كيف نجد من سينهض ببلدنا؟/ دور الشباب في اصلاح العملية السياسية (الحلقة الثالثة)؛

صورة النهوض بالبلد

غادرت العراق إلى لبنان بداية عام 1977 وسافرت بعدها الى دولة عربية، وفي الحدود طلب مني الضابط العسكري امراً، ولكني لم اكن افقه لهجته، فأعاد طلبه فقلت: لا افقه ما تقول، فقال: ( إني اقول لك أكرمني) فعرفت قصده، ولكني تفاجأت، فهو ضابط عسكري على كتفه عدة نجوم، فأعطيته مبلغاً من المال لا استطيع ان اتذكره، وعندما التقيت بمضيفي في ذلك البلد واخبرته بالحادثة وكم دفعت، قال: لقد دفعت له مبلغاً كبيراً، فقلت له لم يسبق لي ان دفعت رشوةً في حياتي، فنحن في العراق لا نعرف هذا الامر ……….. بعد هذه الحادثة بثلاثين عاماً رجعت الى العراق و توليت وزارة الاتصالات فأصبت بصدمة كبيرة لم اكن اتوقعها، فقد وجدت الرشوة والفساد ضارب بأطنابه في كافة مؤسسات الدولة وكافة مناحي الحياة، وتساءلت بيني وبين نفسي ( هل هنالك امكانية لإصلاح الوضع في العراق الجديد والنهوض بالبلد؟ )…….
هذا الامر قادني الى إجراء تجربة ميدانية لعيِّنة صغيرة لا تعكس صورة الواقع بشكل كامل ولكنها قد تعطي صورة مقربة لمعرفة نسبة الاكفاء والمخلصين لبلدهم، حيث بدأت بعمل احصائية للنزيهين والاكفاء من الكادر المتقدم في الوزارة ممن هم قريبون علي ويمكنني معرفتهم [ وجدت إن عدد هذا الكادر المتقدم حوالي الخمسين موظفاً وعاملاً واستطيع ان اقول بكل ثقة ان عدد النزيهين والمخلصين فيهم لا يقل عن عشرة موظفين، وهذا لا يعني ان الاربعين الباقين ليسوا نزيهين ولكن لم تكن لي معرفةً تفصيلية بهم لكي ازكيهم كما أزكي العشرة الذين ذكرتهم، اما الكفوئين منهم كفاءة عالية فيبلغ عددهم ايضاً حوالي عشرة موظفين، كل هذه الاعداد هي اعداد مقربة، المفارقة الغريبة التي اكتشفتها ان ثمانية منهم مشتركين في النزاهة والكفاءة، فإثنان من الكفوئين فقط كانوا يفتقدوا للنزاهة؛ استناداً الى هذه الاعداد وتحويلها الى نسب مئوية استطيع ان اقول، ان نسبة النزيهين حوالي 20٪ والكفوئين حوالي 20٪، ونسبة من يجمع بين الكفاءة والنزاهة حوالي 16٪، لا أريد ان اكون متفائلاً ولكن اقول إن اقل نسبة لمن يجمع بين الكفاءة والنزاهة لا يمكن ان تكون اقل من 10٪ ]
استنادا الى الارقام اعلاه فإن عدد سكان العراق بحدود 36 مليون نسمة، إن نصف هذا العدد هم في سن العمل، اي حولي 18 مليون انسان، فإن كان من يتمتع بدرجة عالية من النزاهة والكفاءة من هؤلاء لا تقل نسبتهم عن 10٪ اي حولي مليوني شخص، وإن افترضنا ان ربع هذا العدد اي حولي نصف مليون شخص يمكن ان يكونوا في المواقع القيادية والمفصلية والمؤثرة في مؤسسات الدولة، فإن العراق يمكن ان يكون في القمة، سيكون متميزاً في نهضته وتطوره ونموه وتقدمه وازدهاره. وهذا لا يعني ان ال 90٪ يفتقرون للنزاهة والكفاءة، ولكي نكون منصفين فإني اتبنى وجهة نظر أحد الباحثين الاجتماعيين (جون ستاموز) حيث يصنف الناس إلى خمسة اصناف بالنسب التالية؛ 10٪ اناس جداً جيدين، و25٪ اناس جيدين، و50٪ اناس يريدوا ان يكونوا جيدين ولكنهم يتأثرون بالظروف الخارجية والجو العام للمجتمع، و10٪ اناس سيئين، و5٪ اناس مجرمين، واظن ان هذه النسب تنطبق إلى حد بعيد على المجتمع العراقي.
لو قارنا العراق بتركيا فنجد ان مجمل الناتج القومي التركي يبلغ 10،800 دولار للشخص الواحد في السنة لعام 2014 الذي يعتمد بالدرجة الاولى على الصناعة والزراعة، اما في العراق فإن مجمل الناتج القومي يبلغ 6،800 دولار للشخص الواحد الذي يعتمد بالدرجة الاولى على النفط الذي يمثل 60٪ من مجمل الناتج القومي. يمكننا مقارنة العراق بتركيا حيث كان وضعها الاقتصادي متدهوراً بشكل كبير في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ولكن حدثت طفرة اقتصادية في تركيا بعد عام 2002 حينما تولى حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا، وبدأت تظهر آثار تلك الطفرة منذ عام 2008 ووصلت الى القمة عام 2012، ونحن في العراق يمكننا خلال عشر سنوات بخطة اقتصادية مدروسة وحكام نزيهين ومخلصين لبلدهم تقليد التجربة التركية، فإن تمكنا من تحقيق ما حققوه فمعناه تحقيق ناتج قومي اجمالي يفوق الناتج القومي الاجمالي المتحقق اليوم من النفط، وبالتالي نستطيع ان نقول وبكل ثقة ان العراق يمكن ان يكون افضل مما كان، ولكن ذلك لا يتحقق إلا بوضع خطة اقتصادية مدروسة ومحكمة واستبدال المفسدين والجهلة من الطبقة الحاكمة الحالية بالكفوئين والمخلصين والذين يمكن ان يتجاوز عددهم النصف مليون انسان كما ذكرنا آنفاً، ولكن كيف السبيل لتحقيق ذلك ؟

أولاً: يجب ان يكون التغيير بالطرق الديمقراطية وهي طريقة الانتخاب. نعم من الافضل ان يكون انتخاباً مباشراً للحاكم التنفيذي الاول في البلد، كأن يكون رئيس الوزراء او رئيس الجمهورية، حيث لا نمر بمخاض صعب لاختيار رئيس الوزراء كل أربع سنوات، وتدخُّل الكثير من الدول ونشوء الكثير من التحالفات، وقد يأتي رئيس وزراء خلاف ارادة الشعب، ولكن هذا الامر يحتاج الى تغيير الدستور، لذلك حتى يكون طرحنا واقعياً وممكن التنفيذ، فإننا سنتبنى الطرح على الواقع الحالي، اي انتخاب اعضاء البرلمان ومن ثم انتخاب رئيس الوزراء من قبل البرلمان.

ثانياً: المواطن يعيش حالة من الاحباط، لقد فقد ثقته بأغلب السياسيين والطبقة السياسية الحاكمة، لقد كانت نسبة المصوتين في بغداد على سبيل المثال أكثر من 70٪ عام 2005، ثم هبطت الى اقل من 65٪ عام 2010 ثم اقل من 55٪ عام 2014، اما في عام 2018 فالمتوقع ان تكون نسبة المشاركة متدنية بشكل كبير جداً ولعلها تبلغ 40٪ او حتى اقل ( الاستبيانات لمنظمات المجتمع المدني الاخيرة تبين ان المصوتين ستتراوح نسبتهم بين 38٪ إلى 45٪)، اي ان نسبة الصامتين الفاقدين ثقتهم بالمرشحين او بمجمل العملية السياسية ستكون بحدود 60٪ او اكثر، والسبب إن المواطن يريد الاتجاه نحو التغيير، ولكن من ينتخب؟ ماهي الضمانة ان لا تكون الوجوه الجديدة سواء كانت شابة او غير شابة ان تكون كالوجوه السابقة؟ وإن لم تكن، فما هي الضمانة عندما يصبح الانسان في المنصب أن يتغير ويغدو همه الاساس مصلحته الشخصية والحصول على المال والمنافع بأي طريق غير شرعي ويغدوا مثل الآخرين؟ لهذا السبب فإني اتوقع إعراضاً عن الانتخابات القادمة بشكل كبير. ولكن يبقى السؤال: ما هو الحل ضمن هذا الواقع؟

ثالثاً: هناك تساؤل؛ اين تصب مصلحة الطبقة السياسية الفاسدة في مجمل الانتخابات القادمة؟ إنهم يخشون من المستقبل، سيقل عدد المؤيدين لهم، وسيتجه بعض الناس لانتخاب البدلاء من الوجوه الجديدة، ولكن مع هذا سيبقى لهم عدداً لا بأس به من المؤيدين ممن لديهم مصالح معهم، لقد قاموا باستغلال مناصبهم فعينوا المئات من المواطنين في الوزارات المختلفة، وزعوا الاراضي، تبرعوا بأموال الدولة وما سرقوه بفسادهم، او لعلهم تصرفوا بطائفية او عرقية مقيتة مدمرة للبلد ولكنها قد تصب لمصلحتهم الذاتية بسبب جهل الكثير من المواطنين؛ هذه السلوكيات والتصرفات جعلت لهم عدداً محدداً من المؤيدين، ولكنهم ايضاً يخشون من الوجوه الجديدة، لعل بعض تلك الوجوه تكسب تأييداً يفوق عدد مؤيديهم؛ لذلك فإن مصلحتهم تتحقق بأبعاد الناس عن انتخاب الوجوه الجديدة؛ او بالأحرى ابعادهم عن الانتخاب، وهذا لا يتحقق إلا بصد الناس عن الانتخاب، فكلما قلت نسبة المنتخبين كلما زادت حظوظهم بالنجاح.
المواطن العراقي يعيش حالة من الاحباط ولا أمل له بتغيير الوجوه الكالحة من السياسيين المفسدين، لذلك فإنهم غير مندفعين للانتخاب وسيعرض الكثير منهم عن الانتخاب، ولكن يجب ان لا يخفى علينا ان هناك صنف من السياسيين يخططون بطرق خبيثة لتوجيه الناس للإعراض عن الانتخاب؛ فقد اطلعت مؤخراً على منشور يتداول بشكل واسع في وسائل التواصل الاجتماعي يزعمون فيه ان قانون سانت ليغو سيوفر المجال لفوز المرشحين الذين لديهم تسلسلاً في اول القائمة وهم عادةً من الفاسدين حسب ادعائهم، وان المواطن حتى لو انتخب وجهاً جديداً في آخر القائمة فإن الاصوات ستذهب للفاسدين في اول القائمة، وهذا الافتراء الذي لا صحة له والذي يستغل جهل الناس بقانون سانت ليغو فيه وضوح ان لا ينتخب الناس الوجوه الجديدة في آخر القائمة؛ لقد اطلعت على منشور سابق يزعمون انه لو بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات بحدود 20٪ فإن الامم المتحدة ستلغي الانتخابات، هذا الامر لا علاقة له بالأمم المتحدة بالمرة، وإن افترضنا ان عدد المنتخبين بلغ اقل من 1٪ فإن الانتخابات ستكون صحيحة وسيؤخذ بنتائجها لأنه لا يوجد في الدستور فقرة تحدد نسبة عدد المنتخبين. من الواضح ان هناك منهجاً مبرمجاً يتولاه السياسيون المفسدون أنفسهم لثني الناس عن الانتخابات. وعلى المواطن ان يعي ذلك.
هذه هي
( الحلقة الثالثة ) من دور الشباب في اصلاح العملية السياسية، وسيتبعها تتمة الموضوع في ( الحلقة الرابعة ) حيث سنتناول الطرق العملية لازاحة الفاسدين من الطبقة السياسية الحاكمة وابدالهم بالمخلصين والنزيهين، كما
يمكن الاطلاع على الحلقة الثانية على الرابط https://mohammedallawi.com/2018/03/19/

حزب الدعوة الاسلامية والحقيقة الغائبة / موقفهم من السيد محمد باقر الصدر

لقد كنت واضحاً في كلامي عندما اتهمت قيادات في حزب الدعوة بانها قمة في الفساد، لم اتهم جميع اعضاء حزب الدعوة بالفساد، فهناك اعضاء من حزب الدعوة قمة في النزاهة، ممن امتلك معرفة بهم عن كثب كبعض الوزراء السابقين والحاليين سواء من حزب الدعوة او من حزب الدعوة تنظيم العراق فضلاً عن آخرين قد لا يسع المجال لذكرهم بل حتى رئيس الوزراء الحالي الدكتور حيدر العبادي حيث ان جميع المؤشرات تدل على انه انسان نزيه واعتراضي عليه سكوته على المفسدين من حزبه، ان الذين اصدروا البيان هم اناس يرثى لحالهم فهم عاجزين حتى عن اصدار بيان مترابط قوي الحجة واضح الدلالة، المضحك في الامر قولهم اني غير مطلع على [ القضايا التفصيلية للحزب] فضلاً عن عدم معرفتي ب [ المنتسبين اليه عن قرب] غريب هذا التوصيف فهل  معرفة القضايا التفصيلية للحزب هي ميزة يفتخر بها الانسان!!! وهل معرفة المنتسبين اليه عن قرب هو انجاز وقيمة لحزب اوصل العراق إلى ادنى الدرجات في الفساد وسرقة المال العام وتفشي الجريمة ووصول نسبة الفقر الى ما يقارب الثلاثين في المئة وانعدام الامن بعد خمسة عشر عاماً من القضاء على صدام، نعم اني افهم قصدهم فهم يريدون ابعاد التهمة التي وجهتها اليهم في مقابلتي وهي اختلافهم مع الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قدس) حيث منعوا الناس من تقليده بسبب اختلافهم معه في حياته، وبعد استشهاده تباكو عليه وزعموا كذباً انه كان قائدهم وقد تخلوا عنه في حياته وواجهوه واتهموه بانه انسان يجهل العمل السياسي والاجتماعي وانهم اعلم منه بالعمل السياسي والاجتماعي وانه لا يستحق التقليد، بل يجب تقليد فقيه الدعوة، وايضاً اذا اختلف فقيه الدعوة معهم اصدروا قراراً بحذفه، لأن قيادة الدعوة اصبحت الآن اكبر واعلى من اي مرجع وفقيه !!!!! إن هذا الامر يعرفه القاصي والداني من حزب الدعوة في ذلك الوقت فضلاً عن اغلب اعضاء الاحزاب الاسلامية العراقية في ذلك الوقت ،،،،،  ولهذا السبب اختلفت معهم لأني كنت ولازلت اقلد السيد الشهيد محمد باقر الصدر وافتخر اني سرت على منهجه  خلاف منهجهم البعيد كل البعد عن الإسلام الحقيقي ؛

ادناه بيان حزب الدعوة ضدي ومقابلة معي اثبت بها حقيقة ما ذكرته اعلاه

حزب الدعوة الاسلامية يرد على اتهامات علاوي ويعدها “ثأر شخصي”
ا

  قال المتحدث باسم المكتب الاعلامي لحزب الدعوة الاسلامية ان محمد توفيق علاوي من خلال تصريحاته الاخيرة فضل ان يركب موجة الهجوم على الاحزاب الاسلامية التي اصبحت بمثابة موسم لمن يريد ان يحقق شهرة اعلامية على حساب اتهام الاخرين وتسقيطهم والافتراء عليهم

عقب متحدث باسم المكتب الاعلامي لحزب الدعوة الاسلامية على تصريحات محمد توفيق علاوي في بعض الفضائيات خلال الايام الماضية التي اتهم فيها حزب الدعوة الاسلامية بالفساد في اتهام سافر لايمكن تبريره الا في سياق الخصومة السياسية والثأر الشخصي على خلفية قضايا سابقة.

ونوه المتحدث باسم المكتب الاعلامي ان محمد توفيق علاوي لاعلاقة له بحزب الدعوة الاسلامية وان انتسابه للحزب هو ادعاء وربما يكون قد انضم ولكنه سرعان ما انسحب تبعا لمسؤوله الذي كان يحبذ الانفصال مبكرا في ستينيات القرن الماضي، وان هذا الانتساب المحدود لايعني اطلاعه على القضايا التفصيلية للحزب ومعرفة المنتسبين اليه عن قرب .

واضاف المتحدث يبدو ان اتهامه لحزب الدعوة الاسلامية هو رد فعل لاتهامه بالفساد عندما كان وزيرا للاتصالات ممثلا للقائمة العراقية التي ينتسب اليها وهذا دليل واضح على اختلاف منهجه السياسي والفكري وان كان في شبابه ذو منحى اسلامي .

واكد المتحدث باسم المكتب الاعلامي ان وزير الاتصالات السابق محمد توفيق علاوي من خلال تصريحاته الاخيرة فضل ان يركب موجة الهجوم على الاحزاب الاسلامية التي اصبحت بمثابة موسم لمن يريد ان يحقق شهرة اعلامية على حساب اتهام الاخرين وتسقيطهم والافتراء عليهم.

 

لماذا رفضت منصب رئاسة الوزراء بعد تحقق الاغلبية البرلمانية عام 2010 ؟

لماذا رفضت منصب رئاسة الوزراء بعد تحقق الاغلبية البرلمانية عام 2010 ؟ لماذا انقلبت على حزب الدعوة ؟ لماذا انتميت إلى قائمة د.اياد علاوي ؟ وزارة الداخلية وحاشية المالكي هم المسؤولون غير المباشرين عن دخول داعش للموصل، من الدقيقة 16 فما بعدها، كثير من الحقائق تكشف اول مرة في الاعلام …..

كان العراق الدولة الاولى في الشرق الاسط  وسيعود كما كان بل افضل مما كان

بغداد 11

 ( الحلقة الثانية ) من دور الشباب في اصلاح العملية السياسية

 

تناولنا في الحلقة الاولى من موضوع (دور الشباب في اصلاح العملية السياسية) واقع الطبقة السياسية الحاكمة؛ لمن يريد الاطلاع يمكنه على الرابط: https://mohammedallawi.com/2018/02/24/3220/

وفي هذا المقال نتناول الحلقة الثانية وهي ان العراق كان الدولة الاولى في الشرق الاسط وانه سيعود كما كان، وإن البدائل عن الجهلة والفاسدين من الطبقة السياسية الحاكمة هم من الشباب ومن غيرهم من المخلصين لبلدهم ومن الاكفاء، وأحب ان أؤكد على حقيقة انه ليس المطلوب ازاحة كل الطبقة الحاكمة، بل الفاسدين والجهلة منهم، كما انه ليس المطلوب ان يتولى الشباب حكم البلد بالكامل؛ ولكن الشباب يمكن ان يكونوا هم المبادرين في اتخاذ الخطوات الفعلية واللازمة للتغيير، فالشباب أكثر حيوية وأكثر اندفاعاً وأغلب المبادرات الاجتماعية هي من الشباب.

إن العراق كان ولا زال يزخر بالكثير من الطاقات، ولا ارغب في ان اكون منحازاً الى عراقيتي، ولكن أظهر تقييم لدرجة الذكاء في العالم في موقع   “targetmap”

 ونشر في اغلب وسائل الاعلام العالمية عام 2013 من قبل الباحثين البريطاني “ريتشارد لين” والفنلندي “تاتو فانهانين” الى ان الشعب العراقي مع تدهور مستوى التعليم عام 2013 هو اذكى شعب عربي، وكان تصنيف ذكاء العراقيين عالمياً يأتي بالدرجة (20)؛ ولو اجري هذا التقييم في اواسط ثمانينات القرن الماضي، حيث كان التعليم على جميع مراحله في اوجه، لكان الشعب العراقي ضمن اذكى ثلاث شعوب في العالم، لان مقياس ومؤشر الذكاء (IQ) في متوسط العمر يتأثر بالمستوى الدراسي والعلمي للشخص.

والسبب لهذه الدرجة العالية من الذكاء هو تاريخ البلد منذ القدم، فالعراق مهد الحضارات، بل مهد تلاقح الحضارات، قامت فيه مجتمعات متحضرة في علاقاتها الاجتماعية، حيث قامت فيه الحضارة السومرية اول حضارة على وجه الارض، ثم تلاهم الحضارات الاكدية والبابلية والآشورية والكلدانية؛ اول ما اخترعت الكتابة في بلاد وادي الرافدين في الالفية السادسة قبل الميلاد باستخدام الخط المسماري؛ لقد كان فن تشريع القوانين متطوراً في العراق واوضح دليل مسلة حمورابي التي دون فيها اهم واوسع شريعة متكاملة في ذلك الوقت. ثم جاء الاسلام فاستقطب العراق خلال العصر الاول للإسلام اغلب العلماء من كافة بلدان العالم الاسلامي، لقد ترجمت الكثير من الكتب الى العربية من كافة انحاء العالم في ذلك الوقت في دار الحكمة في بغداد ، ومنها على سبيل المثال كتب الفلاسفة الاغريق حيث غدت بغداد مركزاً لكافة العلوم التي انتشرت في كافة انحاء العالم الاسلامي، فالخوارزمي مؤسس علم الجبر في بغداد، وجابر بن حيان مؤسس علم الكيمياء التجريبي في الكوفة، والكندي في بغداد والفارابي بين بغداد والشام وابن الهيثم في البصرة الذين ابدعوا في الكثير من العلوم كالطب والصيدلة والفلسفة والفلك والجغرافيا والرياضيات والبصريات، لقد انتقلت الفلسفة الاغريقية التي اندثرت في نفس بلاد الاغريق في عصر الكنيسة (عصر الظلمات في اوربا) وكذلك علوم الجبر والكيمياء والطب والصيدلة والفلك والجغرافيا والبصريات والرياضيات بما فيها الصفر والارقام العربية من بغداد عن طريق الجامعات العربية والاسلامية في الاندلس وصقلية ثم الى اوربا قبل حوالي الثمانمائة عام.

(يمكن مراجعة الرابط التالي للتعرف أكثر على ماضي حضارات وادي الرافدين: https://mohammedallawi.com/2018/03/04/ )

نعم تراجع العراق منذ الغزو المغولي قبل حوالي سبعة قرون واستمر هذا الوضع خلال فترة الحكم العثماني المتخلف، ولكن نهض العراق نهضة متميزة بجهود ابنائه بعد الحرب العالمية الاولى، لقد كان العراق درة المشرق العربي بعد الحرب العالمية الاولى وحتى ثمانينات القرن السابق، وكانت السعودية وجميع دول الخليج متأخرة عن العراق بمراحل كبيرة، لقد كان النظام التعليمي في سبعينات وثمانينات القرن السابق كنظام حكومي مجاني هو الاول في دول المنطقة حسب تقييم منظمة اليونسكو، واعطي العراق في نهاية السبعينات خمسة جوائز من اليونسكو لمنهجه المتطور في القضاء على الامية حيث بلغ معدل الالتحاق الاجمالي بالدراسة حوالي 100٪، والنظام الصحي في تلك الفترة كان متميزاً ايضاً، حيث كان النظام الصحي في العراق هو الاول في الشرق الاوسط ويتقدم على النظام الصحي لتركيا وايران بمراحل، ثم جاءت تسعينات القرن الماضي حيث تعرض العراق الى حصار ظالم بسبب السياسات المتهورة لصدام حسين وتقهقر البلد على أثر ذلك بشكل كبير.

ولكن مع ذلك لعب العراقيون دوراً علمياً وحضارياً مهماً داخل وخارج العراق وتركوا اثراً متميزاً في العراق وخارجه، للأسف استخدم صدام تلك القدرات داخل العراق لبناء ترسانته العسكرية من منظومات الصواريخ والبرنامج النووي والاسلحة الكيمياوية والبيولوجية والمدفع العملاق من اجل سياساته الهوجاء التي اوصلتنا الى هذا الحال.

كما توجد طاقات عراقية على درجة عالية من الكفائة من غير المجال العسكري، فقد تبنت مؤسسة ماركيز (Marquis) العالمية شخصيتين عراقيتين من داخل العراق ضمن إصدارهم السنوي   لعام 2016(Who’s Who) وهما العالم الدكتور حسام علي رئيس قسم هندسة النفط والعالم الدكتور حسين طوكان رئيس قسم هندسة الطب الحياتي وكلاهما من جامعة ذي قار وكلاهما نشرا الكثير من البحوث العلمية المتقدمة، الأول في مجال تكرير النفط والصناعات النفطية والثاني في أبحاث تكنولوجيا النانو كما إن البروفسور الدكتور داخل حسن جريو رئيس الأكاديمية العراقية لديه ابحاث متميزة في مجال هندسة النظم والكومبيوتر .

كما ان العالم جليل الخفاجى الاستاذ في جامعة بابل له ابحاث كيميائية وكيميائية طبية على مستوى واسع في عدة مجالات منها في الوقاية من السرطان واجرى ابحاثاً ناجحة في جامعة كاليفورنيا بهذا الشأن، كما يطلب منه دائماً القاء محاضرات على مستوى عالمي في كاليابان والصين فضلاً عن اميركا واوربا، وله ابحاث في ايجاد مصادر الطاقة من الماء وصناعات الحديد والصلب، وحاولت الكثير من الشركات الامريكية ابقاؤه في اميركا ولكنه رفض ذلك؛ ومع تميزه ولكنه عاجز مالياً عن طبع موسوعته الفريدة من نوعها بشأن (الغازات) حيث له نظريته الخاصة بهذا الشأن والتي يمكن ان تكون مرجعاً عالمياً في علوم الغازات مع العلم ان كلفة طباعتها لا تتجاوز الاربعين الف دولار، السبب في ذلك ان اغلب الحكام هم من الجهلة ولا يفقهون قيمة انجازاته العلمية.

اما خارج العراق فأن الكوادر العراقية المنتشرة في العالم لها انجازات عظيمة فنسبة عدد المثقفين وحاملي الشهادات العليا في بريطانيا على سبيل المثال من الاصول العراقية أكثر من ضعف امثالهم من الجاليات الاخرى كالجاليات الهندية والباكستانية على سبيل المثال مع العلم ان هجرتهم كانت قبل هجرة العراقيين وان وضعهم أكثر استقراراً من وضع العراقيين. إن عدد الاطباء العراقيين على سبيل المثال في الساحة البريطانية أكثر من اربعة آلاف طبيب، الكثير منهم على درجة عالية من التميز والعلم والابداع.

فهناك عشرات النماذج الكفوءة وبدرجة عالية جداً خارج البلد، للأسف تبين أن أغلب من رجع إلى البلد من العراقيين هم من العاطلين عن العمل وللأسف الكثير منهم من الفاسدين، وبقي الكثير من الكفوئين خارج العراق وقرروا عدم الرجوع للبلد بعد اكتشافهم للدرجة العالية من الفساد المستشري في البلد وعمليات الاغتيال المبرمج للكفاءات في ذلك الوقت، ولهذا اخذت فكرة سيئة عن مزدوجي الجنسية ممن رجع الى العراق، حيث كان اكثرهم من الجهلة ومن الفاسدين، اما الجيدين منهم فلا يرغب الغرب بالتخلي عنهم ولا يرغب برجوعهم الى بلدهم، حيث أخبرني الدكتور ابراهيم الجعفري عندما كان رئيساً للوزراء ان رئيس الوزراء البريطاني السابق (توني بلير) طلب منه ان لا يسعى لإرجاع الاطباء العراقيين في انكلترا الى العراق لان بريطانيا كانت بحاجة ماسة إليهم.

وهناك شخصيات علمية خارج العراق لعبت دوراً رائداً في المجال العلمي كالدكتور محمد الحسني الرائد في مجال الذكاء الاصطناعي  (Artificial Intelligence) حيث قامت وكالة الفضاء الأمريكية (NASA) بتبني برنامجه المتطور لإصلاح العطلات في ال(Space Shuttle) المركبة الفضائية (Colombia) في ثمانينات القرن الماضي، والدكتور عبد المجيد سلماسي الطبيب الذي يصنف ضمن الفريق الأول في بريطانيا في أبحاث الأجهزة الطبية لفحص القلب (Doppler Ultrasound)، لديه أربعة كتب في أمراض القلب تدرس في أغلب الجامعات البريطانية، والبروفسور الدكتور حامد الرويشدي الأستاذ في جامعة برونيل   (Brunel)  البريطانية في مجال الاتصالات الذي   تخرج على يديه مئات الطلاب من كافة انحاء العالم في اقسام الدراسات العليا في جامعة برونيل،  والطبيب العراقي في استراليا الدكتور منجد المدرس والذي لديه انجاز عالمي متميز تفتخر به استراليا حيث يتجه اليه المرضى المعاقين من مختلف انحاء العالم لتركيب الاطراف الصناعية بحيث تكون فعالية الطرف الصناعي مقاربة جداً للطرف الطبيعي؛ والعالم كله يعرف المهندسة المعمارية العراقية الموهوبة المرحومة زهاء حديد حيث كانت تعتبر قبل وفاتها عام 2016 انها المهندسة الاولى في العالم في هندسة العمارة ومشاريعها تغطي كافة انحاء العالم، ومهندس النفط والاقتصادي فاروق القاسم الذي تبنت النروج اطروحته الاقتصادية ويعتبر باني الاقتصاد النرويجي المعاصر وبالذات استغلال موارد النفط بالطريقة المثلى وقلده ملك النروج وسام الفارس من الدرجة الاولى وهو اعلى وسام يمنح في النروج؛ ووزير الصحة في بريطانيا الدكتور آرا درزي العراقي الجنسية والمولد والارمني الجذور الذي حصل على لقب سير من ملكة بريطانيا عام 2002 لإنجازاته في الطب والجراحة ولقب لورد عام 2007 حيث وضع ارقى واهم تعديل جذري للنظام الصحي البريطاني؛ يمكن الاطلاع على العشرات من النماذج المماثلة من المتميزين العراقيين على الرابط : https://www.facebook.com/%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%81%D8%A7%D8%A1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-794983790707829/ 

لقد ساهم العراقيون بدور فاعل في النهضة العمرانية والحضارية المتميزة في بلدان الخليج منذ ستينات القرن الماضي وحتى يومنا هذا؛ لقد اطلعت واطلع الكثير من القراء على أحد البرامج التلفزيونية العربية حيث اثبتوا فيه ان الشعب العراقي هو أكثر الشعوب العربية كرماً وجوداً وسخاءً؛ هؤلاء هم العراقيون الحقيقيون، لا استطيع ان اتخيل ان العراق الذي انتج كل هذه النماذج الجبارة وإذا بنا نكتشف ان الكثير ممن تصدوا لموقع المسؤولية هم في قمة الجهل، بل الانكى من ذلك لا زال العراق في آخر السلم في مستوى الفساد، واخرج العراق عام 2017 من التصنيف العالمي لجودة التعليم على مستوى المدارس والجامعات حسب تقييم المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس؛

ونتساءل هل يمكن ان يأخذ العراق وضعه الطبيعي كما كان في خمسينات وستينات وسبعينات وجزأً من ثمانينات القرن الماضي؟

واجيب: هذا ممكن وممكن جداً ولكنه لا يتحقق إلا بإزاحة الجهلة والفاسدين من الطبقة السياسية الحاكمة واستبدالهم بالكفوئين والمخلصين من ابناء بلدنا، وهذا ما سنتناوله في الحلقة القادمة ان شاء الله……

 

الشباب وغياب دور منظمات المجتمع المدني في توفير فرص العمل

صورة عمل الشباب 

من اجل تحقيق طموح الشباب في العمل والنهوض بالبلد

(القسم الثاني)

تطرقنا في القسم الاول من الدراسة إلى ذكر النقاط الستة الاساسية لتوفير فرص عمل للشباب (الخريجين وغير الخريجين بالدرجة الاولى) كما تناولنا النقطة الاولى ببعض التفصيل وبالذات دورات التدريب وهنا نتطرق الى باقي النقاط مع بعض التقديم والتأخير في النقاط؛ مع التركيز على دور منظمات المجتمع المدني بهذا الشأن في هذه الحلقة؛ يمكن الاطلاع على القسم الاول على الرابط:

 https://mohammedallawi.com/2018/02/10/3188/

 (3) مساعدة الحكومة في تشكيل منظمات المجتمع المدني القطاعية لتطوير القطاعات المختلفة ولوضع الضوابط والانظمة واللوائح والمعايير القطاعية: يمكننا تقسيم منظمات المجتمع المدني إلى صنفين، صنف قطاعي به منفعة متبادلة بين أعضاء هذه المنظمات من الشباب بالدرجة الاولى وبين المواطن الذي يبحث عن تخصصات معينة، فأعضاء هذه المنظمات هم من المدربين على تخصصات مختلفة تطرقنا اليها في الحلقة السابقة، كالبناء، التأسيسات الصحية، التأسيسات الكهربائية، التصميم الداخلي، تصميم الحدائق، الطب البديل،  التخصص في الكرافيك والدعايات، التخصص في تصميم صفحات الانترنت، منظمات المحاسبين والمحاسبين القانونيين، علاج الفزيوثرابي، الخياطة، المكياج، واحياناً يتطلب الامر توفير كادر على درجة عالية من التخصص والقابليات الذاتية العالية كالباحثين الاجتماعيين لعلاج الكثير من المشاكل الاسرية والاجتماعية والباحثين في الانحرافات الفكرية وحتى الدينية، ومع الاشخاص الاسوياء بل حتى المسجونين في السجون او من يريد او من اقدم على الانتحار ولم يمت وغيره، فضلاً عن غيرها من العشرات من التخصصات.

نجد على سبيل المثال هناك الكثير من الوفيات بسبب حالات الصعق الكهربائي بسبب عدم اخذ احتياطات السلامة اللازمة في التمديدات الكهربائية وتركيب الاجهزة الكهربائية، فالمواطن عادة لا يبحث عن كهربائيين متخصصين ولديهم شهادات معترف بها ومنتمين إلى إحدى منظمات المجتمع المدني المتخصصة في هذا المجال؛ لسبب بسيط وهو ان مثل هذه المنظمات غير موجودة في العراق، العامل الكهربائي عادةً لا يحمل شهادة معترف بها، والمواطن يفتقر الى ثقافة التفتيش عن العامل الكهربائي الذي لديه شهادة من خلال منظمات المجتمع المدني المتخصصة في هذا الشأن؛ لهذه المنظمات دور في توفير فرص عمل للشباب فضلاً عن تعريف المواطنين بالشباب الكفوئين ولديهم شهادات قيمة في مجال تخصصهم.

فضلاً عن ذلك نجد ان منظمات المجتمع المدني يمكن ان تغطي كافة القطاعات ومساحات الاهتمام الشعبي في العراق، فكما هو معلوم فقد تشكلت الكثير من منظمات المجتمع المدني في العراق بعد عام 2003 فضلاً عن النقابات المختلفة التي كان اكثرها قائماً قبل عام 2003، ولكن للأسف الشديد مع كل ذلك أستطيع ان اقول اننا لا زلنا في العراق نفتقر الى ثقافة منظمات المجتمع المدني، حيث هناك تصور عام ان الهدف من هذه المنظمات مقتصر على الدفاع عن حقوق الانسان واعمال الاغاثة ومساعدة الايتام والارامل والفقراء. ولا يخطر بذهن الانسان العادي ان هذه المنظمات يمكن ان تلعب دوراً فاعلاً في تطوير المجتمع وتغطية كافة الاهتمامات الاجتماعية للنهوض بالبلد وتقدم المجتمع ورقي المواطن وبالتالي ازدهار البلد. إحدى اهم شواهد ومؤشرات التمدن وتطور المجتمعات هو عدد منظمات المجتمع المدني لكل 1000 شخص، ففي الدول المتقدمة نجد ان عدد المنظمات يتراوح بين منظمتين إلى ثلاث منظمات لكل 1000 شخص، ففي دولة مثل بريطانيا يوجد أكثر من 170،000 منظمة غير حكومية فاعلة، واغلبها منظمات قطاعية وتغطي كافة الفعاليات الاجتماعية وتضع المعايير والمواصفات التي يتم تطويرها بالتعاون مع مؤسسات الدولة المتخصصة ثم يتم تبنيها من قبل الدولة والمنظمات الاخرى والمواطنين. فمثلاً توجد منظمات تغطي الفعاليات التالية على سبيل الذكر لا الحصر كالمجالات الصحية، كمنظمات مكافحة امراض السرطان، تثقيف مرضى السكر لتلافي آثاره الخطيرة، التعامل مع ضغط الدم العالي، اللياقة البدنية، الطعام الصحي، التعامل مع مرضى التوحد، الحماية من الاشعة السينية، او في مجال البيئة، كالتشجير وتوسيع المناطق الخضراء، الزراعة العضوية، الاهتمام بالحياة البرية والطيور النادرة او في المجالات الاجتماعية كتوعية المجتمع على  مخاطر المخدرات، اساليب تربية الاطفال، تقديم التوصيات للحد من حوادث السير، او منظمات مراقبة الاداء الحكومي، فكل مؤسسة حكومية على تماس مع المواطن يقيم أداؤها من قبل منظمات المجتمع المدني، فأي تقصير بحق المواطن تحاسب هذه المؤسسة ويوجه لها انذار ويعاقب العاملون فيها من قبل الجهات الرقابية في الدولة (البرلمان، هيئة النزاهة، الحكومة، القضاء، الاعلام وغيرها) (اهم جهة رقابية في الغرب على سبيل المثال هي الحكومة التي تعين منظمات المجتمع المدني وتدفع لهم اجور لمراقبة وتقييم الاداء الحكومي) فضلاً عن العشرات من المجالات والمئات من الاصناف، كتجمعات النحاتين، الممثلين والتمثيل، الحفاظ على التراث، الحفاظ على المخطوطات، وغيرها من المجالات والاصناف. وتصدر الكثير من هذه المنظمات نشرات دورية ونصائح وارشادات للمواطنين في مختلف المجالات؛ والحقيقة فإننا نفتخر في العراق بفعاليات بعض منظمات المجتمع المدني العاملة في بعض المجالات كالحفاظ على البيئة ونهر دجلة، الاهتمام بالطيور البرية، تبني الايتام، تشغيل الارامل فضلاً عن النقابات المختلفة، ولكن لا زالت فعاليات المنظمات الغير حكومية اقل بكثير من المطلوب. لذلك فالمقترح هو مساعدة الحكومة لهذه المنظمات حيث يمكن ان تنشأ الدولة على الاقل مبنى كبير في كل محافظة مخصص لمنظمات المجتمع المدني حيث تؤجر مساحات بإيجار رمزي للمنظمات ويمكن مشاركة اكثر من منظمة في نفس المساحة، وتقدم اعمال السكرتارية والتصوير وغيرها من الفعاليات المكتبية بكلف مدعومة من قبل الحكومة، اما المنشورات فيمكن للدولة ان تتكفل بكافة مصاريف طباعتها في مطابع الدولة ان كانت هذه المنشورات للصالح العام كما تتولى الحكومة المساعدة في نشر وتوزيع هذه المنشورات؛ إن هذا الامر يمكن ان يطور المجتمع ويوسع من آفاق المواطن ويزيد من وعيه. هذه المنظمات يمكنها بعد فترة من تمويل ذاتها بذاتها، حيث يمكن على سبيل المثال لمرضى السكر المسجلين مع منظمة تثقيف مرضى السكر من التبرع بمقدار ضئيل ( ألف او الفي دينار شهرياً) على ما يستلموه من ارشادات وتوفير آلية الدفع المباشر من المصرف (للأسف لا نمتلك في العراق مصارف حقيقية بل اكثرها مكاتب مزرية في خدماتها همها الاساس تصريف العملة، لا يطمئن المواطن في حفظ امواله فيها بل يخاف على امواله فيها نقيض جميع مصارف الدنيا، فلا تستحق هذه المكاتب التعيسة والبائسة اسم مصرف او بنك)، وهكذا بالنسبة لباقي المنظمات التي تقدم خدمة حقيقية للمواطنين او البلد، اما بالنسبة للمنظمات التي تقدم خدمة للأعضاء المؤسسين بالدرجة الاولى فيتم التبرع من قبل الاعضاء، كالمنظمات التي تعمل في مجال البناء وهكذا دواليك، إن إنشاء مثل تلك المنظمات يمكن ان يفتح المجال بشكل واسع لعمل الكثير من الشباب في مجالات مهنية وحيوية ومهمة تحقق خدمة كبيرة للمجتمع وفائدة مادية للشباب العاملين.

هل الشباب قادرون على تغيير الواقع السياسي؟؟؟

صورة اصلاح العملية السياسية ١

كيف يمكن للشباب ان يلعبوا دوراً فاعلاً في اصلاح العملية السياسية؟

 

العملية السياسية كانت ولازالت عرجاء منذ عام 2003 حتى يومنا هذا بسبب الكثير من السياسات الخاطئة والتي طبقت منذ اليوم الاول للاحتلال حتى يومنا هذا، لا أريد فيما سأدونه في هذا المقال من التطرق الى هذا الامر اي السياسات غير الصحيحة لان الحديث فيه ذو شجون وسيطول، ولكني اريد ان اتطرق الى الشخوص الذين تسنموا السلطة في البلد منذ ذلك اليوم حتى يومنا هذا.

استطيع ان ادعي للأسف الشديد ان السلطة قد آلت إلى اناس تسنموا حكم البلد وادارته اغلبهم عن طريق الصدفة، وللأسف ايضاً نجد ان نسبة عالية من هؤلاء سواء على مستوى مجلس النواب ام على مستوى الوزارات انهم اناس يفتقرون للكفاءة، بل اكثر من ذلك حيث ان نسبة كبيرة منهم هم من المفسدين؛ ولكن نجد في الطرف الآخر وفي نفس الوقت ان بلدنا ينعم بأعداد غفيرة من المواطنين الاكفاء والمخلصين لبلدهم سواء كان هؤلاء داخل العراق او خارجه، واغلب هؤلاء المواطنين هم من جيل الشباب الاكثر حيوية والاكثر نشاطاً؛ امام هذا الواقع نجد انه لا يمكن اصلاح الوضع إلا بإزاحة اغلب افراد الطبقة الحاكمة من المفسدين وغير الاكفاء من اعضاء مجلس النواب ومن وزراء ومدراء عامين ورؤساء هيئات وغيرهم واستبدالهم بمن هم خارج دائرة الحكم، او في مراتب وظيفية غير قيادية وبالذات من طبقة الشباب من الاكفاء والمخلصين؛ هذا هو الوضع والحال الامثل لإصلاح وضع البلد ……….

 

ولكن هل حقاً يمكننا تحقيق ذلك؟

 

وإن كانت تلك الامكانية متوفرة فما هو السبيل لتحقيقها؟؟؟

 

هذا ما سنتناوله في البحث الذي سيكون على ثلاث حلقات وهي:

 

1.الحلقة الاولى: الطبقة السياسية الحالية الحاكمة، كيفية وصولها الى حكم البلد، مؤهلاتها، امكانياتها، سلبياتها وإيجابياتها، فسادها وكفاءتها، عناصر قوتها، امكانية ازاحتهم عن السلطة بالطرق الديمقراطية.

 

2.الحلقة الثانية: المواطنين الاكفاء والمخلصين ممن هم خارج المناصب القيادية من الشباب بالدرجة الاولى، مؤهلاتهم، امكانياتهم، سلبياتهم وايجابياتهم، عناصر قوتهم، امكانية وصولهم الى السلطة بالطرق الديمقراطية.

 

 

3.الحلقة الثالثة: التخطيط الفاعل والقادر على التخلص من الطبقة الحاكمة من الفاسدين وغير الاكفاء، وتمكين الطبقة المخلصة والكفوءة وبالذات من الشباب من الوصول إلى السلطة وقيادة البلد في أقصر فترة زمنية ممكنة بالطرق الديمقراطية.

 

الحلقة الاولى

تولى أكثر افراد الطبقة السياسية الحاكمة المناصب القيادية في البلد عن طريق الصدفة؛ نعم كان هنالك قلة من المناضلين الحقيقيين ضد النظام السابق، وهناك قلة من شيوخ العشائر الحقيقيين ذوي الشهامة العالية، وقلة من الكفاءات المخلصة ضمن الفترة السابقة، ومن المتصدين الجدد؛ وللأسف الشديد تم ازاحة الكثير من الكفاءات المخلصة للبلد بطرق مختلفة لعل احدها كان تحت مسمى الاجتثاث الذي طبق بانتقائية كبيرة في اجتثاث غير الموالين وان كانوا اكفاء، ورفع الاجتثاث عن الموالين وان كانوا في قمة الفساد؛ ونجد ان الكثير من الطبقة السياسية الحاكمة قد تولوا المنصب من خلال القوائم المغلقة لمجلس النواب خلال الفترات السابقة، ومن خلال التملق للحكام الجدد، ومن خلال الانتماءات الحزبية، ومن خلال الولاء للخارج؛ نعم اثبت البعض كفاءةً في الحكم، ولكن للأسف الكثير من هؤلاء العديمي الكفاءة والاخلاص انغمسوا في الفساد واوصلونا الى هذا الوضع السيء والمزري للبلد.

لازال الكثيرون من هذه الطبقة السياسية يتمتعون بخبرة سياسية عالية بحكم نضالهم وعملهم السياسي في السابق والحاضر، ولكن إذا انعدمت النزاهة والاخلاص فإن هذه الخبرة السابقة ستغدو وبالاً على وضع البلد ويمكن ان تقود البلد إلى الهاوية وكما هو حاصل الآن.

ان عناصر قوة المفسدين منهم هي انتماءاتهم الحزبية، فضلاً عن المبالغ المالية الضخمة التي اصبحت في جعبتهم بسبب السرقات والفساد، فضلاً عن خداعهم للجماهير التي انتخبتهم بمزاعمهم المخادعة ووعودهم الباطلة.

فالمعول على الشباب ان يتحركوا ويخططوا من اجل قلب المعادلة وإزاحة الطبقة الفاسدة من الحكام الحاليين وهذا ما سنتناوله ببعض التفصيل في الحلقات القادمة إن شاء الله، لأن ما يظهر من قوة وهيمنة وسيطرة واستحواذ الفاسدين على الحكم يمكن احالته الى ضعف وهوان وتقهقر وخوف ولكن ذلك لا يتحقق إلا بالتخطيط الصحيح والتحرك الفاعل وبذل الجهود المخلصة؛ فكلمة الشاعر التونسي ابو القاسم الشابي اصبحت شعاراً لكل الثائرين على الجور والظلم والفساد والطغيان في قوله:

إذا  الشّعْبُ  يَوْمَاً  أرَادَ   الْحَيَـاةَ          فَلا  بُدَّ  أنْ  يَسْتَجِيبَ   القَـدَر”

فالواجب الملقى على عاتق المخلصين وبالذات الشباب منهم هو ارادة الحياة ورسم منهج مدروس للتحرك، والسعي الجدي للتغيير والتبديل، والمثابرة الصادقة والمخلصة لاستبدال الواقع السيء والرديء إلى واقع صالح وطيب ونزيه؛ فهؤلاء الفاسدون إن تحرك المخلصون بجد واخلاص وتخطيط سليم ستظهر عناصر ضعفهم التي يمكنها ان تنهي حياتهم السياسية في المستقبل المنظور؛ ولكن عناصر الضعف تلك لا يمكن تفعيلها إلا بالتخطيط الدقيق والجهد البالغ والعمل الدؤوب؛ فعنصر قوة الكثير من المفسدين في انتمائهم الحزبي على سبيل المثال سيزول بمجرد خروج الحزب الحاكم من السلطة بعد تولي المخلصين للحكم؛ فالأمر لا يعدو قضية وقت في مسار البلد في عملية تداول السلطة ديمقراطياً، اما ما يتمتعون به من سلطة بسبب ما يمتلكونه من اموال الفساد فان هذه السلطة ايضاً لن تدوم، وسيأتي اليوم  الذي ستكون تلك الاموال وبالاً عليهم، فمن منظار السنن الالهية هي ابتلاءهم في أنفسهم والقريبين عليهم، ومن جانب السنن والقوانين الوضعية فإن عقابهم الاجتماعي هو تشوه صورتهم والقريبين عليهم وسوء سمعتهم بين الناس ثم مآلهم الاخير هو السجن، هذا ما شاهدناه وتعلمناه من الواقع ومن تجارب التأريخ؛ اما مزاعمهم الكاذبة، فقد استبانت حقيقة بعضهم والآخرين ستستبين حقيقتهم عاجلاً ام آجلاً ولن يطول منهج خداعهم للمواطنين وعلى اثرها سوف لن يستمر مسلسل انتخابهم.

سنتناول الخطط المطلوب تنفيذها والخطوات التي يجب اتخاذها لتحقيق ما تطرقنا اليه اعلاه في الحلقة الثالثة من هذا الموضوع ان شاء الله.

اما امثلة الفساد لهذه الفئات، وفقدانهم للكفاءة، وخداعهم لمن انتخبهم، فانه لا يمكن احصاؤها وقد نشرت في الكثير من وسائل الاعلام خلال السنين السابقة وعلى نطاق واسع، ولكني أحب في هذه العجالة ان اذكر بعض النماذج التي عايشتها لعلها تزود القارئ الكريم ببعض الامثلة وتقربه من الواقع:

  1. في عام 2006 بعد بضعة أشهر من تولي وزارة الاتصال جاءتني إحدى النائبات الى الوزارة واخبرتني انها من لجنة العمل والخدمات في البرلمان وإن شؤون وزارة الاتصالات ترجع إليهم، فاهتممت بها وبدأت اشرح لها مشاريع الوزارة، ولكني تفاجأت بانها لا تفقه شيئاً مما اقول. فاستغربت من شأنها وسألتها ان كانت ترغب بشيء من زيارتها، فقالت: أنى جئت اليك لتعطيني سيارة من سيارات الوزارة، فأجبتها بأني سأستدعي المستشار القانوني وكان حينها المرحوم (السيد حسين الشمري)، فكانت إجابته بالإيجاب لعدم تخيله ما كانت تقصده وقال لها: في اي يوم ترغبين بزيارة أحد مشاريع الوزارة فاخبرينا لنرسل لك سيارة لإيصالك للمشروع؛ فأجابت: كلا، انا اريد سيارة تكون ملكي، فتفاجأ المستشار وقال: كيف نملكك سيارة وهي بذمة الوزارة؟؟ (هذا نموذج من النواب الذين يمثلون الشعب وعقليتهم؛ لا يفقهون من مجيئهم لمجلس النواب الا تحقيق المصالح الشخصية فقط ولا علاقة لهم بمصالح البلد والمواطنين)

 

  1. في عام 2007 عندما كنت وزيراً بدأنا مع وفد من الوزارة بزيارات مكوكية الى البرلمان للنقاش مع لجنة العمل والخدمات لمناقشة قانون الاتصالات، لقد كان عدد لجنة العمل والخدمات حوالي ال 25 عضواً وكان قانون الاتصالات من صلب عملهم، في اول جلسة حضر تقريباً جميع افراد لجنة العمل والخدمات، وخلال الجلسة لم يتبق إلا ثلاث اعضاء لان الآخرين لا يفقهون ما نتحدث به، وفي زياراتنا المتتالية لم نجتمع إلا مع هؤلاء الثلاث، وإن حضر شخص آخر فإنه يبقى متفرجاً (هذه حقيقة كفاءتهم؛ في حين انه من المفترض انهم أكثر الناس معرفةً لانهم يشرعون اهم القوانين التي ستحدد مستقبل البلد، بين امكانية ازدهاره وتطوره، وبين تقهقره وانهياره، كما هو حاصل الآن)

  1. في بداية عام 2008 عندما تركت الوزارة والتحقت مرة اخرى بالبرلمان، تفاجأت بالمستوى العلمي الضحل لأغلب اعضاء البرلمان، وعندما كنت اقارن بين اعضاء البرلمان وموظفي وزارة الاتصالات اكتشفت لعله الموظفين في أدنى السلم الوظيفي في الوزارة أفضل من الكثير من النواب من اعضاء مجلس النواب (هذا حال النواب في دورة عام 2006 – 2010، ولا علم لي بالنواب المعاصرين الذين لا معرفة لي باغلبهم)

 

  1. قامت إحدى النائبات عام 2013 (لا أرغب بذكر اسمها) بالافتراء باطلاً والزعم ان مشروع الكابل الضوئي الذي يمر باقليم كردستان وتركيا باتجاه اوربا ستقوم اسرائيل بالتجسس عليه، وفي الواقع انه من المستحيل امكانية التجسس على الكابل الضوئي من على البعد من اسرائيل؛ ومن المفارقات إن وزارة الاتصالات كانت قد انشأت خلال فترة وزراء الاتصال السابقين كابلات تمر في الاردن ثم الى اوربا والخطورة في هذا الخط انه يمر بإسرائيل ويقطعها من الشرق إلى الغرب، هذا إن دل على شيء فإنه يدل على إن هذه النائبة اما ان تكون انسانة جاهلة ليست مؤهلة لأن تكون نائبة تمثل الشعب، او انها تستهزأ بعقول المواطنين الذين انتخبوها، فتزعم لأهداف سياسية بحتة ان الكابل الذي يمر من خلال شمال العراق وتركيا يخضع للتجسس الاسرائيلي وتتغاضى عن تجسس اسرائيل للكابل الذي يمر في ارض اسرائيل!!!

وقد قام رئيس الوزراء السابق المالكي بتفعيل العقد بشأن الكابل الضوئي الذي يمر بإقليم كردستان، ولم تنطق هذه النائبة ببنت شفة بشأن تفعيل هذا العقد بنفس الشروط ومع نفس الجهة، الغريب في الامر ان هذه النائبة قد اعيد انتخابها بعد هذه الحادثة (هذا هو حال بعض النواب في استهزائهم بعقول ناخبيهم مع اعادة انتخابهم من قبل المواطنين الذين خدعوا بهذه الاساليب الخبيثة).

 

(بقية الموضوع في الحلقات القادمة)

من اجل تحقيق طموح الشباب في العمل والنهوض بالبلد (القسم الاول)

صورة الشباب غير الخريجين ..... إلى اين

 

(القسم الاول)

تم التطرق في الجزء الاول من هذا الموضوع تحت عنوان (كيف يمكن للحكومة ان توفر فرص عمل للشباب؟) على الرابط:

 https://mohammedallawi.com/2018/01/22

حيث تم في ذلك الجزء طرح المحور الاول وهو: توجيه الشباب وبالذات خريجي الجامعات للعمل للاستثمار في مجال المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وسنتناول في هذا الجزء المحور الثاني وهو: توجيه الشباب من غير خريجي الجامعات للعمل الحر الخاص وإنشاء المشاريع الصغيرة على الاخص.

إن هذا المحور الثاني قد يفوق في اهميته المحور الاول لما يتركه من أثر كبير في نهوض المجتمع وبناء مؤسساته الاجتماعية والمهنية ووضع اللوائح والانظمة والضوابط لتطوير المجتمع وتنميته وتأسيس واعطاء الدور الحقيقي والفاعل لمنظمات المجتمع المدني وبالتالي رفع مستوى الانسان العراقي.

إن طرح الموضوع اعلاه لا يقتصر على توفير فرص العمل فحسب بل هو منظومة اجتماعية ومهنية ومؤسساتية يمكنها ان تضع العراق في النهاية بمصاف الدول الكبرى والمتطورة في العالم المتحضر في يومنا الحالي.

وقبل الخوض في التفاصيل أحب ان انوه استنادا الى الردود التي وصلتني آنفاً إلى ان الكثير مما سأطرحه قد يظن بعض القراء الكرام  ان هذه الامور صعبة التحقيق لقلة الكادر القادر على تطبيقها؛ وانا اختلف مع هذه الظنون؛ نعم هناك قلة في الكادر، ولكن ليس ذلك بالمانع؛ يجب ان نسعى للنهوض ببلدنا وان استدعى الامر جلب طاقات وكوادر غير عراقية لفترة من الوقت؛ ولكن لا بد ان يأتي اليوم الذي ستتفجر فيه الطاقات الكامنة، ولا بد لبلدنا ان ينهض وينتفض على الفاسدين، ولا بد للمصلحين ان يتمكنوا من المسك بزمام الامور من خلال صناديق الاقتراع؛ ولا بد ان يأتي اليوم الذي يعيش فيه الانسان العراقي كما يستحق ان يعيش في بلد يقوده الطيبون والاكفاء من ابنائه وهم كثر، فينعم الناس بالراحة والاستقرار والسلام والنهوض والتطور والازدهار فليس ذلك على الله ببعيد.

إن توضيح الموضوع يتطلب البحث في ستة نقاط وهي:

 (1) اقامة دورات للتخصصات القطاعية المختلفة في كافة محافظات البلد

(2) تفعيل دور الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية وتطوير معاييره وتوسيع قاعدة المواصفات القياسية العراقية.

(3) مساعدة الحكومة في تشكيل منظمات المجتمع المدني القطاعية لتطوير القطاعات المختلفة ولوضع الضوابط والانظمة واللوائح  والمعايير القطاعية.

(4) انشاء مصرف القروض الميسرة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة الذي تطرقنا اليه سابقاً.

(5) تأسيس الهيئة العليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تطرقنا اليها سابقاً.

(6) توفير خدمات جديدة للمواطنين تغطي مئات المجالات المرتبطة بمصلحة المواطن وإنشاء مجلس حماية المستهلك الذي اقر في  قانون حماية حقوق المستهلك الصادر عام 2010.

ولتقريب الصورة للقارئ الكريم بشأن دور النقاط الستة اعلاه نفترض ان هناك شخصاً يريد ان يتعلم ويعمل في مجال التأسيسات الكهربائية؛ تقوم الهيئة العليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة (نقطة رقم 5)، إبتداءً بإنشاء معاهد وجلب مهندسين لتدريس الطلاب وتدريبهم على مبادئ الهندسة الكهربائية وكيفية تشييد التأسيسات الكهربائية (نقطة رقم 1)، ويجب ان يعلم الطالب كيف يتم انشاء التأسيسات الكهربائية ضمن اللوائح ومعايير المواصفات القياسية المدرجة من قبل الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية (نقطة رقم 2)، وعند انهاء الدورة يسجل الطالب المتخرج في منظمة قطاعية كأن تكون ( منظمة فنيي البنيان والاعمار/ الكهربائيون ) (نقطة رقم 3)، حيث عندما يريد المواطن ان يبني داراً أو عندما يريد المقاول ان يستدل على فني متخصص في التأسيسات الكهربائية يلجأ إلى هذه المنظمة لتزويده بأسماء الفنيين الحاصلين على شهادات معترف بها لإقامة التأسيسات الكهربائية ضمن المعايير والمواصفات العالمية، ويستطيع هذا الطالب المتخرج ان يفتتح محل لبيع وإنشاء التأسيسات الكهربائية اعتمادا على قرض ميسر من مصرف القروض الميسرة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة (نقطة رقم 4) اعتماداً على توصية من الهيئة العليا (نقطة رقم 5) التي ستكون حاضنة لمشروعه حتى نجاحه، ويتولى مجلس حماية المستهلك (نقطة رقم 6) إصدار لوائح بأنظمة معايير التأسيسات الكهربائية التي توجب على المقاول او اي عامل في مجال التأسيسات الكهربائية الالتزام بها .

إني لا أزعم ان العراق يفتقر إلى جميع ما ذكرنا فهناك دورات للتدريب في العديد من المجالات والقطاعات، فضلاً عن وجود بعض المعاهد الفنية والمهنية والطبية والاتصالات. وهناك الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية، وهناك المواصفات القياسية العراقية، وكانت هناك قروض ميسرة مخصصة من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية للمشاريع الصغيرة ولكن من دون منهج وبرنامج، بل هناك قروض من البنك المركزي للمشاريع الصناعية والزراعية والسكنية ولكن ايضاً من دون متابعة ومن دون برنامج واضح، وتم وضع قانون حماية حقوق المستهلك عام 2010 والذي يتضمن انشاء مجلس حماية المستهلك. للأسف الكثير من الفعاليات اعلاه دون المستوى المطلوب او شبه معطلة، والكثير من القوانين والتعليمات لا زالت حبراً على ورق؛ بل الكثير من خريجي المعاهد الفنية والمهنية والطبية وهندسة الاتصالات لا يجدون فرصاً للعمل؛

 امام هذا الواقع؛ ما هو المطلوب؟

العراق ليس بدعاً من الدول، لذلك من المهم الاستفادة من التجارب العالمية ضمن هذه النقاط الستة لرسم سياسة تتبناها الحكومة للنهوض بالمجتمع وتطويره وتوفير فرص عديدة جداً للشباب للعمل من اجل بناء البلد وازدهاره لخير ابنائه.

(1) النقطة الاولى – اقامة دورات للتخصصات القطاعية المختلفة في كافة محافظات البلد: المطلوب انشاء مئات المعاهد في مختلف المحافظات حيث نجد في دول متطورة كبريطانيا والمانيا وفرنسا وايطاليا وغيرها هناك الاف دورات التدريب، ففي كل دولة من هذه الدول بين عشرة الاف الى عشرين الف دورة تدريبية في السنة، المهم في العراق دراسة الواقع والخطط المستقبلية ثم وضع سياسة جديدة للتدريب حسب الحاجات المستقبلية المتوقعة، بل تطوير الدورات بما يتناسب مع العلوم الحديثة التي اخذت تتطور بالأسابيع والاشهر فضلاً عن السنوات، إن فترة التدريب لكل دورة تتراوح بين ثلاثة اشهر إلى سنتين في المجالات التالية على سبيل الذكر وليس الحصر:

مجال البناء والتعمير: كالتأسيسات الكهربائية، التأسيسات الصحية، النجارة، الرسم الهندسي، التصميم الداخلي، تصميم الحدائق، وغيرها.

مجال العلوم الطبية: كالإسعافات الاولية، متابعة مرضى السكر في عيادات متخصصة، فحص العيون، اللقاحات اللازمة، الفحص الدوري لكل مواطن، الطب البديل، وغيرها.

مجال الحفاظ على البيئة: الحماية من التلوث، التلوث وأثره على الانسان، معالجة تلوث الماء والهواء والتربة، علوم المناخ والاحتباس الحراري، وغيرها.

مجال الصحة والجمال: التدريب على الانظمة الغذائية لتخفيف الوزن واللياقة البدنية، العمل بصالونات التجميل، الحلاقة وتصفيف الشعر، وغيرها.

مجال الصحافة والاعلام: دورات عن الاعلام، كتابة المقالات، دورات عن الدعاية، دورات عن وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها.

فضلاً عن مئات الدورات ضمن العشرات من المجالات كمجال الهندسة وتكنولوجيا المعلومات، مجال ادارة الاعمال والتسويق، مجال الفن والتصميم، مجال الزراعة والري والغابات، مجال تنمية الثروة الحيوانية، مجال السياحة والفندقة، مجال الرياضة والتدريب، مجال التصوير وصناعة الافلام، مجال الطيران والرحلات السياحية،  مجال الصياغة والسيراميك والصناعات اليدوية، مجال اللغات المختلفة، مجال التربية والتعليم، مجال الملاحة النهرية والبحرية، مجال الطباعة والكرافيك والتصميم، مجال التمويل والصيرفة، مجال الخياطة وتصميم الملابس، مجال النجارة وصناعة الاثاث، ومئات المجالات الاخرى التي لا يسع المجال لذكرها.

(البقية في الحلقات القادمة)