اليمان وأخرجاه من أوجه أخرى عن أبي سلمه والضحاك والهمداني عن أبي سعيد.

وقد أثبت ابن شبه المتوفى سنه 262 هجرية في كتابه (تاريخ المدينة المنورة) الذي ذكر الحادثة من دون الاسم أن المتحدث هو من بني تميم حيث أورد الحديث في باب (وفد بني تميم، ص 533 /541 الجزء الثاني/ دار التراث، بيروت).

وقد أثبت ارتباط هذين الحديثين أيضاً، الحافظ الإمام جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي البغدادي المتوفى سنة 597 في كتابه (تلبيس إبليس).

العناصر الأساسية في الأصناف الثلاثة من الأحاديث

ونستطيع أن نثبت العناصر المشتركة والأساسية في الأحاديث الآنفة الذكر:

1 ـ     سيكون هؤلاء القوم في آخر الزمان.

2 ـ     يقولون من قول خير البرية ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم، يحسنون القيل ويسيئون الفعل.

3 ـ     يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز قراءتهم حناجرهم يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء.

4 ـ     ليست صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم وصلاتهم أكثر من صلاتكم.

5 ـ     سيماهم التحليق.

6 ـ     يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون إليه، هم شر الخلق.

7 ـ     حداث الأسنان سفهاء الأحلام.

8 ـ     رفض الرسول (ص) أن يبارك لأهل نجد كمباركته لأهل اليمن والشام والحجاز وإشارته إلى شرق المدينة وقوله (ص) إن الفتن والزلازل ورأس الكفر في المشرق وفي نجد وإنهم غلظ القلوب والجفاء.

9 ـ     في نجد يطلع قرن الشيطان، كلما قطع منه قرن نجم قرن حتى يطلع الدجّال في بقيتهم.

10 ـ   إن هذه الفئة من بني تميم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم.

11 ـ   يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان.

12 ـ   إذا رأيتموهم أو إذا خرجوا فاقتلوهم فطوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه وإن أدركهم الرسول (ص) لقتلهم قتل عاد أو قتل ثمود.

وهكذا فإننا نجد أن هناك ثلاثة أصناف من الأحاديث يمكن ربطها بالحركة السلفية الوهابية. ولكن لا يمكننا أن نزعم ذلك قبل حل عدة إشكالات واعتراضات قد تنفي مثل هذا الاحتمال أو هذه الإمكانية. وهذا ما سنتناوله بالتفصيل في بحثنا أدناه.

الاعتراض الأول هو أن هذه الأحاديث واردة بحق الخوارج

والخوارج فئة معروفة منذ أول التاريخ الإسلامي بمروقها من الدين. وهناك أحاديث واضحة جداً في تعريف الخوارج بهذه الصفات وعلى الأخص في إخبار الرسول (ص) لعلي (رض) بأنه سيقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين. وقد أجمع الرواة والمفسرون على أن هؤلاء المارقين هم الخوارج المعروفون بقتالهم لعلي (رض) وقتلهم له. ومما يزيد التأكيد في أن هذه الأحاديث واردة بحق الخوارج هو ذكرها في كتب الحديث من الصحاح وغيرها تحت باب الخوارج. وقبل مناقشة هذه الاعتراضات نحب أن نتطرّق إلى التشابه بين الخوارج والسلفيين الوهابيين.

1 ـ     شعار الخوارج (لا حكم إلا لله) وهي كلمة حق يراد بها باطل، وشعار السلفيين الوهابيين (لا دعاء إلا لله)، وهي كلمات حق يراد بها باطل في تكفير المسلمين واتهامهم بالشرك.

2 ـ     الخوارج متصلبون في الدين متورعون حتى عن التقاط تمرة من الطريق، وكذلك الوهابيون السلفيون في تصلبهم وورعهم حتى عن استعمال التلغراف في الماضي والسروال الذي يلامس الحذاء في الحاضر.

3 ـ     الخوارج كفّروا المسلمين واستحلّوا دماءهم وأموالهم وكذلك هم السلفيون الوهابيون.

4 ـ     الخوارج استندوا في شبهتهم إلى ظواهر بعض الآيات والأدلة التي زعموا فيها أن مرتكب الكبيرة كافر كاستناد الوهابيين السلفيين إلى ظواهر بعض الآيات التي زعموا فيها أن طالب الشفاعة من الأنبياء والرسل مشرك.

5 ـ     الخوارج لا يبالون بالموت لأنهم بزعمهم ذاهبون إلى الجنة وكذلك يزعم السلفيون اليوم عند قيامهم بالعمليات الانتحارية.

6 ـ     إن الخوارج يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان وكذلك فإن أكثر قتلى السلفيين هم من المسلمين.

ونعود مرة أخرى إلى الاعتراض في انطباق هذه الأحاديث على الخوارج. والحقيقة أننا لو راجعنا هذا الصنف من الأحاديث فسنجد أن هذه الأحاديث يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أصناف:

1 ـ     الصنف الأول يذكر وبشكل صريح وجلي أن هؤلاء المارقين هم الخوارج الذين قاتلوا علياً (رض) واستمرت شوكتهم وأفكارهم خلال الدولة الأموية. ولا تزال آثارهم باقية حتى يومنا هذا في شمال أفريقيا وفي جنوب شرق الجزيرة العربية. ومن هذه الأحاديث حديث (تكون أمتي فرقتين وتخرج بينهما مارقة، يلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق)، عن صحيح مسلم. وورد عن علي (رض) في (كنز العمال)، حديث رقم 31553 (أمرت بقتال ثلاثة: القاسطين والناكثين والمارقين، فأما القاسطون فأهل الشام، وأما الناكثون فذكرهم، وأما المارقون فأهل النهروان، يعني الحرورية).

2 ـ     الصنف الثاني يتطّرق إلى صفات الخوارج بشكل عام من دون تحديد. وهذه الأحاديث يمكن أن تنطبق على الخوارج أو على غيرهم أو تنطبق عليهم وعلى غيرهم في آن واحد. ومن أمثلة هذه الأحاديث ما روي عن أنس (أشهد أني سمعت رسول الله (ص) يقول: إن قوماً يتعمقون في الدين يمرقون منه كما يمرق السهم في الرمية) (كنز العمال، 31234).

3 ـ     أما الصنف الثالث فإنه يتطرق إلى فئة أخرى، وهذه الفئة هي بالتأكيد ليست فئة الخوارج المعروفة في التاريخ، لأن هذه الأحاديث تعرفهم بصفة زمانية لا يمكن أن تنطبق بأي حال على الخوارج. فهناك جملة من الأحاديث تتطرق إلى قوم (في آخر الزمان)، وهذا التعريف بحد ذاته يتناقض تناقضاً كاملاً مع تعريف الخوارج. فالخوارج بالنسبة إلى الرسول (ص) كانوا في أول الزمان، فكان ظهورهم في زمن الخليفة الرابع، وكان كثير منهم معاصراً للرسول(ص)، لذلك لا يمكن أن يكون هؤلاء هم المقصودين في حديث الرسول (ص) (سيخرج في آخر الزمان قوم…) بل المقصود من حديث الرسول (ص) هم قوم آخرون من غير الخوارج سيخرجون في آخر الزمان.

الاعتراض الثاني هو احتمال ضعف هذه الأحاديث وعدم صحتها بل ووضعها:

أما الاعتراض الثاني في ربط هذه الأحاديث بالحركة الوهابية فهو في التشكيك بصحة هذه الأحاديث. فربما تكون كلمة (سيخرج في آخر الزمان) موضوعة أو مضافة إلى الحديث، بل ربما يكون الحديث كله موضوعاً وغير صحيح. وهذا الاعتراض ضعيف جداً بل هو مردود، فإن من الملاحظ أن هذه الأحاديث هي ليست بالأحاديث المفردة، بل هي من الأحاديث المتواترة رويت عن طريق الكثير من الصحابة العدول الذين لا يمكن اجتماعهم على الكذب على رسول الله (ص)، كما رويت عن هؤلاء الصحابة بطرق متواترة من الرواة الثقات والمحدثين. وفي حقيقة الأمر إن هذا الحديث هو من الأحاديث النادرة التي أجمعت عليها كافة كتب الصحاح والمسانيد والسنن وأثبت صحتها علماء المسلمين على كافة مراحل التأريخ. فنحن يكفينا بدرجة عالية من اليقين للقول بصحة الحديث إذا اجتمع عليه البخاري ومسلم، فكيف إذا اجتمع عليه وزاد عليهم العشرات من أصحاب كتب الحديث الأخرى. فضلاً عن كل ذلك، فإن هذه الأحاديث قد دوّنت في القرنين الثاني والثالث الهجريين، حيث لم يكن في ذلك الوقت أي توقع عن مستقبل العالم، بل لم يكن الجد العاشر لمحمد عبد الوهاب مولوداً في ذلك الحين، لذلك فمن المستحيل أن تكون تلك الأحاديث قد وضعت للنيل من الحركة السلفية الوهابية التي ظهرت بعد ما يقارب التسعمائة سنة من تدوين هذه الأحاديث.

 

الاعتراض الثالث هو إمكانية انطباق هذه الأحاديث على فئات أخرى غير الوهابيين:

أما الاعتراض الثالث فهو لو سلمنا بصحة الحديث فما الذي يمنع من انطباقه على فئة أخرى غير الوهابيين؟

فعلى سبيل المثال ظهرت في المشرق فرقة القرامطة الذين عاثوا في الأرض فساداً وأكثروا فيها تقتيلاً؟

وكذلك كان أمر صاحب الزنج الذي ظهر أمره في البصرة وامتد سلطانه إلى نجد؟

وما الذي يمنع في الإشارة إلى المشرق ومنها يبرز قرن الشيطان أن يكون المقصود مسيلمة الكذاب، فهو رأس من رؤوس الضلال ظهر في اليمامة في نجد أيضاً في شرق المدينة؟

بل ما الذي يمنع من انطباق الحديث على الخوارج أنفسهم، فقد برزت إحدى فرق الخوارج في أرض نجد بالذات؟

ثم أليس هناك احتمال كبير أن تكون تلك الأحاديث لا تشير إلى فئة واحدة بل تشير إلى فئات متعددة؟ فقد يكون المقصود من كل حديث أو مجموعة أحاديث فئة من الفئات المذكورة أو غيرها، فليس بالضرورة أن تكون تلك الأصناف الثلاثة من الأحاديث بحق فئة واحدة؟

والحقيقة أن هذا الاعتراض وارد إلى حد بعيد، بل هناك دلائل قد تشير إلى هذا الأمر بالذات.

فمن مراجعة الأحاديث المذكورة نستنتج أن هناك مجموعة من الصفات تنطبق على أكثر من فئة، بل إن هناك مواصفات تؤكد بالضرورة وجود أكثر من فئة كل منها (قرن الشيطان). فالأحاديث التي تشير إلى طلوع قرن الشيطان في نجد في بعض الروايات، وفي المشرق في روايات أخرى، وأنه كلما قطع قرن الشيطان هذا نجم قرن آخر هي دلالة على عدة فئات متعاقبة، كلما قطع قرن إحداها نجم قرن الأخرى. ولو أردنا ربط الحديث هذا بواقع المنطقة التي تقع شرق المدينة أو نجد بالذات لانكشفت لنا حقائق تدعو للتعجب من مقدار كشف هذا الحديث لمستقبل هذه المنطقة بعد الرسول (ص). فأول قرن للشيطان نجم في المشرق وفي نجد بالذات هو قرن مسيلمة الكذاب من بني حنيفة، حيث كان يقطن في اليمامة (نجد) وبالذات مدينة هجر (مدينة الرياض اليوم)، وادعى مسيلمة هذا النبوة في السنة الثامنة للهجرة، وتبعته عشيرته من بني حنيفة، وأبناء عمه من قبيلة عنزة أجمعهم(5) ما عدا رجلين(6). وقد قطع الله قرن مسيلمة هذا على يد خالد بن الوليد (رض) في السنة الثانية عشرة للهجرة بعد أن قتل أصحاب مسيلمة ما يقارب الألف ومائة مسلم كان فيهم حوالى أربعمائة وخمسين صحابياً.

وما إن قطع قرن مسيلمة الكذاب حتى نجم قرن الخوارج من أتباع نجدة بن عامر الحنفي الخارجي في أوائل النصف الثاني من القرن الأول الهجري.

وقطع الله قرن الخوارج هذا على يد أبي فديك الخارجي حيث قتل أصحاب نجدة الحنفي عام 68هـ وبقتله قضي على الخوارج في بلاد نجد(7). وما إن قطع قرن الخوارج حتى نجم قرن صاحب الزنج المسمى علي بن عبد الرحيم بن عبد القيس حيث انتحل عدة أسماء واتجه من العراق إلى هجر في نجد، ودعا إلى دعوته الضالة فتبعه الكثير من أهل هجر(8)، واستمر أمره حتى قضى عليه الموفق العباسي عام 270هـ فكانت نهايته ونهاية دولته.

وما إن قطع قرن صاحب الزنج حتى نجم قرن القرامطة في شرق الجزيرة (بمنطقة القطيف) بقيادة الحسن بن بهرام الجنابي عام 278 هـ.

والقرامطة فرقة من فرق الإسماعيلية، وكان أول من اتبعهم والتحق بهم هم بدو اليمامة (من نجد)(9)، بحيث أصبح هؤلاء البدو هم عماد الجيش القرمطي وهم سبب انتصاراتهم المتلاحقة، كما كانوا في ما بعد سبب انهزامهم لأنها قبائل بدوية همها السرقة والنهب وليس همها اعتناق عقيدة معينة والدفاع عنها(10).

وأول عمل قام به القرامطة هو الهجوم على البحرين ومحاصرتها لنيف وعشرين شهراً قتلوا فيها خلقاً كثيراً ومنعوا الماء عن عاصمتها (هجر) حتى استسلمت لهم فاتخذها القرامطة عاصمة لهم. بعدها استولوا على معظم بلاد الجزيرة حيث احتلوا مكة عام 317هـ ودخلوها يوم التروية وقتلوا الحجيج قتلاً ذريعاً وقلعوا باب الكعبة، وعلى بعض الروايات أنهم اقتلعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى البحرين، ولم يرد إلا في سنة 339هـ. وأخيراً قطع الله قرنهم على يد الخليفة معز الدين الفاطمي ثم الخليفة العزيز الفاطمي حيث قطع قرنهم بالكامل في معركة الخندق شمالى الأحساء عام 470هـ.

وما إن قطع نجم القرامطة حتى نجم قرن الوهابية وأسسوا دولتهم السعودية في أواسط القرن الثاني عشر الهجري بقيادة محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن سعود حيث فتكا بآلاف المسلمين من أهالي نجد والأحساء والحجاز واليمن والعراق والشام، حتى قطع الله قرنهما على يد إبراهيم بن محمد علي باشا الكبير عام 1233هـ حيث دخل عاصمتهم الدرعية فاتحاً وأرسل عبد الله آل سعود وابن محمد بن عبد الوهاب إلى الأستانة حيث قُطع رأساهما علناً.

وما إن قطع قرن الدولة السعودية الأولى حتى نجم قرن الدولة السعودية الثانية في أواسط القرن الثالث عشر هجري على يد فيصل بن تركي آل سعود حيث فتك بالمئات من المسلمين من أهالي نجد والأحساء والبحرين وعدن، حتى قطع الله قرنهم على أيديهم حيث بدأ الأخ يقتل أخيه وابن الأخ يقتل عمه فكانت نهاية دولتهم الثانية عام 1304هـ حيث استولى محمد بن رشيد على معقلهم في الرياض.

وما إن قطع قرن الدولة السعودية الثانية حتى نجم قرن دولتهم الثالثة في العقد الثالث من القرن الرابع عشر الهجري على يد عبدالعزيز آل سعود، ومرة أخرى ارتكب هؤلاء المجازر بحق المسلمين من أهالي نجد والأحساء والكويت واليمن والحجاز والعراق والشام فقتلوا الآلاف منهم.

ولكن ما لبث أن انقسم الوهابيون إلى فريقين، فريق بقيادة عبدالعزيز آل سعود ملك الدولة الجديدة يدعو إلى التخلي عن الأفكار الوهابية في وجوب قتل غيرهم من المسلمين، وفريق من القبائل النجدية من فرقة الإخوان بقيادة فيصل الدويش وابن حثلين وابن بجاد الذين ظلوا مؤمنين بالأفكار الوهابية في وجوب قتل غيرهم من المسلمين، وانطلاقاً من هذا المبدأ استمروا بمقاتلة المسلمين من دول الجوار كالعراق وسوريا والأردن باعتبارهم مشركين حتى اضطر الإنكليز في عهد استعمارهم لدول المنطقة إلى إرغام الملك عبدالعزيز آل سعود على القضاء عليهم فقاتلهم وقطع قرنهم في معركة السبلة الشهيرة عام 1929م.

ولكن لم يلبثوا أن برزوا كقوة في أوائل الستينات بعد موت عبدالعزيز آل سعود وحاولوا احتلال مبنى التلفزيون في الرياض عام 1965م، ووقع صدام بينهم وبين الحكومة السعودية حيث وقع الكثير من القتلى في تلك المعركة وأودع الآخرون في السجون.

وفي أواسط السبعينات برزوا كتنظيم سمي (الدعوة المحتسبة) وكانوا تحت إمامة جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي حيث لم يلبثوا أن احتلوا الحرم المكي الشريف وقتلوا الكثير من الحجاج عام 1979م/1400هـ. وقد تمكنت الحكومة السعودية من القضاء عليهم وقطع قرنهم بعد معارك شرسة داخل الحرم المكي الشريف حيث قتل العشرات من الحجاج والجنود ومن أتباع جهيمان العتيبي الذي أعدم هو وصاحبه محمد بن عبد الله مع أكثر من سبعين من أصحابه وأودع الآخرون السجن.

ثم لم يلبثوا أن برزوا في أوائل التسعينات كقوة كبيرة بقيادة أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وآخرين من زعماء تنظيم القاعدة.

وتمثلوا هؤلاء بحركة طالبان في أفغانستان والباكستان، وجماعة أبي سياف في الفيليبين، وكتيبة جنود الخلفاء الراشدين في الشيشان، والجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر، وأنصار الإسلام في كردستان العراق، فضلاً عن التنظيمات السلفية المتعددة في الدول العربية والإسلامية الأخرى، بل حتى في أوروبا كجماعة أنصار الشريعة بزعامة أبي حمزة المصري، وجماعة رابح القادري وآخرين، لقد أباحوا في الجزائر دماء أبناء ونساء ضباط وجنود الجيش الجزائري استناداً إلى الآية الكريمة: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً} (سورة نوح، آية 27)(11)، فضلاً عن اختطافهم وقتلهم للسيّاح في الفيليبين، وخطف السيّاح وقتلهم في كشمير، وقتل السيّاح في التفجير الكبير في بالي في إندونيسيا وتفجيرات الدار البيضاء في المغرب والرياض في السعودية.

ثم إنتهى أسامة بن لادن عام 2002 وظهر بعده أبو مصعب الزرقاوي في العراق عام 2003 ذو منهج جديد يتميز بدرجة أعلى من الأرهاب والفتك وسفك الدماء فضلاً عن منهج قتل العدو القريب قبل العدو البعيد نقيض منهج إبن لادن في هذه المسألة وأصبح مسؤولاً عن تفجيرات السفارة الأردنية والأمم المتحدة في بغداد، وقتل زعيم المجلس الأعلى محمد باقر الحكيم في تفجيرات النجف في العراق، فضلاً عن مئات التفجيرات الأنتحارية الأخرى في العراق، حتى تجاوز عدد قتلاه في العراق في بعض الأشهر عام 2006 الى 3500 قتيل في الشهر، فضلاً عن تفجيرات الفنادق في عمان وتفجيرات محطات القطارات في مدريد والكثير من العمليات المماثلة في كافة أرجاء العالم، لقد كان أعداد هذا التنظيم بحدود الثمانية آلاف مقاتل، ومن هؤلاء الثمانية آلاف هناك حوالي الخمسة آلاف مقاتل من السعودية وأغلبهم من منطقة نجد السعودية.

ثم إنتهى أبو مصعب الزرقاوي عام 2006 وإنتهى تنظيمه عام 2010 فإنبثق تنظيم داعش بقيادة أبو بكر البغدادي عام 2011 وبدأت جولة جديدة ومنهج جديد من الأيغال في القتل وسفك الدماء فضلاً عن منهج إقامة دولة الخلافة الوهابية في الموصل وشمال شرق سوريا، نعم يبقى الفرق بين هذا التنظيم وما سبقه من تنظيمات أن الأغلبية هنا ليست من نجد، وإن كان عدد النجديين يشكل نسبة معتبرة ولكنها أقل من النصف، ولكن مع ذلك فلا توجد منطقة في العالم يحظى هذا التنظيم بتأييد شعبي متميز كما يحظى في بلاد نجد، فنسبة من يؤيدون هذا التنظيم في بلاد نجد قد يتجاوز التسعين في المئة (ويعلم هذه الحقيقة جميع من إختلط بالسعوديين النجديين في هذا الوقت سواء كانوا داخل السعودية أو خارجها)، ونستطيع أن نقول بكل ثقة أنه لا توجد منطقة في العالم يحظى هذا التنظيم بألتأييد كما هو الحال في بلاد نجد، فتنظيم داعش هو التجسيد الحقيقي لعقائد الوهابيين النجديين، ولو تساهلت الحكومة السعودية وسمحت للسعوديين الألتحاق بهذا التنظيم لألتحق به عشرات الألاف من السعودية، لقد أدى هذا المنهج إلى تشكيل تحالف عالمي ضد داعش وشاركت الحكومة السعودية في هذا التحالف خلاف رغبة الأغلبية العظمى من الشعب السعودي أو بالأحرى الأغلبية من أهل نجد؛ وكما كان من قبل فسينتهي أبو بكر البغدادي، وستندحر داعش، وسيظهر آخرون بعد داعش وبعد أبو بكر البغدادي لا نعلم عددهم الآن.

وفي واقع الأمر، فإن كل هؤلاء في أرجاء العالم الإسلامي إنما يتبعون المذهب الوهابي لفرقة الإخوان النجدية الأصل والوهابية العقيدة والسلفية المسمى والتكفيرية المنهج، حيث استأثروا بعقيدة محمد بن عبد الوهاب خلاف الحكام من آل سعود الذين تخلّوا عن معظم تلك العقائد والمبادئ وبالذات اتهام الآخرين بالشرك وقتلهم استناداً إلى هذا الاتهام. حيث يتهم جهيمان العتيبي الحكومة السعودية بالكفر لأنها تسمح للشيعة بالحج إلى بيت الله، والشيعة مشركون والمشركون نجس ويحرم دخول النجس إلى بيت الله بحسب زعم جهيمان العتيبي. (راجع رسائل جهيمان العتيبي، رفعت سيد أحمد، مكتبة مدبولي، ص 255). وهكذا يتجلّى أمامنا مصداق قول الرسول (ص) إن في الشرق وفي نجد بالذات الزلازل والفتن ورأس الكفر. فهكذا كانوا هم طوال التاريخ وإنهم الآن ينتشرون بعقائدهم تلك وأفكارهم في أرجاء العالم الإسلامي.

فهكذا بدأ مسيلمة الكذاب، وبعد قطع قرنه قام قرن الخوارج، وما إن قطع قرنهم حتى نجم قرن صاحب الزنج، وما إن قطع قرنه حتى نجم قرن القرامطة في نجد والبحرين، وما إن قطع قرنه حتى نجم قرن محمد بن عبد الوهاب وأقام الدولة الوهابية السعودية الأولى، وما إن انقطع قرنها حتى قامت دولتهم الثانية، وما إن قطع قرنها حتى قامت دولتهم الثالثة بالتحالف بين آل سعود والوهابيين من الإخوان، وما إن قطع قرن الوهابيين من الإخوان في أواخر العشرينات من هذا القرن حتى نجم قرنهم في أواسط الستينات في الرياض حيث احتلوا مبنى التلفزيون، وما إن قطع قرنهم حتى نجم مرة أخرى باحتلال الحرم المكي الشريف في أواخر السبعينات، وما إن قطع قرنهم حتى نجم مرة أخرى في أوائل التسعينيات بقيادة أسامة بن لادن، وما أن قطع قرن أسامة بن لادن حتى ظهر قرن أبو مصعب الزرقاوي وتنظيم قاعدة الجهاد في أرض الرافدين الذي عاث فساداً وقتلاً وإرهاباً في العراق ومناطق أخرى من العالم وكان أغلب أعضاءه من منطقة نجد في السعودية، وما أن قطع قرنه حتى نجم قرن أبو بكر البغدادي وتنظيم داعش في العراق والشام الذي يحظى بأكبر تأييد عالمي من بلاد نجد.

.. لقد سبق الوهابيين أربعة قرون للشيطان في بلاد نجد. ولكن نجم للوهابيين أنفسهم وحدهم ثمانية قرون للشيطان ستة منها في بلاد نجد.

وبهذا فإن التفسير الحرفي لحديث الرسول لا يتحقق بنفس الدرجة من العمق والشمول إلا بتعريفه للوهابيين، فلا يمكننا القول إنه كلما قطع لمسيلمة الكذاب قرن في نجد نجم له قرن آخر، ولا يمكننا القول إنه كلما قطع للخوارج قرن في نجد نجم لهم قرن آخر، وكذلك الحال بالنسبة للزنج والقرامطة. ولكننا نستطيع أن نفسر قول الرسول (ص) إنه كلما قطع قرن للشيطان في نجد نجم آخر (بأنه كلما قطع قرن للوهابيين في نجد نجم لهم آخر). وبهذا تتجلّى مصاديق نبوءة الرسول (ص) في إخباره لما سيحدث لاحقاً بعد أكثر من أربعة عشر قرناً، وإن مصاديق قول الرسول (ص) في رواية أحمد بن حنبل الواردة الذكر أنه زاد في تعداده لقرن الشيطان عن عشر مرات حتى يكون في آخرهم الدجّال.

وهكذا يمكننا أن نستنتج من بحثنا الآنف الذكر أن أحاديث (قوم في آخر الزمان) لا يمكن أن تنطبق بأي حال من الأحوال على الخوارج؛ كما أنه لا يمكن أن يتبادر إلى الذهن أن هذه الأحاديث غير صحيحة أو موضوعة للنيل من الحركة الوهابية لاستحالة هذا الأمر كما أثبتنا سابقاً؛ كما أن هذه الأحاديث لا تتمتّع بنفس الدرجة من المصداقية في انطباقها على أي من الفئات الأربع الأخرى كدرجة المصداقية في انطباقها على الحركة الوهابية.

أما العناصر الأخرى فيمكن أن تنطبق بشكل نسبي على الفئات الأربع الأخرى ولكن بشكل كامل على الحركة الوهابية كما نوضحه في النقاط التالية:

1، مقولة الرسول (ص) في أنهم يقولون من قول خير البرية ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم، يحسنون القول ويسيئون الفعل

فإنها يمكن أن تنطبق على الفئات الأخرى بشكل نسبي فالخوارج يحرمون التقاط تمرة من الطريق ولكنهم يستبيحون دماء المسلمين، والقرامطة يدعون إلى إشاعة العدل والمساواة بين الناس وفي الوقت نفسه يقتلون حجاج بيت الله الحرام ويسلبون الحجر الأسود من مكانه. أما الوهابيون فإنهم يتميزون بميزة خاصة في هذا المجال، فترى قمة إساءتهم بالفعل تتجلّى في قمة إحسانهم بالقول، فإنهم بالقول يتصدون لأهم قضية في العقيدة الإسلامية، بل المحور الأساسي للعقيدة الإسلامية وهي قضية التوحيد، فمقولتهم إن العبادة لا تكون إلا لله وإن الله وحده هو القادر على إجابة الدعاء ودفع الضرر وإيجاد النفع، وإن الشفاعة لله جميعاً هي صميم الحق، وأما تفرعهم عن هذا المبدأ وقولهم إنه لا يجوز طلب الشفاعة من غير الله ففيه إخفاء لحقيقة أن كون الشفاعة لله جميعاً لا تنفي أن يتخذ الله بعضاً من عباده من رسل وأنبياء ليكونوا وسيلة إليه؛ وأما تفرعهم من هذا المبدأ وزعمهم أن من يعتقد بشفاعة الأنبياء فهو مشرك فإنه استدلال على درجة كبيرة من الذكاء أو حسن القول: فإنهم توصّلوا إلى نتيجة غير صحيحة من مقدمة صحيحة وطريقة استدلال صحيحة، والخلل الوحيد هو إخفاء حقيقة واحدة، لهذا السبب ترى كلامهم مقنعاً ومؤثراً. فالخوارج في إباحتهم لدماء المسلمين ينطلقون من مقدمة غير أساسية وغير صحيحة وهي قولهم (إن مرتكب الكبيرة كافر)، كما أن مقولة الخوارج (لا حكم إلا لله) هي مقدمة صحيحة ولكن طريقة الاستدلال غير صحيحة في (إنه لا يجوز التحكيم في الأمور الدينية) والتي توصلوا بها إلى نتيجة بطلان التحكيم في معركة صفين وكفروا كلاًّ من علي ومعاوية.

وهكذا نرى أن الوهابيين، انطلاقاً من تميزهم بحسن القول (وليس بصدق القول)، توصلوا إلى إباحة دماء المسلمين وفتكوا بهم وقتلوهم ونهبوا أموالهم وسبوا نساءهم وذراريهم فكانت النتيجة هي قمة الإساءة في الفعل انطلاقاً من حسن القول، فكانوا المصداق الحقيقي لحديث الرسول (ص).

إن الذي يستمع إلى خطب أسامة بن لادن بنبرته الهادئة واستشهاده بآيات الكتاب وأحاديث الرسول (ص) يقول ما أحسن هذا القول، ولكن عندما نرى امرأة مسلمة قد بترت ساقها في انفجار الرياض، أو شيخاً مسلماً قد سلخت فروة رأسه وجلدة وجهه وهو حي في مدينة يوكولانك في أفغانستان على يد طالبان، أو مجموعة من الأطفال المسيحيين والمسلمين قد مزقت أوصالهم في دار الحضانة في مبنى التجارة العالمي في نيويورك، أو نساء طبيبات تفجر رؤوسهن برصاصات في الأماكن العامة في مدينة الموصل شمال العراق لأنهن إعترضن على أعمال داعش، تتجلّى أمامنا عظمة الرسول (ص) في مخاطبته إيانا بشكل خاص قبل أكثر من أربعة عشر قرناً ليعصمنا من الضلال، وتتجلّى أمامنا عظمة هذا الدين وصدقه في كشف مستور الغيب قبل أكثر من ألف عام، وهذا بحد ذاته أقوى دليل على أن الإسلام هو دين الحق وأن الله عالم الغيب قد أوضح لنا معالم صراطه المستقيم وسبيله القويم وباينه عن سبل الضلال لئلا تفرق بنا عن سبيله.

2، مقولة الرسول (ص) في أن هؤلاء القوم سيخرجون في آخر الزمان

لقد أثبتنا في الاعتراض الأول أن هذه المقولة لا تنطبق على الخوارج، ولكن هل يمكن أن تنطبق على الفئات الأخرى غير الوهابيين؟

فمسيلمة الكذاب كان معاصراً لرسول الله (ص)، فهو في أول الزمان وليس في آخره، أما صاحب الزنج فقد قام أمره عام 69هـ وكانت نهاية دولته عام 270هـ فكان أمره في أول الزمان وليس في آخره؛ أما القرامطة فإنهم ظهروا في القرن الثالث الهجري واستمروا لأقل من قرنين فكانت نشأتهم ونهايتهم أقرب إلى أول الزمان من آخره.

وقد يقول قائل إن الفئات الثلاث آنفة الذكر قد انتهى أمرها ولكن الخوارج كالوهابيين ما زال أمرهم قائماً في آخر الزمان؟

ولكن وإن صح هذا الأمر فإن هذا الحديث لا يمكن أن ينطبق بأي شكل من الأشكال على الخوارج لأن بروزهم كقوة وقتالهم كان في أول الزمان ووجودهم في آخر الزمان ليس كقوة مقاتلة.

وحتى وإن كانوا قوة مقاتلة أو يمكن أن يكونوا في المستقبل فالحديث يؤكد على قوم يخرجون في آخر الزمان. والخوارج قد خرجوا في أول الزمان ووسطه، والحديث لا يشير إلى قوم ذوي وجود مستمر من أول الزمان إلى آخره.

أما بالنسبة إلى السلفيين الوهابيين فإن أهم ما يميزهم هو خروجهم في آخر الزمان، حيث كان أول خروجهم في أواخر القرن الثاني عشر الهجري وما زالوا حتى يومنا هذا كقوة مقاتلة ارتكبت أبشع المجازر في تاريخ المنطقة خلال القرون الثلاثة السابقة وباسم الإسلام.

3، مقولة الرسول (ص) في أنهم يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز قراءتهم حناجرهم يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء

أما مقولة الرسول (ص) في كونهم يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز قراءتهم حناجرهم فليس أدل من ذلك وأوضح من مقولتهم الأولى في التجسيم في زعمهم أن تجسيم الله وإن لله يداً ورجلاً ووجهاً وغيرها من الضلالات والصفات البشرية هو في إثبات الصفات كما وردت في القرآن بحسب زعمهم خلاف تفسير أهل السنة والجماعة… ومقولتهم الثانية في نسبة آيات الشرك إلى المسلمين الذين يؤمنون بالشفاعة، فضلاً عن إباحتهم لدماء المسلمين من النساء والأطفال لأن آباءهم يعملون في السلك العسكري في الجزائر استناداً إلى قوله تعالى: {إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً} (سورة نوح، آية 27) واستخدامهم هذه الآية لقتل الأطفال والنساء والرجال المدنيين غير المقاتلين من غير المسلمين، لأنهم سيّاح في البلاد الإسلامية، أو يحملون الجنسية الأميركية، أو لأنهم من المسلمين الذين سكنوا الغرب ودفعوا الضرائب للحكومة الأميركية، كل تلك التصرفات تبرر بمبررات غريبة مخالفة للواقع ولكتاب الله والله عز ذكره يقول: {ألا تزر وازرة وزر أخرى} (سورة النجم، الآية 38). ويقول جل جلاله {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً} (سورة النساء، الآية 93). فكان ذلك بحق مصداق قول الرسول (ص) يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم.

4، مقولة الرسول (ص) ليست صلاتكم إلى صلاتهم بشيء وقوله (ص) يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم وصلاتهم أكثر من صلاتكم

قد ينطبق هذا الحديث بشكل نسبي على صلاة الخوارج حيث تذكر الروايات أن آثار السجود كانت ظاهرة على جباههم. أما مسيلمة وقومه فإنهم لا يصلّون، وأما دولة صاحب الزنج أو القرامطة فلا تذكر لنا كتب التاريخ أي ميزة لصلاتهم.

أما الوهابيون فإن لهذا الحديث دلالة صارخة تشير إليهم، حيث تبدو هذه الحقيقة واضحة للعيان وبشكل لا يقبل الشك والتأويل إلى كل من يذهب إلى بلادهم، فتراهم في وقت الصلاة يتركون أعمالهم ويغلقون محالهم ويتوجهون بأجمعهم إلى المساجد لأداء الصلاة جماعة، ولا تجد بلداً في العالم تتعطّل فيه الأعمال عند حضور الصلاة كما هو الحال في بلاد الوهابيين. فصلاتهم تتميز بأربع ميزات: أولاها إن كل أمر من أمور الدنيا من التجارة وسائر الأعمال تتوقّف وتقدم الصلاة عليها، وثانيها إنهم يلتزمون دائماً بأداء الصلاة في أول وقتها، وثالثها إنهم يلتزمون بأداء الصلاة جماعة، ورابعها إنهم يلتزمون بأداء الصلاة في المسجد؛ لذلك ترى انطباق قول الرسول (ص) في قوله: (ليست صلاتكم إلى صلاتهم بشيء)، وقوله في موضع آخر: (يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم) ينطبق انطباقاً كاملاً عليهم وعلى صلاتنا إلى صلاتهم.

5، مقولة الرسول (ص) إن هؤلاء القوم سيماهم التحليق

ليس هناك أي دليل تاريخي ثابت على أن أيّاً من قوم مسيلمة أو الخوارج أو صاحب الزنج أو القرامطة كانت سيماهم التحليق، ولكن هذه الصفة هي من صفات الوهابيين بشكل قطعي، حيث يذكر الشيخ دحلان في (خلاصة الكلام) أن محمد بن عبد الوهاب يأمر من اتبعه بحلق رأسه وكان السيد عبد الرحمن الأهدل مفتي زبيد يقول لا يحتاج إلى التأليف في الرد على ابن عبد الوهاب بل يكفي في الرد عليه قوله (ص) سيماهم التحليق، فإنه لم يفعله أحد من المبتدعة. (وفي الحقيقة فإن تحليق الوهابيين لرؤوسهم ليس نابعاً من تقليد يتبعونه وإنما هو نابع من عقيدة يعتقدونها استناداً إلى حديث موضوع عن رسول الله (ص) في نهيه عن (القزع) وهو قص الشعر بأطوال مختلفة كما هو متعارف في حلاقة الرجال في جميع أرجاء العالم، ويزعمون أن الرسول (ص) قال كما ورد في الحديث الموضوع (قصه كله أو دعه كله)، لذلك فالتحليق لدى الوهابيين نابع من عقيدة دينية وليس من تقليد خاص بهم فحسب، لقد إستخدمت داعش الجزء الثاني من الحديث أي دعه كله، فأصبحت شعورهم كشعور النساء، وهذا أيضاً تطرق له رسول الله(ص) كما تطرقنا إليه في نهاية الفصل الثاني.

6، مقولة الرسول (ص) إن هؤلاء القوم يمرقون من الدين كمرق السهم من الرمية هم شر الخلق

فهذه المقولة هي من أعجب مقولات الرسول (ص)، ولو أردنا استخدام أي تعبير آخر في الانفصال غير ذلك التعبير لما أفلحنا. فإننا لو شبهنا انفصالهم عن الإسلام كانفصال الرمح من يد الرامي فالرامي يحمل رمحاً واحداً فإذا رماه رجع إليه لأنه لا بديل له عن ذلك، ولو كان انفصالهم كانفصال الرأس عن الجسد ففي ذلك الانفصال موت للجسد إذا بقي بلا رأس، وإذا كان الانفصال كانفصال الصوف عن جلد الضأن فالصوف يترك جانباً، أما في انفصال السهم عن الرمية فإنه عند أول انفصاله يبتعد أشد البعد وبأسرع وقت. فلماذا استخدم الرسول (ص) هذا التعبير بحقهم، ولم يستخدمه بحق الفرق الإسلامية الأخرى؟ وما هو الاختلاف بين الوهابيين والفرق الإسلامية الأخرى لكي يستحقوا مثل هذا الوصف؟ وما هي الاختلافات بين الفرق الإسلامية الكبرى بحيث لا تستدعي مثل هذه النعوت الشديدة وهذه الاتهامات العنيفة؟

هناك اختلافات متعددة بين السنّة والشيعة والمعتزلة، ولا ننكر أن بعض الاختلافات كبيرة وبالذات موقف الشيعة من الصحابة ومن بعض أمهات المؤمنين مما يتعارض مع بديهيات الدين بشأن عقيدة أهل السنة بحق صحابة وزوجات رسول الله (ص)، ولكنها تضل اختلافات لا ترقى إلى أسس العقيدة من التوحيد والنبوة والمعاد. أما الوهابيون فيعتبرون خلافاتهم مع غيرهم من المسلمين خلافات عقائدية تطال أهم وأول عنصر من عناصر العقيدة، وهو التوحيد، حيث يزعمون أن من يؤمن بشفاعة الأنبياء والرسل في عالم البرزخ فهو مشرك، وأن من لا يعتقد بأن لله يداً أو رجلاً أو غيرها من صفات التجسيم فهو كافر وملحد. وهذه الاتهامات تستدعي كفر أحدهما لقول الرسول (ص) (إذا كفّر المسلم أخاه المسلم فقد كفر أحدهما). فأما الوهابيون هم الموحدون والمسلمون الحقيقيون وغيرهم من المسلمين ليسوا إلا كفاراً ومشركين وملحدين أو أن تهمة الكفر ترجع إلى قائلها، وبما أن الوهابيين لم يتورعوا عن اتهام غيرهم من المسلمين بالشرك والكفر والإلحاد واستباحوا دماءهم فأكثروا فيهم القتل واستباحوا نساءهم وأموالهم وسبوا ذراريهم فإنهم المصداق الحقيقي لقول الرسول الأعظم (ص)، فكان مروقهم عن الإسلام مروقاً كاملاً كمروق السهم من الرمية، وإذا مرق السهم من الرمية فلا حاجة إليه بل في جعبة الرامي أسهم متعددة، وابتعاد السهم ليس فيه نقص للرامي، فالإسلام يبقى ناصعاً، فهو الأصل ولا يضيره مروق الوهابية وغيرها منه، فكان ذلك أبلغ تعبير، فكلمات قليلة عبّرت عن حقيقة كاملة وبأصدق وصف. كما أن هناك إشارة أخرى إلى السلفيين الوهابيين في هذا الحديث، فإذا كان مروقهم من الإسلام كمروق السهم من الرمية، فمعناه أن الإسلام هو الرمية والسهم هم السلفيون الوهابيون. وفي هذا الوصف تشبيه دقيق للتفريق بين الإسلام والسلفيين الوهابيين، فالرمية عادة ما تكون حيواناً يؤكل كالطيور والغزلان، وتتميز هذه الحيوانات بالجمال والرقة والطيبة والبراءة وعدم الاعتداء على الآخرين وكل هذه الأوصاف تنطبق على الإسلام، أما السهم فإنه يتميز بالقسوة والغلاظة والعنف والقتل، ونجد جميع هذه الصفات من ميزة الحركات السلفية الوهابية.

قساة القلوب، غلاظ السلوك، عنيفو التعامل، قتلة للأبرياء من الناس من أطفال ونساء وشيوخ ورجال. فما أصدق رسول الله (ص) وما أعظم الإسلام وما أدق الوصف، فقبل ألف وأربعمائة عام يعرّفنا الرسول (ص) بوحي من الله بشأن تلك الفئة المارقة عن الدين وبصفاتهم البعيدة كل البعد عن القيم الإسلامية العظمى، فهل بعد ذلك شك في هذا الدين العظيم؟ وهل بعد ذلك شك في أن الله بعث رسوله الكريم (ص) رحمة إلى العالمين ومنذراً من الوقوع في الضلال وهادياً إلى صراطه المستقيم.

ثم لا يكتفي الرسول(ص) بذلك بل يضيف عبارة بعد مروقهم من الدين إنهم (لا يرجعون إليه) فلماذا لا يرجعون إليه؟؟؟

إن هناك صنفين من الوهابيين؛ صنف تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء من المسلمين، وصنف لم تتلطخ أيديهم. إن المقصود في حديث رسول الله (ص) هم الذين تلطّخت أيديهم بقتل الأبرياء من المسلمين فهؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى {ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً}(سورة النساء، آية 93) وهؤلاء هم الذين من الممكن أن لا يرجعون اليه.

قد يطلع الكثير من الوهابيين على هذه الصفحات ؛ وإني في هذا المجال أنصح من لم تتلطخ يده بدماء الأبرياء من المسلمين أن يعجّل بترك الطريق الذي لا يوصل إلا الى الخلود في نار الجحيم؛ فإنه على مفترق طريق، إما ان يختار طريق الحق لبلوغ السعادة الأبدية بعد الموت في جنان الخلد؛ وبخلافه سيكون هذا الكتاب حجّة عليه حين تغلّ يديه وتجره الزبانية باتجاه نار جهنم؛ فيتذكّر حين ذاك هذه الساعة التي يقرأ فيها هذه الصفحات، فيقتله الندم ولكن لن يكون له حين ذاك أي أمل بالإفلات من مصير عذاب الخلود.

ولا أريد في هذه الصفحات أن أجعل من قتل المسلمين بجهالة يائساً من رحمة الله، فـ {إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}(سورة يوسف، آية 87)، لأن هناك فرقاً بين من قُتل اعتداءً، وبين من قُتل بجهالةٍ معتقداً بأن هذا هو الحق. ورحمة الله ومغفرته تسع الناس جميعاً، وتسع كل من استغفر وتاب توبةً نصوحاً قبل الموت، فالحمد لله على هذه النعمة العظيمة والرحمة الواسعة.

7، مقولة الرسول (ص) إن هؤلاء القوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام

حيث إن هذا الحديث في كونهم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يشرحه الإمام أبو بكر بن العربي المالكي في شرحه على صحيح الترمذي فيقول: (أحداث الأسنان يعني الاغترار بالغرارة المفضية للغرور الذي يرجع جميعها إلى الجهالة، وقوله سفهاء الأحلام يعني أن حلمهم خفيف إشارة إلى ضعفه فلا يكون معه تثبت ولا تبصرة). ولا نريد أن ندخل في تفاصيل هذا الأمر ولكن يكفي لأي حاج مسلم صادف في مسجد الرسول (ص) أحد الوهابيين الذين ينبرون للجدال أن يكتشف مقدار اغترارهم برأيهم ومقدار جهالتهم. ففي إحدى رحلاتي إلى الحج التقيت برفيق لي من نجد وكان من المسلمين الواعين نسبياً حيث أخبرني نقلاً عن حسن آل الشيخ الذي كان وزيراً للأوقاف وكان يكنّ له احتراماً شديداً ولكنه صُدم وفوجئ وأبدى لي تألّمه الشديد لأن حسن آل الشيخ النجدي من أحفاد محمد بن عبد الوهاب عندما تطرق إلى ذكر أحد المشايخ الحجازيين وصفه بأنه (قطة) لأنه من الحجاز حيث بلغت درجة غرورهم أن الحجازي مهما بلغ من العلم والتدين فإنه لا يمكن أن يبلغ درجة النجدي.. ويكفي تعريفاً بقلة حلمهم قتلهم لمن يستسلم إليهم كما فعلوه في مجزرتي الطائف خلال تاريخهم القديم والحديث في حين أن الرسول (ص) في فتحه لمكة أعطى الأمان لكل من دخل بيته، وكان أهل مكة مشركين بل هم الذين أخرجوا المسلمين من ديارهم وعذبوهم وقتلوهم واستولوا على أموالهم وأملاكهم. أما أهل الطائف فلم يكن لهم أي اعتداء مسبق على الوهابيين، وقد أعطاهم الوهابيون الأمان، ولكن عندما دخلوا الطائف اقتحموا عليهم بيوتهم وقتلوا رجالهم وسبوا نساءهم وجردوهم من ثيابهم حتى أصبحوا فقراء يتكفّفون الناس مع إرغامهم وبالقوة على اعتناق العقيدة الوهابية. إنهم يستسهلون اتهام المسلمين بالكفر بحجج واهية وقد ورد في الحديث الصحيح (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر) وورد أيضاً (من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما)، ولكنهم يستسهلون تكفير المسلمين لأنهم بكل صدق سفهاء الأحلام، فحلمهم خفيف وضعيف فلا يكون معه تثبت ولا تبصرة كما ورد في شرح صحيح الترمذي.

8، رفض الرسول (ص) أن يبارك لأهل نجد كمباركته لأهل اليمن والشام والحجاز وإشارته إلى شرق المدينة وقوله (ص) إن الفتن والزلازل ورأس الكفر في المشرق وفي نجد وإنهم غلظ القلوب والجفاء وفي نجد يطلع قرن الشيطان

إننا نحب أن نستشهد في هذا المجال بمقولة رجل نجدي، بل هو أقرب الناس إلى الوهابية وأبعدهم عنها، وهذا الرجل هو سليمان بن عبد الوهاب أخ محمد بن عبد الوهاب صاحب الدعوة الوهابية. يقول سليمان بن عبد الوهاب في كتابه (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية): (ومما يدل على بطلان مذهبكم ما في الصحيحين، رأس الكفر نحو المشرق وفي رواية الإيمان يمان والفتنة من ها هنا حيث يطلع قرن الشيطان، وفي الصحيحين أنه (ص) قال (وهو مستقبل المشرق ألا إن الفتنة ها هنا)، وللإمام أحمد (اللهم بارك لنا في مدينتنا وفي صاعنا ومدننا ويمننا وشامنا ثم استقبل مطلع الشمس وقال ها هنا يطلع قرن الشيطان وقال من ها هنا الزلازل والفتن)) (الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، سليمان بن عبد الوهاب، ص 45). ثم يضيف الشيخ سليمان: (أشهد أن رسول الله (ص) لصادق، لقد أدى الأمانة وبلّغ الرسالة؛ ثم إن رسول الله (ص) أخبره الله بما هو كائن على أمته إلى يوم القيامة وهو (ص) أخبر بما سيجري عليهم، فلو علم أن بلاد الشرق خصوصاً نجد تصير دار الإيمان وأن الطائفة المنصورة بها وأن الحرمين الشريفين واليمن تكونان بلاد كفر تُعبد فيها الأوثان لأخبر بذلك ولدعا لأهل المشرق خصوصاً أهل نجد ولدعا على أهل الحرمين واليمن وأخبر أنهم يعبدون الأصنام وتبرأ منهم)(12). كما أنه من أغرب الصدف أيضاً أن الرياض بالذات (هجر سابقاً) تقع كالمدينة بين خطي عرض 24، 25، فهي بالضبط تقع شرق المدينة، وإشارة الرسول (ص) إلى الشرق لا تسقط احتمالات الخوارج في حروراء فحسب بل تسقط احتمالات الفئات الأخرى التي ظهرت في العراق، كالمختار الثقفي في الكوفة أو الحجاج الثقفي في واسط أو المعتزلة في البصرة وبغداد أو البكتاشية من التركمان في كركوك أو اليزيدية في سنجار وغيرهم من الفئات الأخرى.

إن هناك محاولات لإثبات أن المقصود بالشرق هو الكوفة أو كربلاء حيث قتل الحسين بن علي (رض)، فضلاً عن الادعاء بأن نجد المذكورة في الحديث لا يقصد منها منطقة نجد شرق المدينة وإنما المقصود بذلك النجد من الأرض، أي المرتفع من الأرض، والإشارة بهذا الشأن الى أرض العراق، ومع اعتقادنا بأن أهل الكوفة ارتكبوا إثماً عظيماً بقتلهم للحسين ولكن من يزعم إن الكوفة تقع شرق المدينة المنورة فهو إنسان جاهل جهلاً كاملاً بالجغرافيا، فضلاً عن الزعم أن المقصود بنجد هو أرض العراق. (يمكن مراجعة موقع المدينة المنورة والكوفة فضلاً عن معنى نجد في الهامش / 13)

9، مقولة الرسول (ص) أن هذه الفئة من بني تميم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم

فميزة هذه الفئة التي تقرأ القرآن ولا يجاوز حناجرهم أنهم قوم من بني تميم.

والحقيقة أن بني تميم هي من أكبر القبائل العربية لذلك يندر أن تجد فئة أو فرقة من الفرق الإسلامية ولا يتواجد فيهم جمع من بني تميم. وإذا أردنا مقارنة هذا الحديث بالفرق الثلاث فإننا نجد أن حركة مسيلمة الكذاب كانت لها رابطة مصاهرة مع بني تميم حيث إن سجاح بنت الحارث التميمية مدعية النبوة أقبلت مع جمع من عشيرتها إلى اليمامة وزوجت نفسها من مسيلمة الكذاب. ولكن مع وجود هذه الرابطة فالمعلوم أن مسيلمة هو مدعي النبوة وله قرآنه الخاص. لذلك فهو وقومه وزوجته وعشيرتها من بني تميم ليست لهم أي علاقة بالقرآن وقراءته.

أما بالنسبة إلى القرامطة، فلا تذكر لنا كتب التاريخ وجوداً مميزاً لبني تميم فيهم. وكذلك الحال بالنسبة للزنج.

أما بالنسبة إلى الخوارج، فإن كتب التاريخ تذكر لنا ثلاث شخصيات فقط من بني تميم فيهم في مراحل مختلفة:

الأول هو حرقوص بن زهير البجلي التميمي وهو ثالث ثلاثة من قادة الخوارج في حروراء وفي النهروان.

أما الثاني فهو أحد ثلاثة تآمروا على قتل علي بن أبي طالب (رض) ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، وهو عمرو بن بكر التميمي حيث تآمر مع البرك بن عبد الله الصريمي وابن ملجم المرادي، فتمكن الأخير من قتل علي بن أبي طالب ولم يتمكن الآخران من قتل معاوية أو عمرو بن العاص.

أما الشخصية التميمية الثالثة فهو عبد الله بن أباض التميمي، وهو أيضاً أحد مؤسسي فرقة الأباضية الخارجية، والآخران نافع بن الأزرق من بني حنيفة مؤسس فرقه الأزارقة، ونجدة بن عامر الخارجي من بني حنيفة أيضاً مؤسس الفرقة النجدية.

ولو قارنا بين انطباق الحديث على الخوارج وانطباقه على الوهابيين فإننا نجد أن أول ما يميز الحركة الوهابية هو اسمها، فاسمها منسوب إلى محمد بن عبد الوهاب التميمي، أي أن اسمها على اسم رجل تميمي. أما الخوارج فقد عرفوا باسم الحرورية وهو نسبة إلى منطقة حروراء. وأما الإباضية فهي فرقة من فرق ثلاث، كما أن الحديث عن التميمي جاء بلفظ قوم ولم يأت بلفظ مفرد في حين أن قيادة الخوارج من قبل حرقوص بن زهير التميمي أو عبد الله بن أباض التميمي هي قيادة منحصرة بشخص واحد ولفترة من الزمن ولم تكن قيادة وراثية ولا منحصرة بقبيلة معينة.

أما قاعدة الخوارج فإنهم كانوا من قبائل شتى لم يتميز فيهم بنو تميم بعدد ملحوظ. لذلك فلا يمكن انطباق كلمة (قوم من بني تميم) لا على قيادة الخوارج ولا على قاعدتهم. في حين أن القيادة الدينية للوهابيين هي لأبناء محمد بن عبد الوهاب التميمي وأحفاده والذين يلقبون بلقب آل الشيخ فإنها أشبه بقيادة جماعية؛ وهي في الوقت نفسه قيادة وراثية، حيث إنهم أول من أسس الحركة الوهابية وأول من نظّرها وفصّلها، وأول من تولّى مركز الإفتاء والقضاء من زمن محمد بن عبد الوهاب حتى يومنا هذا. كما أن لهم المراكز القيادية في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي وزارات الأوقاف والعدل والقضاء، إلى رابطة العالم الإسلامي والجامعات والمعاهد والمؤسسات الدينية. ولقب آل الشيخ في السعودية يدل في غالب الأحيان على مركز ديني مرموق.

والغريب هو أن الحديث يلمح إلى الجانب الديني في القيادة وليس إلى الجانب الدنيوي، فأول تعريف لهؤلاء القوم أنهم يقرأون القرآن، وفي موضع آخر يقولون من قول خير البرية، ولم يأت بلفظ يحكمون أو يتآمرون أو أي لفظ آخر يوحي للقيادة في جانبها الدنيوي. ومن الغريب أيضاً أنك ترى الوهابيين وآل الشيخ بالذات دائماً ما يستدلون بالقرآن وبالحديث، حتى إنهم يلقبون أنفسهم بأهل الحديث، ولكنهم يؤولون الحديث وآيات القرآن بحسب أهوائهم، لذلك جاء الحديث تثبيتاً لهذه الحقيقة يقرأون القرآن ويقولون من قول خير البرية فلا يجاوز حناجرهم.

وهناك حادثة في هذا المجال لا بأس بذكرها للتأكيد على أن همَّ بني تميم من آل الشيخ في تبني الحديث هو بهدف التسلط وليس بهدف هداية الناس الى ما صح من حديث الرسول(ص). فمن المعلوم أن أهم الأشخاص السلفيين في عصرنا الحالي المتخصصين بعلم الحديث هو المرحوم الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، بل لا يوجد من يدانيه في علمه بالحديث أي عالم من التيار السلفي حيث قال فيه الشيخ عبد العزيز بن باز: (ما رأيت تحت أديم السماء عالماً بالحديث في العصر الحديث مثل محمد ناصر الدين الألباني)(14)، ولكن المفتي محمد بن ابراهيم آل الشيخ لم يتحمّل وجود أستاذ شاب له هذا التميز في علم الحديث يدرس في الجامعة الإسلامية في المدينة في بداية تاسيسها عام 1960م واصبحت له سمعة مميزة لعلمه الواسع بالحديث، حيث تم تعينه في وقتها من قبل الشيخ ابن باز الذي كان نائب رئيس الجامعة، فكان المفتي من آل الشيخ يتحيّن الفرصة للتخلص منه، حيث كان المفتي جاهلاً بالحديث، ولا يقدر الرد على الكثير من آراء الألباني، ففوض مهمة الرد عليه من قبل مساعده إسماعيل الأنصاري، وجاءت الفرصة السانحة عندما ألف الألباني كتابه (حجاب المرأة المسلمة) حيث أثبت بالحديث الصحيح أن وجه المرأة ليس بعورة، وهذا مخالف لتقاليد الوهابيين، فرفض المفتي من آل الشيخ تجديد عقد الألباني، فاضطر للرجوع الى الشام التي أعتقل فيها أكثر من مرة، فهاجر الى الأردن التي أقام فيها حتى وفاته عام 1999م(15). هذا هو ديدن آل الشيخ التميميون من علماء الدين السلفيين المتميزين بعلم بالحديث. لذلك قال فيهم الرسول (ص): (يقولون من قول خير البرية فلا يجاوز حناجرهم).

ثم نتطرق مرة أخرى الى مقولة يقرأون القرآن ويقولون من قول خير البرية فلا يجاوز حناجرهم وفي موقع آخر لا يجاوز ايمانهم تراقيهم، هذه المقولات تشير إلى أن الإيمان لا يجاوز تراقيهم والمقصود بالتراقي هو الكتف (كناية عن عظم الترقوة في الكتف) وهو دون الرأس، أي أن الإيمان لا يبلغ عقولهم، وهذا نفس معنى يقرأون القرآن فلا يجاوز حناجرهم اي لا يتعدى القول الذي يصدر من حناجرهم حيث لا يبلغ عقولهم، وليس هناك أوضح من فتاواهم التي تخالف القرآن والعقل والمنطق والفطرة السليمة، ففتوى الشيخ عبد المحسن العبيكان في جواز رضاعة الكبير استناداً الى الحديث الموضوع والمفترى على رسول الله (ص) في قصة سالم مولى أبي حذيفة، فهذه الحادثة لم تحصل والحديث موضوع لأنه يخالف بشكل صريح كتاب الله في أن الرضاعة لحولين كاملين، فالحديث وإن صح سنده ولكن لا يمكن ان يصح متنه لمخالفته لكتاب الله ولما صح من الحديث عن رسول الله (ص) في أنه (لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين)(16)، وأن (الرضاعة من المجاعة)(17)، وأنه (لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وما شد عليه العظم وما أنبت عليه اللحم)(18)، وقد اجمع على هذا الأمر جميع الصحابة وجميع زوجات النبي (ص) ومن ضمنهم عائشة ام المؤمنين (رض)، وأما ما ورد من أن عائشة (رض) قد قالت برضاعة الكبير فهي حادثة واحدة حدثت في حياة الرسول (ص) وقد عرفها رسول الله (ص) بأن ذلك الأمر غير جائز لأن (الرضاعة من المجاعة) وهذا ما ذكرته عائشة (رض) كما ورد في صحيح البخاري ومسلم، فلم تعد عائشة (رض) لذلك الأمر مرة اخرى(راجع الهامش /19) . ولكن جاء بعد ذلك ابن تيمية فلم يأخذ بكتاب الله، ولم يأخذ بما صح من الأحاديث، ولم يأخذ بإجماع الصحابة وإجماع زوجات الرسول (ص)، ولم يأخذ بما أجمع عليه الجمهور. ولكن أخذ بالحديث الموضوع، وقد تبعه بعض مشايخ الوهابية كالشيخ عبد المحسن العبيكان(20) والشيخ عبد المهدي عبد القادر وآخرين. واضطر شيخ الأزهر الشريف لعزل الدكتور عزت عطية رئيس قسم الحديث في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر لأنه كان أيضا ً يقول بهذا القول(21). ولو نظرنا إلى متن هذا الحديث الموضوع عن رسول الله كما جاء في صحيح مسلم عن عائشة(رض)(قالت جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقالت يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) أرضعيه. قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير فتبسم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال: قد علمت أنه رجل كبير، زاد عمرو في حديثه؛ وكان قد شهد بدراً، وفي رواية أخرى؛ ان له لحية، وعن ابن أبي عمر؛ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم)(22). إن مقولة سهلة (كيف أرضعه وهو رجل كبير، أو أن له لحية) دليل على أن الرضاعة مباشرة من ثديها إن صح الحديث، بل معنى الرضاعة هو المص من الثدي، فيقال ان الجدي يرضع من البقرة لأنه يمص الحليب من ثديها، ولكن لا يقال إن الإنسان يرضع حليب البقرة، بل يشرب حليب البقرة، بل إن الزعم كذباً بأن رسول الله (ص) بأنه تارة يتبسّم وتارة يضحك ويقول (أعلم انه كبير)، هو اتهام صارخ لرسول الله (ص) بأنه يأمر بالفحشاء، وحاشا لرسول الله (ص) أن يأمر بذلك. إن أهل السنة والجماعة لا يقرون بصحة متن الحديث وإن صح سنده، ولكن الوهابيين ومن قبلهم ابن تيمية، يسلمون بصحة كل حديث ورد في صحيح البخاري وصحيح مسلم، ولا يعتقدون بقاعدة وجوب صحة المتن خلاف أهل السنة والجماعة (يمكن التعرف على الفرق بين موقف أهل السنة والجماعة وموقف السلفيين من السنة النبوية من خلال الاطلاع على كتاب “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث” للمرحوم الشيخ محمد الغزالي). إنهم رواة الدين ورواة الحديث وأبعد ما يكونون من رعاة الدين ورعاة الحديث، فهم بحق يقرأون القرآن فلا يجاوز حناجرهم ولهم رؤوس خالية من العقول لذلك لا يجاوز إيمانهم تراقيهم؛ فما أصدق رسول الله (ص) في وصفه لهؤلاء القوم؛ إانها دليل نبوءة رسولنا الأعظم (ص) حبيب قلوبنا سيد الجن والأنس، بل سيد السماوات والأرض، أرواحنا له الفداء.

10، مقولة الرسول(ص)إن هؤلاء القوم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان

في الحقيقة إننا نجد أن هذا الحديث ينطبق على مسيلمة وصاحب الزنج والخوارج والقرامطة، فجميع هؤلاء قاتلوا أهل الإسلام وتركوا أهل الأوثان. أما إذا جئنا إلى الوهابيين فإننا نجد أن هناك تميزاً في انطباق هذا الحديث على الوهابيين، ولاستكشاف هذا التميز يجدر بنا ذكر الحادثة التأريخية التالية في موقف الوهابيين من حملة نابليون على مصر عام 1798م، حيث انبرى العالم الإسلامي بأجمعه للدفاع عن أرض الإسلام أمام أول غزو صليبي في العصر الحديث، فجاءت الكتائب من المغرب العربي ومن بلاد الشام، بل حتى من بلاد فارس والأناضول للدفاع عن أرض الإسلام في مصر. وجاءت أكبر قوة من أرض الحجاز، حيث يذكر هيرولد: (كان أرهب إمداد وصل للمماليك هم المقاتلون القادمون من الحجاز، الذين عبروا البحر الأحمر بالألوف، وقد زعموا كلهم أنهم من سلالة الرسول، وكانوا يلبسون العمائم الخضر، ويحملون البنادق والسيوف والرماح والخناجر، وفي خلقهم صلابة تنطق بها وجوههم)(23). أما الوهابيون فلم يرف لهم جفن أمام هذا الحدث الجسيم، بل إنهم في الوقت الذي يشاهدون فيه جيرانهم من مسلمي الحجاز يذودون للدفاع عن بيضة الإسلام أمام الغزو الصليبي الفرنسي فإذا بهم يشهرون سيوفهم على مسلمي نجد والحجاز والعراق والشام!

حتى إن والي الشام سليمان باشا أرسل لهم معاتباً ومحرضاً لهم على قتال الفرنسيين في مصر، فكتب إلى سعود الكبير (فإن كانت شهواتكم في إعانة الإسلام بالمقاتلة والمعاندة، فقاتلوا أعداء الدين الكفرة الفجرة لا الملة الإسلامية). ولم يكتف الوهابيون بهذا الأمر فحسب، بل يبدو أنه كانت هناك مراسلات بين الوهابيين ونابليون لم نعرف مضمونها، ولكن الملك عبدالعزيز آل سعود كان يعرف ذلك، إذ طالما كان يشير إليها في حديثه مع الفرنسيين حيث يذكر جان جاك بيرين في كتابه (جزيرة العرب) (إن الملك عبدالعزيز طالما أشار في حديثه مع الفرنسيين إلى تبادل الرسائل بين جده ونابليون الأول أثناء حملته على مصر)(24). ويبقى مضمون هذه الرسائل سراً. وهنا يمكن أن يثار السؤال التالي:

هل إنه كان من قبيل الصدف أن تخرج الكتائب من الحجاز وبلاد الشام والعراق إلى مصر لقتال الفرنسيين فيشن الوهابيون في العام نفسه وفي العام الذي يليه هجومهم على الحجاز فيحتلون الخرمة والبيشة(25)، حتى تمكنوا من دخول مكة عام 1801م، وليشنوا هجومهم الثاني على الشام فيخضعون لسلطانهم بادية الشام، ثم ليشنّوا هجومهم الثالث في العام نفسه على العراق حتى يبلغوا مدينتي سوق الشيوخ والسماوة(26) !!!!!!

هذا في الماضي. أما في الحاضر، فعندما تطورت الأمور وتواجهوا مع الأميركيين فإنهم في هذه الحال لم يفرقوا بين العسكريين والمدنيين، ولم يفرقوا بين رجل وامرأة أو صغير أو كبير، بل حتى لم يفرقوا بين غير المسلم وبين المسلم الذي يحمل الجنسية الأميركية أو من يدفع الضريبة للحكومة الأميركية. نعم إن بعض أفراد الحكومة الأميركية قد يكونون من الظالمين ولكن ما هو ذنب المرأة الأميركية والطفل الأميركي أن يقتل في مبنى التجارة في نيويورك؟ فإذا كانوا نصارى (مع حرمه قتل النصارى في الإسلام) فما هو مبرر قتل المسلمين الأميركيين حيث قتل ما يقارب المائتي مسلم في تلك الواقعة؟ (… إنهم مباحو الدم لأنهم يدفعون الضرائب)!، فما أسهل هذا الإفتاء وما أرخص النفس البشرية، قال الله تعالى في كتابه الكريم: {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً} (سورة المائدة، 32). لا يوجد تعظيم للنفس البشرية في جميع الأديان كما هو موجود في الإسلام: قتل إنسان واحد بغير حق… قتل نفس بشرية من دون حق… نفس بشرية فحسب… لم يتطرق القرآن لعقيدة تلك النفس… لم يذكر إن كانت تلك النفس مسلمة أو غير مسلمة… فهل يمكن أن توجد في الأرض جريمة أعظم من جريمة قتل الناس جميعاً؟ كلا، لا توجد جريمة أعظم وأكبر من تلك الجريمة، فإن قتل نفس واحدة بغير حق تعادل ارتكاب أعظم جريمة في الأرض… فهل يوجد دين أعطى هذه القيمة العظيمة للنفس البشرية بغض النظر عن معتقدها كما أعطاها الإسلام؟ ولكن الوهابيين لا يعقلون هذا الإسلام، لا يعقلون هذه القيمة لأنهم يقرأون القرآن فلا يجاوز تراقيهم. قال رسول الله (ص): (إن حرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة بيته الحرام)، فبأي مسوغ شرعي حتى بشريعة الوهابيين أنفسهم استباحوا قتل هؤلاء المسلمين؟ فبأي ميزان كان قتل البريء والمرأة والطفل سواء كان مسلماً أم غير مسلم من الإسلام؟ وأي آية من كتاب الله وأي حديث أجاز ذلك الأمر؟ ومتى أصبح قاتل النساء والأطفال من الأبرياء شهيداً بمنظار الإسلام؟ إن فعلهم هذا هو بحق تجسيد لقول الرسول (ص) يقرأون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم.

11، مقولة الرسول (ص) والله لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وثمود

نتيجة للأسباب الآنفة الذكر نجد أن الرسول (ص) يقول لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد أو قتل ثمود. والأمر الغريب هو ذكر لفظ عاد أو ثمود، فإن الله لم يذر لعادٍ أو ثمود دياراً، فأبادهم بأجمعهم ولم يبق منهم أحداً، والرسول (ص) يود أن يقتلهم قتل عاد أو ثمود كناية عن رغبته في إبادتهم فإنهم إن لم يبادوا كما حدث عند القضاء على دولتهم السعودية الأولى حين احتلت الرياض والدرعية فإن بقاء قلة قليلة كان سبباً لانبثاق دولتهم الثانية. وهكذا الحال بالنسبة للإخوان، حيث كاد ابن سعود أن يقضي عليهم في معركة السبلة ولكن قلة قليلة منهم بقيت فقامت الدعوة المحتسبة واحتلوا الحرم المكي الشريف، فما كاد يقضى عليهم بإعدام كل قادتهم ولكن قلة قليلة منهم بقيت فقام تنظيم القاعدة وانشؤا دولة طالبان في أفغانستان. وما أن قضي على دولة طالبان وقتل إبن لادن حتى قامت مجموعة صغيرة مع ابي مصعب الزرقاوي بتشكيل قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين وقاموا بعمليات قتل فيها الآلاف من الأبرياء في العراق والأردن ومدريد، وما أن قتل ابو مصعب الزرقاوي وكاد تنظيمه ينتهي حتى قام أبو بكر البغدادي بتشكيل داعش وأسس دولة الخلافة الإسلامية في الموصل وشمال سوريا.

لذلك فإن الرسول (ص) بعلمه بهذه الحقيقة كان يرغب أن يبيدهم عن بكرة أبيهم كما أباد الله قوم عاد وثمود فلا يمكن أن تقوم لهم قائمة أبداً. والظاهر أن هذا الأمر لا يتم إلا بقتل آخر من يخرج فيهم وهو الدجّال بحسب ما ورد في الحديث النبوي الشريف.

أما ما جاء في القرآن الكريم من آيات تدعو للتأمل فهي قوله تعالى: {والأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم} (سورة التوبة، 97). فالمعلوم أن هذا الوصف (الأعراب، أي سكان البادية) كان في زمن الرسول (ص) ينطبق بشكل كامل على أهل نجد الذين يسكنون البادية عكس أهل الحجاز المتحضّرين في مدن يثرب ومكة والطائف، أو أهل اليمن والشام والعراق الذين سكنوا المدن، فإن كان الدين والإسلام عند الأعراب وحدهم كما يزعم الوهابيون وباقي الناس كلهم مشركون فهل يعقل أن يصفهم رب العزة بأنهم أشد الناس كفراً ونفاقاً؟ وليس أعجب من تعبير {وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم} (سورة التوبة، آية 96)، ففي الوقت الذي يأمر الله رسوله (ص) أن يبلغ رسالته ويجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ينهى أقواماً عن تعلم ذلك العلم، وبالذات حدود ما أنزل الله على رسوله، والحقيقة فإن هذه الآية هي من أعجب الآيات التي تخبر عن الغيب؛ فرب العزة يقول لو أن هؤلاء القوم آمنوا بوحدانية الله وعموميات الإسلام لكان ذلك خيراً لهم من العلم بتفاصيل الإسلام وحدود ما أنزل الله على رسوله (ص)، ومع كون ذلك الأمر يخالف المنطق ولكن الله العليم الحكيم هو العالم بأن هؤلاء القوم الذين هم أشد كفراً ونفاقاً لو علموا بحدود ما أنزل الله سيضلّون، وسيطبقون على الناس الأبرياء حدود ما أنزل الله بحق الظالمين من الكفار المعتدين جهلاً وضلالاً، فيستحلون دماءهم وأموالهم ويستبيحون نساءهم وأبناءهم، وذلك الأمر شر للصالحين من الأبرياء والمسالمين وشر لهم: شر للناس لابتلائهم بالقتل ظلماً ونهب أموالهم غصباً، وشر لهم لحملهم وزر من قتلوهم من المسلمين وغير المسلمين من الأبرياء ومن الأطفال والنساء. فلذلك كان الأجدر بهم أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله لأن في ذلك الخير للعالمين ولأنفسهم؛ ومع كون ظاهر ذلك الأمر هو خلاف الحكمة وعلم الإنسان المحدود ولكن الله هو العارف ببواطن الأمور وحقيقتها وهو العليم الحكيم والحمد لله رب العالمين.

 

نصيحة مسلم لأخيه المسلم

إن من واجب المسلم نصيحة أخيه المسلم؛ كما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو واجب إسلامي يلتزم به من يؤمن بألله ويرأف بأخوته المسلمين ويريد لهم الخير والنجاة من النار والفوز بالسعادة الأبدية، ولهذا فإني أرجو من إخوتي أن يتقبلوا نصيحتي قربة الى الله تعالى:

إن المسلم الملتزم هو الذي يؤدي الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، ولا تقبل أي صلاة من دون قراءة سورة الفاتحة مرتين على الأقل، وقراءة الفاتحة إما أن تكون لقلقة لسان يرددها المصلّي من دون أن يتعمق في معانيها أو من دون أن يتوجه بها الى الله من أعماق قلبه، فحينها لا يتحقّق من صلاته إلا القيام والقعود، وإما أن يتوجه بكل أحاسيسه ومشاعره في كل كلمة من سورة الفاتحة وبالذات عندما ينطق بـ (أهدنا الصراط المستقيم) ويطلب من الله من أعماق قلبه أن يهديه الى صراطه المستقيم، فحينها لا بد لله أن يهدي عبده الى صراطه المستقيم، ولكن ذلك الأمر لا يتحقق إلا بعد أن يتغلب الإنسان على هوى نفسه التي تدعوه الى التمسك بمعتقداته التي نشأ عليها وغذاه بها والداه أو أصحابه أو أساتذته أو أيٍ ممن يحبهم أو يجلّهم، من رجل دين أو قائد حزب أو رجل فكرٍ أو قائد مجموعة من الناس، إن هذه المعتقدات التي يتلقاها الإنسان من الجهات التي ذكرناها قد تكون معتقدات باطلة، وهي فتنة من الله ليمتحن فيها عبده في قوله تعالى: {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}، لذلك يجب على المؤمن أن لا يدع لأي من المؤثرات التي ذكرناها دوراً في تبني معتقد معين، بل يجعل الله وحده بما ألهمه من عقل ومن قرآن كريم ومما صح من أحاديث رسوله (ص) وبما وفره من نعمة الدعاء، من صلاة وغيرها، في تبنّي المعتقدات الصحيحة والسليمة؛ وهذا يتطلب إخلاصاً حقيقياً لله تعالى للوصول الى الحق والحقيقة؛ ولا يتصور الإنسان أن هذا الأمر هو أمر سهل أو يسير، بل هو أمر في غاية الصعوبة للإنسان بشكل عام، لأن الإنسان إذا اجتمعت عليه نفسه الأمارة بالسوء، وغواية الشيطان، وفتنة الله، فإنه بشكل طبيعي سيكون بعيداً عن الإيمان بالله بل وسائر في طريق الضلال كما في قوله تعالى {وما اكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} وقوله تعالى {والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا……} وقوله تعالى أيضاً {ثم رددناه أسفل سافلين إلا…} فتلك مسيرة الإنسان بشكل عام والاستثناء بـ (إلا) هم القلة التي جاهدت نفسها في سبيل الله للوصول إليه وإلى صراطه المستقيم؛ فإذا قرر الإنسان أن يجاهد نفسه في سبيل الله، فمن الطبيعي أن يمنَّ الله عليه بالهداية في قوله تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}، ولكن جهاد النفس ليس بالأمر الهيّن، فقد سماه رسول الله (ص) الجهاد الأكبر، مقارنة مع الجهاد الأصغر (وهو القتال والتضحية بالنفس)، مع العلم أن الإنسان في الجهاد الأصغر يمكن أن يفقد حياته، ولكن فشل الإنسان في جهاده لنفسه (الجهاد الأكبر) معناه فشله في جهاده الأصغر. فقد يعتقد الإنسان أنه عندما يضحي بنفسه بأن جهاده في سبيل الله، فإذا به يكون مصداقاً لقوله تعالى {قل هل ننبؤكم بالاخسرين اعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا}، فيكتشف حين ذاك أن تضحيته بنفسه (في عملية انتحارية أو القتل في معركة) سبباً للخلود في نار جهنم خلاف ما كان يتوقعه من السعادة الأخروية، لذلك وصفهم الله تعالى بأنهم الأخسرون أعمالاً.

ولكن كيف السبيل لتلافي هذا المصير المخيف؛…… إني لا أرغب في هذا المجال أن أزعم أن النجاة هي بالحذر من تبني المعتقدات والأفكار الضالة، ولكن النجاة لا تتحقّق إلا بمعرفة الفرق بين المعتقدات والأفكار الضالة وألأفكار الحقة؛ ثم تأتي المرحلة الثانية وهي تبنّي المعتقدات السليمة والحقة خلاف الباطل والضلال، ومعرفة الحق لا تتم إلا بجهاد النفس وتقديم طاعة الله على هوى النفس؛ فهوى النفس هو الحائل الذي يحول بيننا وبين معرفة الحقيقة.

إن الله بسعة رحمته لا يدع الإنسان في ضياع إذا أراد معرفة الحق والوصول الى الحقيقة وتبنيها ومعرفة الباطل والضلال ثم نبذه؛ ولكن الخطورة كل الخطورة هي أن يسوّل الإنسان لنفسه، فيكون هدفه أيجاد التبريرات لمعتقداته التي تلقاها إبتداءً من أناس يعتقد إبتداءً أنهم على الحق، بسبب علاقته بهم أو حبه لهم أو أحترامه لهم أو اعتقاده بوجوب طاعتهم؛ ولكن الله أولى بذلك الحب وأولى بذلك التقديس وأولى بتلك الطاعة. وليس عبثاً أن يأمرنا الله في كل يوم أن نكرر عبارة {إياك نستعين} ثم إذا شككنا بأمر نتيجة لأطلاعنا على حديث صحيح أو رأي مقنع خلاف قناعاتنا المسبقة؛ فعوضاً عن الاستعانة بالله لهدايتنا لمعرفة الحق، نحاول بشتى الطرق التشكيك بهذا الحديث الصحيح، أو نحاول تفسيره بشكل تعسفي لاسناد قناعاتنا المسبقة، فنسعى تارة سؤال إنسان للحصول على تفسير بحجج غير كافية ولكنه يماشي قناعاتنا المسبقة فنتشبّث بتلك الاجابة، أو نبحث عن هذه الحجج من خلال مواقع الإنترنت أو كتاب أو غير ذلك. إننا بشكل واضح نستعين بهؤلاء الأشخاص لإقناعنا بصحة قناعاتنا المسبقة والتي يمكن أن تكون غير صحيحة. أن الله يأمرنا أن لا نجعل لرغباتنا تاثيراً على معتقداتنا وأفكارنا وقناعاتنا. فإذا اخترنا هذا الطريق ختم الله على أسماعنا وعلى قلوبنا وأبصارنا لأننا قدمنا هوى أنفسنا على طاعة الله وأصبحنا مصداقاً لقوله تعالى { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون} .

إن الأمر الألهي هو وجوب الاستعانة بالله وحده وهو معنى قوله تعالى {وإياك نستعين} والتطبيق العملي لذلك الأمر الإلهي يتحقق إذا ما اطلعنا على حديث صحيح أو رأي مقنع خلاف قناعاتنا، أن نترك قناعاتنا ورغبات أنفسنا جانباً؛ ونبحث بجد للوصول الى الحقيقة، وندعو الله مخلصين لهدايتنا الى صراطه المستقيم، ونعاهد الله بالتخلي عن أي معتقد مسبق اعتقدنا به ولكنه يخالف الإسلام الحق كما أراده الله وكما أنزله على رسوله الكريم (ص)؛ وحين ذاك فقط يمكننا أن نكون مصداقاً لقوله تعالى{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا}، ولكن للأسف إن معظم الناس إذا اطلعوا على حقائق تخالف قناعاتهم المسبقة حاولوا تجميع أكبر مقدار من الأدلة التي تسند قناعاتهم المسبقة والتي يمكن أن تكون خلاف الحق، وبذلك لا يمكن أن تكون قناعاتهم مبنية على أسس يقينية مئة بالمئة، فيكونون مصداقاً لقوله تعالى{وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا} ، لا يمكن معرفة الحقيقة إلا بدحض كافة الشبهات بحجج يقينية واضحة والوصول الى الحقائق اليقينية وحين ذاك فقط نستطيع أن ندعي أننا على الحق؛…… ولكني أؤكد هنا أن المدخل للوصول الى الحقيقة يتحقق حينما ننطق بكلمة {أهدنا الصراط المستقيم}؛ ننطقها بتوجه كامل ودعاء صادق من أعماق قلوبنا ونطبقها قولاً وفعلاً،….. فحاشا لله أن لا يستجيب لدعاء عبده إذا كان بنية صادقة، وهو القائل في محكم كتابه الكريم {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي} وهو القائل أيضاً {وقال ربكم ادعوني استجب لكم} فـ{من أصدق من الله قيلا} ومن أصدق من الله وعداً.

لقد تم التطرق الى مجموعة من الأحاديث النبوية الصحيحة، وقد يطلع عليها من لا يعتقد بصحتها، أو من يفسرها تفسيراً آخر غير ما تم تفسيرها، فإذا كان هذا الشخص متيقناً يقيناً كاملاً مع الدليل الواضح واليقيني في عدم صحة هذه الأحاديث أو يمتلك الدليل الواضح واليقيني في تفسيرها بشكل مخالف لما ذهبنا اليه، فإن هذا الشخص قد يكون على الحق ويبرئ ذمته أمام الله.

أما إذا ولدت هذه الأحاديث شكاً في نفسه لعدم توفر الدليل الواضح واليقيني في عدم صحتها أو عدم توفر الدليل الواضح واليقيني في تفسيرها خلاف ما فسرناها، ثم قام بغض الطرف عن هذا الشك لأنه لا يرغب بالتصديق أنه ومن حوله من أهل أو أقارب أو أصحاب أو علماء دين أو أمراء جماعات أو قيادات لأحزاب أو غيرها، أنهم على الباطل؛ فليحذر يوم يقدم على الله وقد اتخذ إلهه هواه في الاستجابة لرغبات نفسه خلاف الحق؛ وليحذر من نار قد سعرها جبارها لغضبه فيبقى خالداً فيها الى أبد الآبدين، حيث لا ينفعه في ذلك اليوم شفاعة قريب او صاحب أو عالم دين أو زعيم حزب؛ لن ينفعه في ذلك اليوم، إلا إذا قرر في هذه الساعة أو أي ساعة قبل وفاته أن يخلص نيته في سبيل الله، فيتخلّى عن مشاعره ورغبات نفسه ولا يدع أي حاجز يحول بينه وبين الوصول الى الحقيقة، فيكون الله إلهه بحق لا هواه؛ وذلك هو الفوز العظيم.

هوامش الفصل الثالث

 

(1) وورد هذا الحديث بنفس الألفاظ أو بلفظ آخر مقارب وبالذات خروج هؤلاء القوم في آخر الزمان عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود ومالك بن أنس وأبي سعيد عن الكثير من أئمة الحديث كصحيح البخاري حديث رقم 4787 و5057 و6564 و6930 و7432 و4351، وأخرجه مسلم حديث رقم 1064 و1848، وأخرجه أبو داوود حديث رقم 4764 و4201، وأخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود حديث رقم2208، وأخرجه ابن ماجة عن أنس بن مالك حديث رقم 174، وأخرجه عن عبد الله بن مسعود حديث رقم167، وأخرجه النسائي حديث رقم 7335 و7336 و15298، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى حديث رقم 25192 و25272، وفي مستدرك الحاكم الجزء 2 ص 147، وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده عن عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب حديث رقم 896 و1061 و1314 و1159 و3729، وأبو يعلى في مسنده أيضاً عن عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب حديث رقم 254 و308 و5274، وابن حبان في مسنده حديث رقم 6863، والداني في السنن الواردة في الفتن حديث رقم 282، وعبد الله بن أحمد في السنة حديث رقم 1352 و1359 و1360 و1361 و1362، والبزار في مسنده حديث رقم 779 و520 و521 و530، وابن أبي شيبة في مصنفه حديث رقم 175 و37216، وآخرون لا يسع المجال لذكرهم.

(2) لقد وردت العشرات من الأحاديث الصحيحة الأخرى عن أئمة الحديث بشأن أهل نجد وأن منهم قرن الشيطان كلما قطع نشأ قرن حتى يكون في بقيتهم الدجّال عن ابن عمرو وأبي هريرة وابن مسعود وسالم عن أبيه كما في البخاري حديث 1003 و3130 و3350 و4151 و5017 و6714 و6715، ومسلم حديث رقم 5298 و5299 و5300 و5303، وسنن الترمذي حديث رقم 4051 وابن حبان حديث 6774 و6775 و7425، وموطأ مالك حديث رقم 1787، وابن أبي شيبة حديث رقم 31822، ومسند أحمد بن حنبل حديث رقم 4552 و4843 و4970 و5264 و5284 و5516 و5754 و5832 و5876 و5936 و6088 و6141 وأبي يعلى الموصلي في مسنده حديث رقم 76 و5321، والطبراني في الأوسط حديث رقم 394 و1960 و7634 و8234، وفي الصغير رقم 865، وفي مسند الشاميين 2886 و3068، والبيهقي في شعب الإيمان حديث رقم 5116 وفي دلائل النبوة حديث رقم 2742، والداني في السنن حديث رقم 46 و45 و44 و43، والحاكم النيسابوري حديث 8702 و8635، وحلية الأولياء حديث رقم 7969 وآخرين لا يسع المجال لذكرهم.

(3) اللفظ الأول للحديث: أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري (رض) حديث رقم 3445 قال (بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال يا رسول الله اعدل، فقال ويلك، ومن يعدل إذ لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال: دعه، فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية……) وأخرجه أحمد ابن حنبل عن مقسم أبي القاسم (حديث رقم 6891)، قال: (خرجت انا وتليد بن كلاب الليثي حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص وهو يطوف بالبيت معلقاً نعليه بيده، فقلنا له: هل حضرت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين يكلمه التميمي يوم حنين؟ قال: نعم، أقبل رجل من بني تميم يقال له: ذو الخويصرة، فوقف على رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وهو يعطي الناس، قال يا محمد، قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم. فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أجل فكيف رأيت؟ قال لم أرك عدلت، قال فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ويحك، إن لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ألا نقتله، قال: لا دعوه، فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه، كما يخرج السهم من الرمية……). وأخرج ابن أبي عاصم في السنة حديث 776 عن عبد الله بن عمرو وعن محمد بن علي بن حسين وعن عبد الله بن أبي نجيح، أنه قال: تكلم يومئذ رجل لم يسمه إلا محمد بن علي، قال: هو ذو الخويصرة، رجل من بني تميم، فقال: يا محمد فقد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): أجل فكيف رأيت؟ قال لم أرك عدلت، قال فغضب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ثم قال: ويحك، إذا لم يكن العدل عندي فعند من؟ فقال المسلمون: يا رسول الله، أفلا نقتله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): دعوه، فإنه سيكون له شيعة يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية……).

وقد أخرجه بألفاظ متقاربة البخاري حديث رقم 5834، ومسلم حديث رقم 1841، وابن حبان في صحيحه حديث رقم 6865، وابن أبي شيبة في مصنفه حديث رقم 37265، والنسائي في سننه الكبرى حديث رقم 7331 و7332، والطحاوي في مشكل الآثار حديث رقم 3442 والبيهقي في سننه الكبرى حديث رقم 25196، وأحمد بن حنبل في مسنده حديث رقم 6891 و11447، والطبراني في مسند الشاميين حديث رقم 1775، وابن أبي عاصم في السنة حديث رقم 772 و776 و777، والبيهقي في دلائل النبوة حديث رقم 1943 و1942 و2737، وعبد الرزاق الصنعاني في الأمالي حديث رقم 120 وآخرون.

(4) اللفظ الثاني للحديث: أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري (رض) حديث رقم 3192 (بعث علي (رضي الله عنه) إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بذهبية فقسمها….. فأقبل رجل غائر العينين، مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، كث اللحية محلوق، فقال اتق الله يا محمد، فقال: من يطع الله إذ عصيت؟ أيأمنني الله على أهل الأرض فلا تأمنوني، فسأل رجل قتله، أحسبه خالد بن الوليد، فمنعه، فلما ولى قال: إن من ضئضئ هذا أو في عقب هذا قوماً يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مرق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وأخرج الطيالسي في مسنده عن أبي سعيد الخدري (رض) (… فقام رجل غائر العينين، محلوق الرأس، مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، فقال اتق الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): فمن يطع الله إن عصيته أنا؟ أيأمنني أهل السماء ولا تأمنوني، فأستأذنه عمر، رحمه الله في قتله، فأبى، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): يخرج من ضئضئ هذا قوم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، والله لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد)، وأخرج النسائي في سننه الكبرى عن أبي بزرة الأسلمي حديث رقم 15299: (أتى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمال فقسمه، فقام رجل من ورائه فقال: يا محمد ما عدلت في القسمة، رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) غضباً شديداً وقال: والله لا تجدون بعدي رجلاً هو أعدل مني، ثم قال: يخرج في آخر الزمان قوم كأن هذا منهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، سيماهم التحليق، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجّال، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شر الخلق والخليقة)، وأخرج النسائي في سننه الصغرى حديث رقم 4075: (يخرج قوم في آخر الزمان كأن هذا منهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجّال فإذا لقيتموهم فاقتلوهم، هم شر الخلق والخليقة).

وقد أخرج هذا الحديث بألفاظ متقاربة البخاري في صحيحه حديث رقم 4116 و4412 و7035، ومسلم في صحيحه حديث رقم 1838 و1839، وابن حبان في صحيحه حديث رقم 25، وأبو داوود في سننه حديث رقم 4199، وسعيد بن منصور في سننه حديث رقم 2718، والنسائي في سننه الكبرى حديث رقم 15297 و9848، وفي سننه الصغرى حديث رقم 2562 و4073 و4075، والبيهقي في سننه الكبرى حديث رقم 12128 و12339 و25189، وفي دلائل النبوة حديث رقم 2736، وأحمد بن حنبل في مسنده حديث رقم 10824 و11476 و11525، وابن أبي عاصم في السنة حديث رقم 759، وعبد الرزاق الصنعاني في مصنفه حديث رقم 18009، وفي الأمالي حديث رقم 122، وأبو نعيم في دلائل النبوة حديث رقم 100، وأبو يعلى الموصلي في مسنده حديث رقم 1128، والبزار في مسنده حديث رقم 3253 و3268، والطيالسي في مسنده حديث رقم 954 وآخرون.

(5) حيث أثبت محمد الجاسر في كتابه (مدينة الرياض عبر أدوار التاريخ) أن عنزة سكنت اليمامة وبالذات (هجر) قبل بني حنيفة، فلما جاء بنو حنيفة وجدوا بلاداً يسكنها أبناء عمهم فجاوروهم واختلطوا معهم، ص 36، 37/ 40، 41.

(6) هما مجاعة بن مرارة وسارية بن عامر.

(7) تاريخ ابن خلدون، المجلد الرابع، ص 147.

(8) تاريخ ابن خلدون، المجلد الثالث، ص 637.

(9) تاريخ ابن خلدون، المجلد الثالث، ص 840.

(10) القرامطة، أصلهم نشأتهم تاريخهم حروبهم، عارف تامر، ص 107.

(11) برنامج الشريعة والحياة / الجزيرة نت / بتاريخ 1 / 2 / 1998 راجع:http://www.aljazeera.net/programs/pages/b9f077c5-f1f5-4371-9920-e4485fb08053

(12) الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، سليمان بن عبد الوهاب، ص 46

(13) تقع المدينة المنورة بين خطي عرض 24 و 25 شمال خط الاستواء، وبين خطي طول 39 و 40 شرق غرينيتش، وتقع الكوفة بين خطي عرض 32 و33 وخطي طول 44 و45، أي أن الكوفة تقع على بعد ثمانية خطوط عرض شمالاً وخمسة خطوط طول شرقاً، أي بمعنى أدق أن الكوفة تقع على جهة الشمال من الشمال الشرقي للمدينة المنورة. فموقعها أقرب الى الشمال من الشرق من المدينة المنورة. في حين تقع هجر(الرياض حالياً) بين خطي عرض 24 و 25 شمالاً و 46 و 47 شرقاً، وبذلك تكون بالضبط شرق المدينة من دون انحراف جنوباً أو شمالاً.

(راجع: http://ara.timegenie.com/latitude_longitude/country/sa؛ وراجع أيضاً:

http://ara.timegenie.com/latitude_longitude/country/iq ).

أما بالنسبة للنجد من الأرض فصحيح أن هناك مناطق مرتفعة في العراق حيث تغطي الجبال الشاهقة شمال العراق ولكنها بعيدة عن الكوفة ويقطنها الكرد وهم أبعد الناس عن مقتل الحسين بن علي (رض)، أما الكوفة فإنها تقع على سهل رسوبي لا يتجاوز ارتفاعه 12 متراً عن مستوى سطح البحر، أما أرض نجد الجزيرة كالرياض (هجر سابقاً) فيبلغ ارتفاعها حوالى 612 متراً عن مستوى سطح البحر . وبذلك فإن كلمة نجد تنطبق انطباقاً كاملاً على أرض نجد لفظاً ومعنىً.

(راجع: http://www.tiptopglobe.com/city?i=1043471&n=Al%20Kufa؛ وراجع أيضاً:

http://wiki.answers.com/Q/What_is_the_altitude_above_sea_level_of_Riyadh_in_Saudi_Arabia?#slide=1).

(14) راجع ويكابيديا ناصر الدين الألباني.

(15) حتى لا يعود جهيمان/ توماس هيغهامر وستيفان لاكروا / ص84.

(16) موطأ مالك، حديث رقم 627.

(17) صحيح مسلم، حديث رقم 1455.

(18) سنن ابي داوود، حديث رقم 2059.

(19) صحيح البخاري، حديث رقم 2647 / 5102 . صحيح مسلم حديث رقم 1455.

(20) راجع جريدة الرياض عدد 15310 بتاريخ 25/5/2010 ويمكن مشاهدة العبيكان يطلق هذه الفتوى على اليوتيوبhttp://www.youtube.com/watch?v=n8SRf-sen7A

(21) راجع http://www.alarabiya.net/articles/2007/09/17/39249.html

(22) صحيح مسلم، حديث رقم 1453 .

(23) السعوديون والحل الإسلامي، محمد جلال كشك، ص 126.

(24) السعوديون والحل الإسلامي، محمد جلال كشك، ص 128.

(25) تاريخ ابن هذلول، ص 83.

(26) عنوان المجد في تاريخ نجد، عثمان بن بشر النجدي، ص 111، 119.

ألوهابيون وأهل السنة والجماعة بين الكفر وألإسلام

أدناه نص ما كتبه عبد الرحمن البكري السلفي الذي ترك الفكر السلفي وتحول نحو فكر أهل السنة والجماعة في كتابه (داعش ومستقبل العالم) (ص٢٨٢-ص٢٨٩) بشأن الدفاع عن فكر أهل السنة والجماعة قبال السلفيين الذين يتهمون أهل ألسنة بالشرك بسبب أيمانهم بالشفاعة وزيارة قبر الرسول (ص) وقبور ألأولياء والصالحين

الملحق رقم [2]

الوهابيون وأهل السنّة والجماعة بين الكفر والإسلام

قال رسول الله (ص): (إذا كفّر المسلم أخاه المسلم فقد كفر أحدهما). إن اتهام الوهابيين لأهل السنّة والجماعة بالكفر والضلال والشرك بسبب إيمانهم بالشفاعة في الحياة الدنيا وزيارتهم لقبر الرسول (ص) وقبور الأولياء وإيمانهم بتنزيه الله عن مشابهة خلقه ونفي الصفات البشرية عنه كاليد والرجل والأصابع هو دليل على كفر أحدهما، إما الوهابيين وإما أهل السنّة والجماعة، فما هي أدلة كل فريق على صواب رأيه وصحة اعتقاده؟

أ، أدلة الوهابيين:

أما أدلة الوهابيين فلا تستند إلا إلى تفاسير وتأويل الآيات المتشابهة كقوله تعالى: {لله الشفاعة جميعاً} (سورة الزمر، آية 44)، حيث يستندون إلى هذه الآية لإثبات ما يلي:

1 ـ إن لله الشفاعة وحده في الحياة الدنيا ولا يستطيع أن يشفع أحد لأحد في الحياة الدنيا بل فقط في الآخرة، ففي الرسالة الثانية من (رسائل الهدية السنية) لحفيد ابن عبد الوهاب (لا يقال يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها، فإذا طلبت ذلك أيام البرزخ كان من أقسام الشرك)(1).

2 ـ إن كل من يعتقد أن النبي (ص) أو غيره من الأولياء والأنبياء يتشفعون للمؤمنين في حياتهم أو مماتهم فإن هذه العقيدة هي الشرك بذاته. ففي الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية لحفيد ابن عبد الوهاب (الالتجاء إلى غير الله مقبلاً على شفاعته طالباً لها من النبي (ص) أو غيره فهذا بعينه فعل المشركين واعتقادهم).

3 ـ دماء هؤلاء المسلمين الذين يؤمنون بالشفاعة (المشركين بحسب قول الوهابيين) مستباحة يجب قتلهم، وأموالهم مستحلة يجب نهبها، وذراريهم رقيق يجب سبيهم واستعبادهم، فقد قال الصنعاني في تطهير الاعتقاد (ومن فعل ذلك، أي طلب الشفاعة لمخلوق، فهذا شرك في العبادة وصار الفاعل عأبداً لذلك المخلوق وإن أقر بالله وعبده فإنه إقرار المشركين بالله وتقربهم إليه أي إلى الله لم يخرجه عن الشرك وعن وجوب سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونهب أموالهم)(2).

4 ـ إن شرك المسلمين المعاصرين المسلمين هو أعظم من شرك المشركين في عصر الرسول (ص)، فقد قال ابن عبد الوهاب في كشف الشبهات (إن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين:

(أحدهما) إن الأولين لا يشركون إلا في الرخاء وإما في الشدة فيخلصون؛ (والثاني) إن الأولين يدعون مع الله أحجاراً وأشجاراً مطيعة وليست عاصية وأهل زماننا يدعون مع الله أناساً من أفسق الناس)(3).

5 ـ إنهم لا يكتفون بقول إن الرسول (ص) لا يشفع بل في كلامهم نوع من الإهانة للرسول (ص) حيث ورد في خلاصة الكلام (كان محمد بن عبد الوهاب يقول عن النبي (ص) إنه طارش وإن بعض أتباعه كان يقول عصاي هذه خير من محمد لأنه ينتفع بها في قتل الحية ونحوها ومحمد قد مات ولم يبق فيه نفع وإنما هو طارش ومضى وكان يقال ذلك بحضرته أو يبلغه فلا يرفض)(4).

6 ـ ويقول محمد بن عبد الوهاب بِشأن القبة على قبر رسول الله (ص): (وإن ما عليه أهل القباب هو الشرك)(5).

ب، أدلة أهل السنّة والجماعة بل المسلمين جميعاً بشرعية الشفاعة:

يعتقد المسلمون بأن الشفاعة لله جميعاً، ولا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه لقوله تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه}، ويعتقد المسلمون أن الرسول (ص) يشفع للمؤمنين في حياته ومماته، وهذه العقيدة لا يدعيها المسلمون انطلاقاً مما تشتهيه أنفسهم وإنما هم تابعون لما أمرهم به الله ورسوله (ص) ، لقوله تعالى في كتابه الكريم:

{ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً} (سورة النساء، الآية 64) وقوله تعالى: {قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين، قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم} (سورة يوسف، الآية 97)، حيث يؤمن المسلمون بأن الرسول (ص) يشفع لأمته في حياة البرزخ بعد وفاته وذلك استناداً إلى (أ) كتاب الله  و (ب) سنّة رسوله(ص)  و (ج) موقف السلف الصالح  و (د) إجماع المسلمين.

(أ) القرآن الكريم:

قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} (سورة المائدة، الآية 35) فالله سبحانه وتعالى يأمر بابتغاء الوسيلة إليه لبلوغ مغفرته ونيل ثوابه، والوسيلة بالنسبة للمؤمنين هم الأنبياء الذين يتوسل بهم العباد (وذلك ما أجمع عليه المفسرون) ليشفعوا لهم عند الله لنيل مغفرته ورضوانه. {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً} (سورة النساء، 64) فاستغفار الرسول هنا للمسلمين في حياته كاستغفاره لهم بعد وفاته فالرسول (ص) غير ميت بل حي عند ربه يرزق لقوله تعالى: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم} (سورة آل عمران، الآية 169) والرسول (ص) كما لا يخفى أعظم منزلة من الشهداء بل هو سيد الشهداء بل سيد الخلق أجمعين وقد ورد في كتاب وفاء الوفا عن ابن عدي في كامله عن ثابت عن أنس عن الرسول (ص): (الأنبياء أحياء في قبورهم)، (للمزيد راجع الهامش 6)

(ب) الحديث النبوي الشريف:

هناك العشرات من الأحاديث المتواترة والمتضافرة بالأسانيد الصحيحة وفي كتب الصحاح التي تؤكد أن النبي (ص) يشفع لأمته حين وفاته. وأدناه غيض من فيض من الأحاديث الواردة في الصحاح والتي تثبت شفاعة الرسول (ص) لأمته في حياة البرزخ:

أ ـ فقد روى البناء واسماعيل القاضي بسند صحيح عن أبي هريرة عنه (ص): (من صلى عليَّ عند قبري وكل الله بها ملكاً يبلغني وكفي له أمر آخرته ودنياه وكنت له شهيداً وشفيعاً)(7).

ب ـ أخرج النسائي وأحمد والخطيب والبيهقي والبزار والحاكم وآخرون عن عبدالله بن مسعود عن رسول الله (ص): (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام)(8).

ج ـ أخرج النسائي والترمذي وابن ماجة عن عثمان بن حنيف أن الرسول (ص) علّم بعض أصحابه أن يدعو فيقول (اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبي الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي فشفعه فيَّ)(9)، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.

د ـ أخرج البزار ورجاله رجال الصحيح قال رسول الله (ص): (حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم)(10). وأخرجه ابن سعد في طبقاته وآخرون وصححه السيوطي.

إن الذي يقرأ هذه الأحاديث المروية عن الرسول في كتب الصحاح لا يبقى لديه شك في أن أول من عرّف الناس بشفاعة الرسول(ص) ) في حياته وبعد مماته وعرّف الناس بما يحتمل التأويل من آيات القرآن الحكيم هو الرسول الأعظم (ص) فلا يبقى شك بعد ذلك لقائل يقول إن طلب الشفاعة والتوسل بالرسول (ص) هي بدعة ابتدعها المسلمون، أو المشركون بحسب ادعاء الوهابية، قبل دعوة الوهابية بأكثر من ألف عام، فهل يمكننا تأويل حديث الرسول (ص) في قوله (وفاتي خير لكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم)، ولو كانت هذه الشفاعة في الآخرة كما يقولون لما قال (ص): (وفاتي خير لكم)، كما أنه في الآخرة لا تعرض الأعمال وحدها بل يعرض الناس للحساب مع أعمالهم.

(ج) موقف السلف الصالح من الصحابة الأوائل والأئمة الأربعة:

من المعلوم أن موقف الإسلام من طلب الشفاعة من الرسول (ص) بعد وفاته لا يمكن تطبيقه بشكل عملي إلا بعد وفاة الرسول (ص)، وبذلك فإن أكثر الناس معرفة بموقف الإسلام من هذا الأمر هم أصحابه الذين عاصروه وسمعوا منه وفهموا القرآن من الرسول (ص) ، وبذلك فإن موقفهم من الرسول (ص) بعد وفاته ومن طلب الشفاعة منه هو الحجة علينا لأن فعلهم نابع من معرفتهم بهذا الأمر من الرسول (ص) مباشرة، ولو رجعنا لوجدنا أن أول من طلب الشفاعة من الرسول (ص) هو أبا بكر الصديق (رض). فقد أخرج صاحب السيرة الحلبية في سيرته أنه لما توفي الرسول (ص) أقبل أبو بكر (رض) فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبّله وقال: (بأبي أنت وأمي طبت حياً وميتاً اذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن في بالك)(11). روى الطبراني في الكبير والترمذي وآخرون عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان (رض) في حاجة له وكان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي ابن حنيف فشكى إليه، فقال له ابن حنيف إئت المسجد فصلِّ ركعتين ثم قل: (اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد (ص) نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن تقضي حاجتي) وتذكر حاجتك وانطلق الرجل فصنع ما قال ثم أتى باب عثمان فأدخل عليه فأجلسه وقضاها له(12) (للمزيد راجع الهامش 13).

(د) إجماع المسلمين:

أجمع المسلمون منذ وفاة الرسول (ص) إلى يومنا هذا على جواز التشفّع بالرسول والتوسّل به، وتوجد في كتب الزيارة للمذاهب الأربعة إجماعاً على طلب الشفاعة من الرسول (ص) عند زيارة مشهده.

أ ـ في شرح المواهب للزرقاني(14) إن الداعي إذا قال: (اللهم إني أستشفع إليك بنبيك، يا نبي الرحمة إشفع لي عند ربك) استجيب له.

ب ـ في وفاء الوفا(15) قال عياض قال مالك في رواية ابن وهب إذا سلم على النبي (ص) ودعا بعده ووجهه إلى القبر الشريف لا إلى القبلة. ومناظرة مالك مع المنصور واضحة. (للمزيد راجع الهامش 16)

ج ــ قول الفريقين وأدلتهما على زيارة قبر الرسول (ص) وقبور الصالحين:

بالنسبة إلى زيارة قبر الرسول (ص) فإننا نجد في حقيقة الأمر أن مقولات الوهابيين تتراوح بين تحريم زيارة قبر الرسول الأعظم (ص) فضلاً عن قبور الصالحين، أو جواز الزيارة ولكن تحريم تعظيم الرسول أو مناجاته، بالإضافة إلى تحريم شد الرحال لزيارة قبر الرسول العظيم (ص) وتحريم زيارة النساء لقبور الأنبياء والصالحين.

(1) حرمة زيارة قبر الرسول (ص):

حيث يذكر القسطلاني في (إرشاد الساري) وابن حجر الهيتمي في (الجوهر المنظم) عن ابن تيمية واضع اللبنة الأولى لأفكار الوهابية بالنص (وقد منع ابن تيمية عن زيارة قبر النبي (ص) وحرمها مطلقاً فضلاً عن زيارة غيره).

(2) تشبيه قبر الرسول بالوثن:

أما ابن عبد الوهاب فلم يحرم زيارة قبر الرسول الأعظم (ص) بهذا الشكل ولكنه يحرم تعظيم قبر الرسول (ص)، ويشبه قبر الرسول (ص) بالوثن، حيث يقول بالنص (وواحد يعبد الأوثان كما في حديث الترمذي حيث يعظم قبر النبي ويقف عنده كما في الصلاة واضعاً يده اليمنى على اليد اليسرى ويقول: يا رسول الله أسألك الشفاعة، يا رسول الله أدع الله في قضاء حاجتي، ويناديه ويعتقد نداءه سبباً لحصول مراده ويعظم آثاره ومشاهده ومجالسه وداره حتى اتخذوا الآثار مسجداً، وكل ذلك من الأوثان، من نبي كان أو ولي من اللات أو العزى من المسيح أو العزير فإن الصنم في الشرع هو المصور والوثن غير المصور)(17).

(3) حرمة شد الرحال لزيارة قبر الرسول (ص) وقبور الصالحين:

حيث يجوّز ابن عبد الوهاب زيارة قبر الرسول (ص) ، ولكنه يحرم السفر إلى قبر الرسول (ص) بنيّة زيارته ولكن يجب أن تكون النية زيارة مسجد الرسول وليس قبر الرسول (ص)، حيث يقول بالنص في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية (تسن زيارة قبر النبي (ص) إلا أنه لا يشد الرحال إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه). والدليل الذي يستند إليه ابن عبد الوهاب في فتواه تلك هو قول الرسول (ص): (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى)(18). ولكن الملاحظ هنا أن الحصر في حديث الرسول (ص) هو حصر إضافي لا حصراً حقيقياً، فالمقصود من الحديث أن هذه المساجد الثلاثة تستحق شد الرحال والسفر إليها للصلاة فيها، وهذا لا يعني حرمة السفر إلى المساجد الأخرى بحيث إنه لو سافر المسافر إليها لغرض الصلاة وإحراز الفضيلة لكان عاصياً؛ فلو أخذنا بمقولة الوهابية وافترضنا وجود شخص مسلم في مدينة من مدن الغرب ليس فيها مسجد وهناك مدينة مجاورة لها فيها مسجد، فلو أن ذلك المسلم سافر إلى تلك المدينة المجاورة بغرض الاستجمام والراحة والنزهة فليس عليه ضير ولا حرمة سواء ذلك عند الوهابية أو في الإسلام، أما لو سافر هذا المسلم إلى تلك المدينة المجاورة لغرض الصلاة في المسجد كأداء صلاة الجمعة مثلاً فإن سفره سيكون سفر معصية بحسب رأي الوهابية، وهو آثم عليه بحسب استدلالهم بقول الرسول (ص) (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد…). والغريب هو أن الوهابيين يقولون تسن زيارة النبي (ص)، فمعنى ذلك أنها مستحبة، وكل مقدمات المستحب من شد الرحال أو غيره لا بد وأن تكون مباحة إذا لم تكن مستحبة أيضاً، أما أن تسن زيارة النبي (ص) ولكن تحرم مقدماتها إلا إذا كانت بهدف زيارة المسجد فهذا تناقض واضح ومخالف لبديهيات الشريعة والعقل والمنطق.

هامش الملحق رقم [2]

(1) رسائل الهدية السنية، الرسالة الثانية، ص 42.

(2) تطهير الاعتقاد، الصنعاني، ص 7؛ وقال في موضع آخر: (فمن رجع وأقر حقن عليه دمه وماله وذراريهم ومن أصر فقد أباح الله منه ما أباح لرسوله (ص) من المشركين). (تطهير الاعتقاد، الصنعاني، ص12).

(3) رسالة كشف الشبهات، محمد بن عبد الوهاب، ص 56 و57.

(4) خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام، أحمد بن زيني دحلان، ص 230.

(5) الجواهر المضيئة، محمد بن عبد الوهاب، ص 10.

(6) وأخرج أبو داوود وابن ماجة والنسائي والحاكم بإسنادهم عن الرسول (ص) (أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)، إن الملائكة عند الله يستغفرون للمؤمنين في حياتهم لقوله تعالى {إن الذين يحملون العرش ومن حوله، إلى قوله تعالى: (ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم وقهم السيئات} (سورة غافر، الآية 8)، ومما لا يخفى أن ارتباط الناس بالرسول (ص) وارتباط الرسول (ص) بهم هو أشد بكثير من ارتباط الملائكة بالناس فلا يعقل أن يتوجّه الناس إلى الملائكة ليكونوا شفعاءهم إلى الله ويحرم عليهم طلب الشفاعة من الرسول(ص) مع كون الرسول (ص) حي يرزق يسمع كلامهم ويرد سلامهم؛ وقد ذكر السيوطي عن رسول الله (ص) (إن الحجر الأسود شافع مشفع). فمما لا يخفى أيضاً أن الارتباط النفسي بالرسول (ص) هو أعظم وأشد بكثير من الارتباط النفسي بالحجر الأسود، فهل يعقل أن الحجر الأسود يشفع في حين أن رسول الله (ص) الذي هو حي عند الله يرزق وتعرض عليه صلاة المؤمنين ولا يشفع لهم؟

(7) البيهقي في حياة الأنبياء، ص 15./ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد، ج 3، ص 291.

(8) النسائي، ج 3، ص 43/ مسند أحمد بن حنبل، ج 1، ص 452./ الخطيب البغدادي، ص 769/ الحاكم النيسابوري، ج 2، ص 421./ وأبو نعيم في أخبار اصبهان، ج 2، ص 205/ البيهقي، الدعوات الكبير، ص 159./ البزار، حديث رقم 1923 وحديث رقم 1925.

(9) الترمذي، كتاب الدعوات باب رقم (119)، رقم الحديث 3578/ أحمد بن حنبل في مسنده، ج 4، ص 138، حديث 17209 / ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة، حديث رقم 1385. النسائي في السنن الكبرى حديث رقم 10495.

(10) البزار في مسنده، ج9، ص 24، حديث رقم 1925/ ابن سعد في الطبقات الكبرى، ج2، ص 194/ السيوطي في الخصائص، ج2 ،ص 281/ الحافظ العراقي في طرح التثريب، وقال إن إسناده جيد، ج3، ص 297.

(11) السيرة الحلبية، ج 3، ص 474 /هامش زيني دحلان عن السيرة، ج 3، ص 391، وورد هذا الحديث بألفاظ مختلفة في البخاري (حديث 3667/ 3394/ 3500)، والسنن الكبرى للبيهقي، حديث رقم (25044)، والاعتقاد للبيهقي حديث رقم (324)، ومسند البزار حديث رقم (74)، والطبقات الكبرى لابن سعد، حديث رقم (2011 و2054).

(12) الطبراني، المعجم الكبير، ج 9، ص 30.

(13) ج، في وفاء الوفا لابن الجوزي عن ابن الجوزاء قال قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة (رض) فقالت: فانظروا قبر النبي(ص) فاجعلوا منه كوةً إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف. ففعلوا، فمطروا حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق، وقال زين المراغي واعلم أن فتح الكوة عند القبر سنة أهل المدينة حتى الآن. د، وقال السمهودي في وفاء الوفا قال عياض في الشفاعة عن ابن حميد قال ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين مالكاً في مسجد رسول الله (ص) فقال مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن الله تعالى أدب قوماً فقال (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) وإن حرمته ميتاً كحرمته حياً فاستكان لها أبو جعفر فقال يا مالك أستقبل القبلة وأدعو أم استقبل رسول الله (ص)؟ فقال: لم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله يوم القيامة بل استقبله واستشفع به فيشفعك الله، قال الله تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم} (سورة النساء، الآية 64). وللتعريف بموقف الوهابيين من هذه الأحاديث، وبالذات رواية الإمام مالك تلك إمام المدينة وأقرب الأئمة الأربعة زماناً ومكاناً لرسول الله (ص)، فإننا نجد أن ابن تيمية ينفي هذه الرواية بكل يسر وسهولة فيقول عنها (أمر منكر لم يقل به أحد ولم يرد إلا في حكاية مفتراة على الإمام مالك)، في حين أن هذه الرواية أوردها القاضي عياض بسند صحيح وذكر أنه تلقاها عن عدة من ثقات مشايخه وذكرها أيضاً الإمام السبكي في (شفاء السقام في زيارة قبر الإمام)، والسمهودي في (خلاصة الوفاء)، والعلامة القسطلاني في (المواهب اللدنية)، والعلامة ابن حجر في (تحفة الزوار والجوهر المنتظم)، وقال ابن حجر: (جاءت بالسند الصحيح الذي لا مطعن فيه). وقال العلامة الزرقاني في (شرح المواهب) رواها ابن فهد بإسناد جيد. (ـ شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق (ص) الشيخ يوسف النبهاني ضمن مجموعة (علماء… المسلمين والوهابيين) ص 156ـ السلفية، محمد الكثيري، ص 479).هـ، ورد في الجوهر المنظم أن إعرابياً وقف على القبر الشريف وقال: (اللهم إن هذا حبيبك وأنا عبدك والشيطان عدوك، فإن غفرت لي سر حبيبك وفاز عبدك وغضب عدوك وإن لم تغفر لي غضب حبيبك ورضي عدوك وهلك عبدك، وأنت يا رب أكرم من أن تغضب حبيبك وترضي عدوك وتهلك عبدك، اللهم إن العرب إذا مات فيهم سيد أعتقوا على قبره وإن هذا سيد العالمين فأعتقني على قبره يا أرحم الراحمين). فقال له بعض الحاضرين: يا أخا العرب إن الله قد غفر لك بحسن هذا السؤال.

و. وعن سفيان بن عيينة وعن العتبي وكل منهما من مشايخ الشافعي. قال العتبي: كنت جالساً عند قبر الرسول (ص) فجاء أعرابي فقال: (السلام عليك يا خير الرسل، إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً) وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي) ثم انصرف. فغلبتني عيناي فرأيت النبي (ص) في المنام. فقال: يا عتبي إلحق الأعرابي فبشره إن الله قد غفر له. فخرجت خلفه فلم أجده.

(14) شرح المواهب، الزرقاني، ج 8، ص 398.

(15) وفاء الوفا، السمهودي، ج2، ص 1376.

(16) ج، روى أبو حنيفة في سنده عن ابن عمر قال من السنّة أن تأتي قبر الرسول (ص) من جهة القبلة وتجعل ظهرك إلى القبلة وتستقبل القبر وتسلم. د، قال ابن عساكر في التحفة في كلام أصحابنا (يعني الشافعية) إن الزائر يستقبل الوجه الشريف في السلام والدعاء والتوسل ثم يقف مستقبل القبلة والقبر عن يساره والمنبر عن يمينه فيدعو أيضاً. هـ، في وفاء الوفا عن أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن الحسين السامري الحنبلي في المستوعب في آداب زيارة النبي (ص) أنه يجعل القبر تلقاء وجهه والقبلة خلف ظهره والمنبر عن يساره ويقول: (اللهم إنك قلت في كتابك لنبيك نبي الرحمة ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك (الآية)… اللهم إني أتوجه إليك بنبيك…).

(17) سيف الجبار، لفضل رسول / عن حفيد ابن عبد الوهاب، ص 6.

(18) صحيح مسلم، ج4، ص 126.

المجموعة الثانية للوثائق الخطيرة بشأن مجازر سبايكر والموصل والتفجيرات

إذا لم تكن الوثيقة واضحة فيمكن الإطلاع عليها بدعس الكتابة بألأزرق واللغة ألأنكليزية تحت الصورة الغير واضحة ك document-4, document-6 , ألخ

%d9%88%d8%ab%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d9%a4

document-4

وثيقة رقم (٤)

document-5

وثيقة رقم (٥)

%d9%88%d8%ab%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d9%a6

document-6

وثيقة رقم (٦)

%d9%88%d8%ab%d9%8a%d9%82%d8%a9-%d9%a7

document-7

وثيقة رقم (٧)

%d9%88%d8%ab%d9%8a%d9%82%d8%a9%d9%a8

document-8

وثيقة رقم (٨)

docoment-9

وثيقة رقم (٩)

موقف الوهابيين السلفيين المعاصرين (كألقاعدة وداعش) من المسلمين من أهل السنّة والجماعة:

%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8 

هل الوهابيون المعاصرون لا يقصدون اتهام المسلمين من السنّة المعاصرين بالشرك والكفر والضلال؟ وإذا كان الأوائل يتهمون السنّة بالشرك فما هو موقف المعاصرين منهم؟ وإذا كان اتهامهم للأشاعرة بالكفر والشرك فهل يقصدون بذلك المسلمين من أهل السنّة والجماعة المعاصرين؟ وإذا كانوا يتهمونهم بالشرك والكفر فهل يستبيحون دماءهم ويفتون بوجوب قتلهم؟

هذا ما سنوضحه من كتبهم ورجالهم المعاصرين. فالدكتور محمد خليل هراس رئيس قسم العقيدة الإسلامية بكلية الشريعة بمكة المكرمة حتى وفاته في أواسط الثمانينات يذكر في كتابه (شرح العقيدة الواسطية) أن الأشاعرة هم جهمية معطلة(157). ويقول أيضاً: (وإنما سمي أهل التعطيل بالجهمية نسبة إلى الجهم بن صفوان الترمذي رأس الفتنة والضلال وقد توسّع في هذا اللفظ حتى أصبح يطلق على كل من نفى شيئاً من الأسماء والصفات فهو شامل لجميع فرق النفاة من فلاسفة ومعتزلة وأشعرية وقرامطة وباطنية)(158). كما أنه يعرف الجهمية في كتابه (باعث النهضة الإسلامية ابن تيمية السلفي)، بالنص: (وحقيقة قول الجهمية المعطلة هو قول فرعون وهو جحد الخالق وتعطيل كلامه ودينه كما كان فرعون يعمل… فلما كان قول الجهمية المعطلة النفاة يؤول إلى قول فرعون كان منتهى قولهم إنكار رب العالمين وإنكار عبادته وإنكار كلامه)(159). أما الشيخ ابن عثيمين وهو الشخص الثاني في الإفتاء بعد ابن باز في حياته، بل الشخص الأول في الإفتاء منذ وفاة ابن باز حتى وفاته في أواسط عام 2001، فيذكر في مجموعة من فتاواه ما يلي بحق الأشاعرة فيقول: (إن الأشاعرة زائغون عن سبيل الرسل وأتباعهم)(160)، (وهم محرفون للنصوص)(161)، وهم (من أهل البدع ويتصفون بغير الإسلام)(162)، (وإن الأشاعرة سيكون مصيرهم إلى النار)(163)، ولكي لا يظن القارئ أن ابن عثيمين يقصد بالأشاعرة غير المسلمين اليوم من أهل السنّة والجماعة فهو يقول بأن هؤلاء (يشكلون نسبة مقاربة لـ 95% من المسلمين في العالم الإسلامي)(164). وقد ألف ابن باز رسالة بعنوان (أهمية الالتزام بالإسلام في الدول غير الإسلامية دعوة ومنهاجاً)، قال فيها إن هذه الرسالة هي لإرشاد المسلمين وتحصينهم (ضد أهل الزيغ والضلال والبدع الذين يسيرون على نهج المعتزلة أو الشيعة أو الصوفية أو الأشاعرة أو الأحناف أو الضاهرية وغيرهم من المشركين الضالين)، وقد أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء فتوى رقم 1653 بتاريخ 2/8/1397 حرموا فيها الذبائح التي تباع في البلاد الإسلامية (ولكنهم لم يسلموا من الشرك لغلبة الجهل عليهم). ويقسم الشيخ صالح آل الشيخ المسلمين إلى صنفين، سلفيون وخلفيون، والخلفيون هم أتباع الخلف ويسمون المبتدعة(165)، وكل مسلم غير سلفي هو صاحب بدعة، ولم يدخلوا ضمن ساحة الكفار أهل السنّة فحسب، بل أدخلوا ضمن هذه الساحة الأحزاب الإسلامية السنية الأساسية كحركة الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ. فيقول الشيخ ربيع بن هادي المدخلي (البقاع المظلمة… بقاع أهل البدع والضلال المخالفين المحاربين لأهل الحديث… الإخوان المسلمين وفصائلهم والطرق الضالة بمن فيهم جماعة التبليغ)(166). ويقول عبدالعزيز ابن باز بالنص: (الإخوان المسلمون أصحاب بدع)(167). ويقول محمد ناصر الألباني المقولة نفسها: (الإخوان المسلمون أصحاب بدع)(168). أما الشيخ صالح آل الشيخ فيقول بشأن الإخوان المسلمين: (إنهم باطنية… إنهم شبيهو المشركين… يدعون دعوى الجاهلية… ليسوا من أهل السنّة ولا يحبون أهلها)(169)، ويقول ابن باز: (جماعة الإخوان المسلمين وجماعة التبليغ من الفرق الاثنتين وسبعين… من الفرق الهالكة من أهل النار وليسوا على عقيدة أهل السنّة والجماعة)(170)، ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب مؤسس الوهابية في رسائله (لا تظنوا أن الاعتقاد في الصالحين مثل الزنى والسرقة بل هو عبادة للأصنام من فعله كفر وتبرأ منه رسول الله r)(171). أما الشيخ سلمان بن فهد العوده فيعتبر أن هناك مليار مسلم ضال لأنهم يعبدون القبور ويدعون الأولياء فيقول بالنص: (يوجد ما يزيد على المليار مسلم ينتشر بينهم الضلال، وتروج البدع، وتعبد القبور، ويدعي الأولياء)(172). أما الحركات التكفيرية التي تجمع بين الفكر السلفي الوهابي وفكر سيد قطب فقد تمادوا في تكفير كل مسلم لا يعتقد بعقيدتهم. فيقول شكري مصطفى وهو من إحدى قيادات تلك الحركات: (إن الإقرار بالشهادتين لا يكفي لثبوت وصف الإسلام ما لم يقترن ببينة يتحقق معها حق الإسلام ووصفه)(173)، ويقول أيضاً: (الإصرار على المعصية هو نية عدم التوبة منها وإظهار ذلك هو إعلان نية أن لا يتوب قولاً أو فعلاً، وهذا كفر صريح في اعتبار الجماعة المسلمة يقتضي فلق الهام وقطع الرقاب، فكل من أظهر إصراراً على معصية بينة من معاصي الله بقول أو فعل فإن للجماعة المسلمة حرية أن تستأصله منها وتطهر نفسها منه تطهيراً)(174)، ويقول قيادي آخر وهو ماهر بكري: (إن كلمة عاصي هي اسم من أسماء الكافر وتساوي كلمه كافر تماماً، ومرجع ذلك إلى قضية الأسماء انه ليس من دين الله أن يسمى المرء في آن واحد مسلماً وكافراً) (175). ويقول قيادي آخر: (نحن جماعة الحق ومن عدانا فليس مسلماً) (176). وأما من يستكتبوهم من المستشرقين فإنهم يعرفون المسلمين من غير الوهابيين بأنهم اسوأ من الزنادقة (Heretics) كما ورد على لسان ديفيد كمنز مؤلف كتاب (الدعوة الوهابية والمملكة العربية السعودية) (177).

كما إن هناك فتاوى بالقتل لأعداد كبيرة من المسلمين بسبب فتاوى قديمة وباطلة لإبن تيمية بشأن أمور تافهة حيث كان يرى قتل من جهر بالنية في الصلاة، وقد إنتصر الشيخ محمد بن أبراهيم آل الشيخ لهذه الفتوى الباطلة واباح قتل من يجهر بالنية في صلاته(178)، مع العلم أن ثلث المسلمين من أهل السنة والجماعة من غير الحنابلة يجهرون بالنية في صلاتهم وبالذات الشافعية.

كما إن الشيخ محمد بن أبراهيم آل الشيخ يعتبر أبو جهل أعلم من علماء المسلمين فيقول بالنص (في هذه الأزمان وقبلها بأزمان، يدعي العلم ضخام العمائم الذين يدعون أنهم حفاظ الدين على الأمة وأنهم وأنهم،…. أبو جهل أعلم منهم، فإنه يعلم معنى لا إله إلا ألله، وهم لا يعرفونه،…… فبهم تعرف قدر الذين أبو جهل أعلم منهم)(179).

ويذكر أحد النصارى في الماضي حواراً مع أحد الوهابيين حول موقفه من النصارى وبقية المسلمين قبل استيلاء الوهابيين على مكة، وقد سأله عن موقفه من النصارى؛ فرد عليه: ( إذا قدمت أنت -النصراني- ابنتك لي كزوجة سأتزوجها…. ولكني لا أتزوج بنات أهل مكة ولا غيرهم من المسلمين الذين نعتبرهم مشركين) (180).

وأما الرسائل التي كان يبعثها أمراء آل سعود منذ الدولة السعودية الأولى إلى قبائل الجزيرة العربية من المسلمين لإخضاعهم أو مهاجمتهم فكان نصها: (من …… إلى قبيلة “…..” سلام. واجبكم يدعوكم إلى الإيمان بالكتاب الذي أرسل إليكم. لا تكونوا وثنيين كالأتراك الذين يشركون بالله. إذا آمنتم نجوتم، وإلا فسنقاتلكم حتى الموت)(181). وفي إحدى رسائل أحد أمرائهم إلى سكان المدينة المنورة يقول فيها: (إني أبتغي أن تكونوا مسلمين حقيقيين، آمنوا بالله تسلموا وإلا فإني سأقاتلكم حتى الموت)(182).

ويذكر أمين الريحاني أن الإخوان (في غلوهم يعتقدون أن من كان خارجاً عن مذهبهم فليس بمسلم، فيشيرون إلى ذلك في سلامهم على بعضهم البعض.. السلام عليكم يالإخوان، حيا الله المسلمين، وإذا سلم عليهم سنّي او شيعي فلا يردون السلام)(183).

وهنا يثار تساؤل هل إن قتل أهل السنّة والجماعة من قبل الوهابيين لأنهم سنّة كان في الماضي فقط أم إن هذا الأمر ما زال يتكرر حتى يومنا هذا؟ وهل قتل السنّة في يومنا الحالي هو مجرد أعمال فردية، أم إنها قائمة على فتاوى من قياديي ومفكري التيار الوهابي السلفي المعاصر؟؟

هناك حادثة مهمة حدثت في شهر نوفمبر عام 1995م حيث قُتل الشيخان محمد السعيد وعبد الرزاق رجام جنوب العاصمة الجزائر وهما من قيادي جبهة الإنقاذ (تيار الجزأرة/ الجماعة المسلحة)؛ وتبين أنهما قد اغتيلا من قبل الجماعة المسلحة نفسها وبحسب نشرتي الأنصار عددي 130 و 131 بتاريخ 4 و 11 يناير 1996م والتي كان يصدرها أبو قتادة الفلسطيني السلفي؛ حيث أدى هذا الحدث إلى حدوث شرخ كبير بين الجهاديين الجزائريين وبالذات في العاصمة البريطانية حيث انقسموا إلى مجموعتين؛ مجموعة أبو قتادة ومجموعة أبو مصعب السوري الذي ينتمي إلى التيار الجهادي السوري من مدرسة الإخوان. وأصدر أبو قتادة في مقال سلسلة (بين منهجين) الحلقة 80 في نشرة الأنصار يبرر فيها مقتل الشيخين ويقول بالنص: (لا ينبغي التهويش باسمه- أي الشيخ محمد السعيد- من دون النظر المبصر لسبب القتل؛…. فالقول إن الجماعة الإسلامية المسلحة قتلت الشيخ محمد السعيد وعبد الرزاق رجام لأنهما مبتدعة على عقيدة الأشاعرة قول ينقصه الدليل، نعم يجوز للأمير السنّي السلفي أن يقتل المبتدعة {أي أهل السنّة والجماعة من الأشاعرة} إذا حاولوا الوصول إلى القيادة وتغيير منهجها لأن حالهم حينئذ أشد من حالة الداعي إلى بدعته، فالمبتدعة هنا دعاة وزيادة)(184).

ولا نريد أن نناقش هل إنهما قتلا لأنهما أشعريان أو لا، ولكن المقولة أعلاه تثبت حقيقة إذا ما فكر الأشعري (أي السنّي من أهل السنّة والجماعة) بالوصول إلى قيادة التنظيم الإسلامي فيجب في هذه الحالة قتله!!! وفي الحقيقة إنهما قد قتلا بدعوى (الحفاظ على الهوية السلفية)، فالمسلم السني رفيق الدرب والشريك في الجهاد يجب أن يقتل إن لم يكن يؤمن بالفكر السلفي، وهذا هو السبب الحقيقي لقتلهما(185)، وهذا هو منهج ابن تيمية من قبلهم حيث يذكر النقشبندي ابن تيمية فيقول بحقه: (وشهر سلاح التكفير ضد من خالفوه في اعتقاداته الفلسفية كالغزالي والشافعي حتى قالوا عنه: إنه كفّر الأمة الإسلامية جمعاء)(186). اما بالنسبة لموقفهم من أهل السنة والجماعة من المتصوفة فإننا نجد أن سيل الاتهامات لا يقف عند حد، فحينما يتحدث الشيخ محمد امان الجامي الذي تنسب اليه الحركة السلفية الجامية في السعودية عن ابن عربي يقول: (شيخهم الأكبر والزنديق الأكفر ابن عربي الطائي)(187) ويصفون شرك المتصوفة بالله بأنه أشد من شرك عبدة الأصنام في الجاهلية، لأن عبدة الأصنام بحسب اعتقادهم يؤمنون بربوبية الله ويشركون في عبادته، اما الصوفية فإنهم يشركون بالله في الربوبية والعبودية؛ فيقول محمد امان الجامي بحقهم: (كل من يدين بدين الصوفية فهو يشرك بالله في الربوبية والعبادة، عرف بذلك من عرف وجهل من جهل، ولا تقبل دعواهم بأنه يشهد ألا إله إلا ألله إذ إنهم يأتون بما يناقضه في كل وقت بل في كل لحظة)(188). أما الشيخ عمر محمود أبو عمر وأبو بكر ناجي فإنهما يدعوان إلى ذبح شيوخ المتصوفة قبل استفحال أمرهم فيقول الشيخ عمر: (هؤلاء الشيوخ يجب القضاء عليهم بالذبح في بداية أمرهم وهم لا شهرة لهم ولا حساً ولا خبراً) (189).

أما في كتاب (عنوان المجد في تاريخ نجد) لمؤلفه الشهير ابن بشر فإن كلمة (المسلمين) كلما وردت في كتابه كان يعني بها الوهابيين فقط. فجميع المسلمين من غير الوهابيين هم ليسوا بمسلمين.

والفتاوى الوهابية المختلفة تعرف من يعتقد بالقباب بأنه من المشركين من دون تفريق بين قبة ولي من الأولياء أو قبة الرسول الأعظم r الذي سعى الوهابيون عام 1922م لهدم قبته، ولكن أوقفهم الملك عبد العزيز آل سعود بعد الاعتراضات والتظاهرات التي عمّت العالم الإسلامي في ذلك الوقت، فكل من يعتقد بالقباب من أهل السنة والجماعة يسمى مشركاً، فقد جاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية بأن القبة التي على قبر الرسول محرمة ومن وسائل الشرك(190) بل أفتت اللجنة بحرمة المبيت عند من يعتقد بجواز وجود القبة على قبر الرسول r وقبور الأولياء حيث جاء بالنص عن اللجنة (لا يجوز المبيت عند مشرك من أهل القباب)(191) . ويوضح الفوزان انحصار الإسلام بهم فيقول بالنص (فالقول إن الجماعة السلفية [الوهابية] واحدة من الجماعات الإسلامية هذا غلط، فالجماعة السلفية هي الجماعة الوحيدة التي يجب اتباعها والسير على منهجها والانضمام إليها والجهاد معها، وما عداها فإنه لا يجوز للمسلم الانضمام إليه؛ لأنه من الفرق الضالة….)(192).

ويذكر جون (عبد الله) فيليبي عن عبدالعزيز آل سعود أن المسيحيين يتصرّفون وفقاً لدينهم، في حين أن المسلمين الذين لا يتبعون الفهم الوهابي للتوحيد فإنهم مشركون. أي بعبارة أوضح بحسب قول فيلبي: (أن يكون المرء مسيحياً أفضل من أن يكون مسلماً غير وهابي)(193).

  

خلاصة قول الوهابيين السلفيين بحق أهل السنّة والجماعة

 

وهكذا فأهل السنّة اليوم بالمنظار الوهابي هم جهمية معطلة، أهل فتنة وضلال، زائغون عن سبيل الرسل وأتباعهم، محرّفون للنصوص، من أهل البدع ويتصفون بغير الإسلام، يقولون بقول فرعون في جحد الخالق وتعطيل كلامه ودينه وينكرون رب العالمين وعبادته وكلامه، لأنهم ينزهون ألله عن صفات خلقه من اليد والرجل والعين ومشابهته لعبده آدم، وإن (95%) خمسة وتسعين بالمائة من المسلمين اليوم هم مشركون وضالون وسيكون مصيرهم إلى النار، وإن هؤلاء المسلمين هم أسوأ من الزنادقة. وإنه يجب قتل السنّي إذا حاول الوصول إلى قيادة الحزب الإسلامي ودعا إلى عقيدته الأشعرية خلاف عقيدة ابن تيمية السلفي، بل يجب قتله وإن كان شريكاً في الجهاد ولكنه لا يؤمن بالمنهج السلفي. أما الأحزاب الإسلامية وبالذات الإخوان المسلمون وجماعة التبليغ فإنهم أصحاب بدعة ومن الفرق الاثنتين وسبعين الضالة الباطنية شبيهي المشركين يدعون دعوى الجاهلية من الفرق الهالكة من أهل النار، أما إذا اعتقد المسلم بزيارة قبر الرسول (ص) وقبور الأولياء الصالحين فإن عمله أسوأ من الزنى والسرقة بل هو عبادة للأصنام، من فعله كفر وتبرّأ منه رسول الله(ص). أما المتصوفة فإنهم زنادقة وشركهم بألله أشد من شرك عبدة الأصنام في الجاهلية ويجب المبادرة الى ذبح مشايخهم قبل انتشار امرهم. ولا يحقّ لأحد أن يدّعي أنه مسلم إذا لم يكن وهابياً. وأن يكون المرأ (غير مسلم) خيراً من أن يكون مسلماً غير وهابي. وإن علم أبو جهل أعظم من علم علماء أهل السنة والجماعة في زمننا لأنه يعرف معنى لا إله إلا ألله وعلماء السنة في زماننا لا يعرفون معنى لا إله إلا الله، وإن من يعتقد بالقبة على قبر الرسول(ص)فهو مشرك، ويحرم حتى المبيت في بيته.

الهوامش

(157)    شرح العقيدة الواسطية، محمد خليل هراس، ص 126، الرياض 1983.

(158)    المصدر السابق.

(159)    باعث النهضة الإسلامية، ابن تيمية السلفي، محمد خليل هراس، ص 34.

(160)    فتاوى ابن عثيمين، المجلد الرابع، ص 34.

(161)    المصدر السابق. ص 122.

(162)    فتاوى ابن عثيمين، المجلد الخامس، ص 90، 93.

(163)    فتاوى ابن عثيمين، المجلد الرابع، ص 289، 290.

(164)    فتاوى ابن عثيمين، المجلد الأول، ص 235.

(165)    راجع saleh.af.org.sa.

(166)    راجع http://www.sahab.net/home.

(167)    راجع watch youtube.com/?u=EnYne167G2M.

(168)    المصدر السابق.

(169)    راجع akhawat.islamway.net.

(170)    راجع http://www.alukah.net/Audio_Books/0/15807/.

(171)    مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الرسائل الشخصية، ج3 ص32. راجع أيضاً islamtoday.net.

(172)    ضوابط التكفير عند أهل السنّة والجماعة، عبد الله بن محمد القرابي، ص156.

(173)    المصدر السابق.

(174)    ضوابط التكفير عند أهل السنّة والجماعة، عبد الله بن محمد القرابي، ص155.

(175) مشكلة الغلو في الدين، عبد الرحمن اللويحق، ج2، ص676.

(176)    مشكلة الغلو في الدين، عبد الرحمن اللويحق، ج2، ص 678.

(177) The Wahhabi Mission And Saudi Arabia/ David Commins / Preface IX

يمكن مراجعة ترجمة عبد الله إبراهيم العسكر (الدعوة الوهابية والمملكة العربية السعودية)، ص 15.

(178) مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ المجلد الثاني ص 64-184.

(179) مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ المجلد الأول ص 84.

(180) محمد جلال كشك السعوديون والحل الإسلامي، ص608.

(181) لويس دوكرانسين، الوهابيون: تاريخ ما أهمله التاريخ، ص 17.

(182) لويس دوكرانسين، الوهابيون: تاريخ ما أهمله التاريخ، ص 62 ،92.

(183) أمين الريحاني: ملوك العرب، ص 569-570.

(184) راجع موقع أبو قتادة: سلسلة بين منهجين، العدد 80.

راجع http://abu-qutada.com/r?i=1081 .

وراجع القاعدة وأخواتها / كميل الطويل / ص219.

(185) راجع http://www.chihab.net/modules.php?name=News&file=article&sid=1903

(186) النقشبندي: ردود على شبهات حول السلفية، ص247.

(187) التصوف من صور الجاهلية، مجلة البحوث الاسلامية العدد (12) ربيع الأول والثاني وجمادي الأول والثاني عام 1405ه، راجع قسم المكتبة المقروءة في موقع الجامي.

(188) المصدر السابق.

(189) إدارة التوحش، أبو بكر ناجي، ص70.

(190) فتاوى اللجنة الدائمة ج9 ص82

(191) فتوى رقم 5741 للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز

(192) المنتقى من فتاوى الشيخ صالح بن فوزان، ج1، ص361.

(193) Philby of Arabia. Elizabeth Monroe. P69-70.