عمل الشباب – الهيئة العليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة

صورة المعمل

 

من اجل تحقيق طموح الشباب في العمل والنهوض بالبلد

(القسم الثالث)

تناولنا في القسم الاول والثاني عنصرين من أصل ستة عناصر من اجل فسح المجال لتحقيق طموح الشباب في العمل وتوفير فرص العمل والنهوض بالبلد، حيث يمكن الاطلاع على القسم الثاني على الموقع: https://mohammedallawi.com/2018/03/11/

ونتناول الآن ثلاث عناصر اخرى وبالذات ضرورة تشكيل هيئة عليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة كما هي ادناه:

(3) الهيئة العليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة: إن هذا البرنامج المتكامل بكل تفاصيله يتطلب إدارة كفوءة ونزاهة وإحساس بالمسؤولية وإشراف كامل من قبل الهيئة العليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، للأسف قد نفتقد في العراق في هذه المرحلة الاشخاص الذين يمتلكون الخبرة في هذا المجال؛ فلا بأس في هذه الحالة من تعيين اناس كفوئين ويمتلكون الخبرة من غير العراقيين إن لم يتوفر الكادر العراقي لحين توفر الكادر المطلوب من العراقيين القادرين على المضي بهذا المشروع؛ ونؤكد هنا ان المشاريع الصغيرة ضمن هذه الهيئة تختلف عن المشاريع المتوسطة التي تطرقنا اليها سابقاً، فإن معدل الاستثمار للمشاريع المتوسطة بحدود الثلاثمائة الف دولار للمشروع اما هنا فإن معدل الاستثمار بحدود الخمسين الف دولار، كما ان المشاريع المتوسطة هي للمستثمرين من خريجي الجامعات بالدرجة الاولى اما هنا فهي بالدرجة الاولى للمستثمرين من غير خريجي الجامعات؛ اهداف هذه الهيئة في هذا المجال تتمثل بما يلي:

  1. رسم سياسة اقتصادية متكاملة ووضع خطة تفصيلية للنهوض بالبلد في كافة القطاعات، حيث ان الامر يحتاج إلى تخطيط دقيق لوضع برنامج الدورات القطاعية وانشاء المعاهد وتوفير الكادر التدريسي لهذه الدورات سواء كانوا من العراقيين او حتى من غير العراقيين لفترة محدودة في بداية المشروع.
  2. الاشراف على المشاريع الصغيرة والاشراف على تأسيسها والطلب من المصرف على توفير القروض الميسرة لهذا المشروع وتبقى الهيئة حاضنة للمشروع ومتابعة لأدائه وتطوره على الاقل لفترة سنة حتى يتم تحقيق الارباح، وفي حالة عدم تحقيق ارباح يتم البحث عن الاسباب وتلافيها، وفي حالة تحقيق الارباح يتم الاتفاق على تقسيط الديون وارجاع الدين إلى البنك تناسباً مع الارباح المتحققة ليستخدم مرة اخرى كقرض للمشاريع المستقبلية. إن الكثير من القروض الحكومية اليوم في مجال المشاريع الصغيرة او الزراعة او الصناعة او غيرها تستخدم فيها اموال القرض لغير الاغراض المخصصة إبتداءً بسبب الفساد وفقدان المتابعة.
  3. الدعوة لإنشاء منظمات المجتمع المدني القطاعية وتولي رفد هذه المنظمات (من سكرتارية وخدمات ومصاريف ضرورية وغيرها بالتمويل الجزئي او الكامل) ولا يدفع معاش للعاملين المتطوعين إلا في الحالات النادرة واحتياج تخصصات ضرورية او تفرغ للعمل وبموافقة اللجنة العليا لأن هذا العمل تطوعي حيث يكون الدوام في هذه المنظمات بشكل رئيسي في المساء وايام العطل.
  4. يجب ان توفر الهيئة ايضاً دورات حرفية للشباب والشابات وبالذات النساء غير المتعلمات كحياكة السجاد او الخياطة او صناعة الخزف والسيراميك او الرسم والعمل في صالونات الحلاقة والتجميل او غيرها، مع توفير مستلزمات هذه الفعاليات من مكائن خياطة او افران او غيرها، فهناك الكثير من النساء الشابات من الارامل او غيرهن القادرات على العمل لتوفير مصدر رزق لهن ولعوائلهن، ولكنهن يفتقرن الى التدريب.
  5. توفير صالات عرض وعمل معارض بشكل دوري للمساعدة على تصريف منتجات كافة الحرفيين في كافة المجالات. فضلاً عن اصدار دليل سنوي مطبوع او موقع على الانترنت للتعريف بالمهنيين الحائزين على شهادات تؤهلهم للعمل في القطاعات المختلفة.
  6. توجد هناك الكثير من المنظمات العالمية على مستوى منظمات الامم المتحدة او الاتحاد الاوربي وما شابه والكثير من الحكومات الاوربية التي تقوم بتوفير مُنح او قروض ميسرة لمشاريع محددة او لمكائن تستورد من مُصنعين في تلك الدولة او دورات تدريبية في مجالات محددة او مُنح لمنظمات المجتمع المدني غير النفعية او مُنح للمجالات التي توفر مجال تدريب وعمل للنساء او الايتام او ما شابه، من المهم ان تتولى الهيئة توفير دورات لتوسيع ذهنية المواطنين وتعريفهم بهذه الجهات وما هو المطلوب للحصول على المُنح والقروض الميسرة او دورات التدريب وغيرها …

(4) الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية، تفعيل دوره السابق وتوسيع قاعدة المواصفات القياسية العراقية: يعتبر الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية العراقي الذي اسس قبل حوالي الاربعين عاماً من اكثر الاجهزة تطوراً خلال العقود السابقة مقارنة بالكثير من الدول العربية، واما المقاييس والمواصفات العراقية والتي تم تبنيها منذ عام 1963 حين تأسيس هيئة المواصفات والمقاييس العراقية، فمع تغطيتها للكثير من المواصفات فإنها لا زالت تحتاج الى الكثير من التطوير والشمول؛ لا تبلغ المواصفات والمقاييس العراقية بضعة آلاف، في حين ان المواصفات البريطانية على سبيل المثال تبلغ ما يقارب الاربعين الف مواصفة، وهذا يتطلب تطوير كوادر الجهاز بإشراكهم في الكثير الدورات العالمية لتطوير كفاءاتهم ويتطلب رفدهم بكوادر على درجة عالية من التخصص في مجال المقاييس والمواصفات العالمية المعاصرة وخبرة في المنظمات العالمية لتطوير انظمة المقاييس العالمية كأل

  (ISO- International standards Organization)

وغيرها من المنظمات العالمية. والاهم من ذلك تفعيل الدور الرقابي للجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية والذي تقلص دوره الرقابي بشكل كبير خلال فترة الحصار في فترة التسعينات من القرن الماضي. إن الشباب العاملين في المجالات القطاعية كالتأسيسات الكهربائية والتأسيسات الصحية اوالتكييف اومختلف اعمال البناء أو في الجانب الصحي وغيرها يجب ان تكون طبقاً للمقاييس التي يتبناها هذا الجهاز. إن تحقيق الاهداف اعلاه يعتبر شرط اساسي وضروري إذا أريد لعملية التنمية أن تكون متقنة لتحقيق تطور حقيقي وسليم على كافة المستويات ولكافة الحقول.

(5) انشاء مصرف القروض الميسرة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة: حيث كما تطرقنا سابقاً يمكن ان يتم انشاء مثل هذا المصرف او اعتماد احد المصارف الحالية في تقديم هذه القروض الميسرة، فإذا تم تخصيص ملياري دولار في السنة لمثل هذه المشاريع الصغيرة لفترة ثلاث سنوات وبعدها يمكن اعتماد التمويل على تدوير الاموال من استرجاع القروض السابقة، فلو افترضنا ان معدل كلفة المشروع الواحد حوالي خمسين الف دولار، فمعنى ذلك انه يمكن انشاء اربعين الف مشروع في السنة وكل مشروع يمكن ان يستوعب بين ثلاث الى خمسة اشخاص، فمعنى ذلك توفير فرص لعمل ما يقارب المائة وخمسون الفاً إلى المائتي الف شاب وشابة في السنة من الشباب الذين لم تتوفر لهم الفرصة للدراسة الجامعية.

فضلاً عن ذلك فهناك بين المائتي إلى ثلاثمائة ألف متدرب سنوياً ضمن الدورات المذكورة آنفاً ممن لا يحتاجون إلى قرض لإقامة مشروع، بل سيكونون مؤهلين للعمل ضمن تخصصهم في مجال تدريبهم كعمل حر او كعاملين في شركات المقاولات او في العيادات الخاصة او الحكومية او غيرها من المجالات.

الشباب وغياب دور منظمات المجتمع المدني في توفير فرص العمل

صورة عمل الشباب 

من اجل تحقيق طموح الشباب في العمل والنهوض بالبلد

(القسم الثاني)

تطرقنا في القسم الاول من الدراسة إلى ذكر النقاط الستة الاساسية لتوفير فرص عمل للشباب (الخريجين وغير الخريجين بالدرجة الاولى) كما تناولنا النقطة الاولى ببعض التفصيل وبالذات دورات التدريب وهنا نتطرق الى باقي النقاط مع بعض التقديم والتأخير في النقاط؛ مع التركيز على دور منظمات المجتمع المدني بهذا الشأن في هذه الحلقة؛ يمكن الاطلاع على القسم الاول على الرابط:

 https://mohammedallawi.com/2018/02/10/3188/

 (3) مساعدة الحكومة في تشكيل منظمات المجتمع المدني القطاعية لتطوير القطاعات المختلفة ولوضع الضوابط والانظمة واللوائح والمعايير القطاعية: يمكننا تقسيم منظمات المجتمع المدني إلى صنفين، صنف قطاعي به منفعة متبادلة بين أعضاء هذه المنظمات من الشباب بالدرجة الاولى وبين المواطن الذي يبحث عن تخصصات معينة، فأعضاء هذه المنظمات هم من المدربين على تخصصات مختلفة تطرقنا اليها في الحلقة السابقة، كالبناء، التأسيسات الصحية، التأسيسات الكهربائية، التصميم الداخلي، تصميم الحدائق، الطب البديل،  التخصص في الكرافيك والدعايات، التخصص في تصميم صفحات الانترنت، منظمات المحاسبين والمحاسبين القانونيين، علاج الفزيوثرابي، الخياطة، المكياج، واحياناً يتطلب الامر توفير كادر على درجة عالية من التخصص والقابليات الذاتية العالية كالباحثين الاجتماعيين لعلاج الكثير من المشاكل الاسرية والاجتماعية والباحثين في الانحرافات الفكرية وحتى الدينية، ومع الاشخاص الاسوياء بل حتى المسجونين في السجون او من يريد او من اقدم على الانتحار ولم يمت وغيره، فضلاً عن غيرها من العشرات من التخصصات.

نجد على سبيل المثال هناك الكثير من الوفيات بسبب حالات الصعق الكهربائي بسبب عدم اخذ احتياطات السلامة اللازمة في التمديدات الكهربائية وتركيب الاجهزة الكهربائية، فالمواطن عادة لا يبحث عن كهربائيين متخصصين ولديهم شهادات معترف بها ومنتمين إلى إحدى منظمات المجتمع المدني المتخصصة في هذا المجال؛ لسبب بسيط وهو ان مثل هذه المنظمات غير موجودة في العراق، العامل الكهربائي عادةً لا يحمل شهادة معترف بها، والمواطن يفتقر الى ثقافة التفتيش عن العامل الكهربائي الذي لديه شهادة من خلال منظمات المجتمع المدني المتخصصة في هذا الشأن؛ لهذه المنظمات دور في توفير فرص عمل للشباب فضلاً عن تعريف المواطنين بالشباب الكفوئين ولديهم شهادات قيمة في مجال تخصصهم.

فضلاً عن ذلك نجد ان منظمات المجتمع المدني يمكن ان تغطي كافة القطاعات ومساحات الاهتمام الشعبي في العراق، فكما هو معلوم فقد تشكلت الكثير من منظمات المجتمع المدني في العراق بعد عام 2003 فضلاً عن النقابات المختلفة التي كان اكثرها قائماً قبل عام 2003، ولكن للأسف الشديد مع كل ذلك أستطيع ان اقول اننا لا زلنا في العراق نفتقر الى ثقافة منظمات المجتمع المدني، حيث هناك تصور عام ان الهدف من هذه المنظمات مقتصر على الدفاع عن حقوق الانسان واعمال الاغاثة ومساعدة الايتام والارامل والفقراء. ولا يخطر بذهن الانسان العادي ان هذه المنظمات يمكن ان تلعب دوراً فاعلاً في تطوير المجتمع وتغطية كافة الاهتمامات الاجتماعية للنهوض بالبلد وتقدم المجتمع ورقي المواطن وبالتالي ازدهار البلد. إحدى اهم شواهد ومؤشرات التمدن وتطور المجتمعات هو عدد منظمات المجتمع المدني لكل 1000 شخص، ففي الدول المتقدمة نجد ان عدد المنظمات يتراوح بين منظمتين إلى ثلاث منظمات لكل 1000 شخص، ففي دولة مثل بريطانيا يوجد أكثر من 170،000 منظمة غير حكومية فاعلة، واغلبها منظمات قطاعية وتغطي كافة الفعاليات الاجتماعية وتضع المعايير والمواصفات التي يتم تطويرها بالتعاون مع مؤسسات الدولة المتخصصة ثم يتم تبنيها من قبل الدولة والمنظمات الاخرى والمواطنين. فمثلاً توجد منظمات تغطي الفعاليات التالية على سبيل الذكر لا الحصر كالمجالات الصحية، كمنظمات مكافحة امراض السرطان، تثقيف مرضى السكر لتلافي آثاره الخطيرة، التعامل مع ضغط الدم العالي، اللياقة البدنية، الطعام الصحي، التعامل مع مرضى التوحد، الحماية من الاشعة السينية، او في مجال البيئة، كالتشجير وتوسيع المناطق الخضراء، الزراعة العضوية، الاهتمام بالحياة البرية والطيور النادرة او في المجالات الاجتماعية كتوعية المجتمع على  مخاطر المخدرات، اساليب تربية الاطفال، تقديم التوصيات للحد من حوادث السير، او منظمات مراقبة الاداء الحكومي، فكل مؤسسة حكومية على تماس مع المواطن يقيم أداؤها من قبل منظمات المجتمع المدني، فأي تقصير بحق المواطن تحاسب هذه المؤسسة ويوجه لها انذار ويعاقب العاملون فيها من قبل الجهات الرقابية في الدولة (البرلمان، هيئة النزاهة، الحكومة، القضاء، الاعلام وغيرها) (اهم جهة رقابية في الغرب على سبيل المثال هي الحكومة التي تعين منظمات المجتمع المدني وتدفع لهم اجور لمراقبة وتقييم الاداء الحكومي) فضلاً عن العشرات من المجالات والمئات من الاصناف، كتجمعات النحاتين، الممثلين والتمثيل، الحفاظ على التراث، الحفاظ على المخطوطات، وغيرها من المجالات والاصناف. وتصدر الكثير من هذه المنظمات نشرات دورية ونصائح وارشادات للمواطنين في مختلف المجالات؛ والحقيقة فإننا نفتخر في العراق بفعاليات بعض منظمات المجتمع المدني العاملة في بعض المجالات كالحفاظ على البيئة ونهر دجلة، الاهتمام بالطيور البرية، تبني الايتام، تشغيل الارامل فضلاً عن النقابات المختلفة، ولكن لا زالت فعاليات المنظمات الغير حكومية اقل بكثير من المطلوب. لذلك فالمقترح هو مساعدة الحكومة لهذه المنظمات حيث يمكن ان تنشأ الدولة على الاقل مبنى كبير في كل محافظة مخصص لمنظمات المجتمع المدني حيث تؤجر مساحات بإيجار رمزي للمنظمات ويمكن مشاركة اكثر من منظمة في نفس المساحة، وتقدم اعمال السكرتارية والتصوير وغيرها من الفعاليات المكتبية بكلف مدعومة من قبل الحكومة، اما المنشورات فيمكن للدولة ان تتكفل بكافة مصاريف طباعتها في مطابع الدولة ان كانت هذه المنشورات للصالح العام كما تتولى الحكومة المساعدة في نشر وتوزيع هذه المنشورات؛ إن هذا الامر يمكن ان يطور المجتمع ويوسع من آفاق المواطن ويزيد من وعيه. هذه المنظمات يمكنها بعد فترة من تمويل ذاتها بذاتها، حيث يمكن على سبيل المثال لمرضى السكر المسجلين مع منظمة تثقيف مرضى السكر من التبرع بمقدار ضئيل ( ألف او الفي دينار شهرياً) على ما يستلموه من ارشادات وتوفير آلية الدفع المباشر من المصرف (للأسف لا نمتلك في العراق مصارف حقيقية بل اكثرها مكاتب مزرية في خدماتها همها الاساس تصريف العملة، لا يطمئن المواطن في حفظ امواله فيها بل يخاف على امواله فيها نقيض جميع مصارف الدنيا، فلا تستحق هذه المكاتب التعيسة والبائسة اسم مصرف او بنك)، وهكذا بالنسبة لباقي المنظمات التي تقدم خدمة حقيقية للمواطنين او البلد، اما بالنسبة للمنظمات التي تقدم خدمة للأعضاء المؤسسين بالدرجة الاولى فيتم التبرع من قبل الاعضاء، كالمنظمات التي تعمل في مجال البناء وهكذا دواليك، إن إنشاء مثل تلك المنظمات يمكن ان يفتح المجال بشكل واسع لعمل الكثير من الشباب في مجالات مهنية وحيوية ومهمة تحقق خدمة كبيرة للمجتمع وفائدة مادية للشباب العاملين.

من اجل تحقيق طموح الشباب في العمل والنهوض بالبلد (القسم الاول)

صورة الشباب غير الخريجين ..... إلى اين

 

(القسم الاول)

تم التطرق في الجزء الاول من هذا الموضوع تحت عنوان (كيف يمكن للحكومة ان توفر فرص عمل للشباب؟) على الرابط:

 https://mohammedallawi.com/2018/01/22

حيث تم في ذلك الجزء طرح المحور الاول وهو: توجيه الشباب وبالذات خريجي الجامعات للعمل للاستثمار في مجال المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وسنتناول في هذا الجزء المحور الثاني وهو: توجيه الشباب من غير خريجي الجامعات للعمل الحر الخاص وإنشاء المشاريع الصغيرة على الاخص.

إن هذا المحور الثاني قد يفوق في اهميته المحور الاول لما يتركه من أثر كبير في نهوض المجتمع وبناء مؤسساته الاجتماعية والمهنية ووضع اللوائح والانظمة والضوابط لتطوير المجتمع وتنميته وتأسيس واعطاء الدور الحقيقي والفاعل لمنظمات المجتمع المدني وبالتالي رفع مستوى الانسان العراقي.

إن طرح الموضوع اعلاه لا يقتصر على توفير فرص العمل فحسب بل هو منظومة اجتماعية ومهنية ومؤسساتية يمكنها ان تضع العراق في النهاية بمصاف الدول الكبرى والمتطورة في العالم المتحضر في يومنا الحالي.

وقبل الخوض في التفاصيل أحب ان انوه استنادا الى الردود التي وصلتني آنفاً إلى ان الكثير مما سأطرحه قد يظن بعض القراء الكرام  ان هذه الامور صعبة التحقيق لقلة الكادر القادر على تطبيقها؛ وانا اختلف مع هذه الظنون؛ نعم هناك قلة في الكادر، ولكن ليس ذلك بالمانع؛ يجب ان نسعى للنهوض ببلدنا وان استدعى الامر جلب طاقات وكوادر غير عراقية لفترة من الوقت؛ ولكن لا بد ان يأتي اليوم الذي ستتفجر فيه الطاقات الكامنة، ولا بد لبلدنا ان ينهض وينتفض على الفاسدين، ولا بد للمصلحين ان يتمكنوا من المسك بزمام الامور من خلال صناديق الاقتراع؛ ولا بد ان يأتي اليوم الذي يعيش فيه الانسان العراقي كما يستحق ان يعيش في بلد يقوده الطيبون والاكفاء من ابنائه وهم كثر، فينعم الناس بالراحة والاستقرار والسلام والنهوض والتطور والازدهار فليس ذلك على الله ببعيد.

إن توضيح الموضوع يتطلب البحث في ستة نقاط وهي:

 (1) اقامة دورات للتخصصات القطاعية المختلفة في كافة محافظات البلد

(2) تفعيل دور الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية وتطوير معاييره وتوسيع قاعدة المواصفات القياسية العراقية.

(3) مساعدة الحكومة في تشكيل منظمات المجتمع المدني القطاعية لتطوير القطاعات المختلفة ولوضع الضوابط والانظمة واللوائح  والمعايير القطاعية.

(4) انشاء مصرف القروض الميسرة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة الذي تطرقنا اليه سابقاً.

(5) تأسيس الهيئة العليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تطرقنا اليها سابقاً.

(6) توفير خدمات جديدة للمواطنين تغطي مئات المجالات المرتبطة بمصلحة المواطن وإنشاء مجلس حماية المستهلك الذي اقر في  قانون حماية حقوق المستهلك الصادر عام 2010.

ولتقريب الصورة للقارئ الكريم بشأن دور النقاط الستة اعلاه نفترض ان هناك شخصاً يريد ان يتعلم ويعمل في مجال التأسيسات الكهربائية؛ تقوم الهيئة العليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة (نقطة رقم 5)، إبتداءً بإنشاء معاهد وجلب مهندسين لتدريس الطلاب وتدريبهم على مبادئ الهندسة الكهربائية وكيفية تشييد التأسيسات الكهربائية (نقطة رقم 1)، ويجب ان يعلم الطالب كيف يتم انشاء التأسيسات الكهربائية ضمن اللوائح ومعايير المواصفات القياسية المدرجة من قبل الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية (نقطة رقم 2)، وعند انهاء الدورة يسجل الطالب المتخرج في منظمة قطاعية كأن تكون ( منظمة فنيي البنيان والاعمار/ الكهربائيون ) (نقطة رقم 3)، حيث عندما يريد المواطن ان يبني داراً أو عندما يريد المقاول ان يستدل على فني متخصص في التأسيسات الكهربائية يلجأ إلى هذه المنظمة لتزويده بأسماء الفنيين الحاصلين على شهادات معترف بها لإقامة التأسيسات الكهربائية ضمن المعايير والمواصفات العالمية، ويستطيع هذا الطالب المتخرج ان يفتتح محل لبيع وإنشاء التأسيسات الكهربائية اعتمادا على قرض ميسر من مصرف القروض الميسرة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة (نقطة رقم 4) اعتماداً على توصية من الهيئة العليا (نقطة رقم 5) التي ستكون حاضنة لمشروعه حتى نجاحه، ويتولى مجلس حماية المستهلك (نقطة رقم 6) إصدار لوائح بأنظمة معايير التأسيسات الكهربائية التي توجب على المقاول او اي عامل في مجال التأسيسات الكهربائية الالتزام بها .

إني لا أزعم ان العراق يفتقر إلى جميع ما ذكرنا فهناك دورات للتدريب في العديد من المجالات والقطاعات، فضلاً عن وجود بعض المعاهد الفنية والمهنية والطبية والاتصالات. وهناك الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية، وهناك المواصفات القياسية العراقية، وكانت هناك قروض ميسرة مخصصة من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية للمشاريع الصغيرة ولكن من دون منهج وبرنامج، بل هناك قروض من البنك المركزي للمشاريع الصناعية والزراعية والسكنية ولكن ايضاً من دون متابعة ومن دون برنامج واضح، وتم وضع قانون حماية حقوق المستهلك عام 2010 والذي يتضمن انشاء مجلس حماية المستهلك. للأسف الكثير من الفعاليات اعلاه دون المستوى المطلوب او شبه معطلة، والكثير من القوانين والتعليمات لا زالت حبراً على ورق؛ بل الكثير من خريجي المعاهد الفنية والمهنية والطبية وهندسة الاتصالات لا يجدون فرصاً للعمل؛

 امام هذا الواقع؛ ما هو المطلوب؟

العراق ليس بدعاً من الدول، لذلك من المهم الاستفادة من التجارب العالمية ضمن هذه النقاط الستة لرسم سياسة تتبناها الحكومة للنهوض بالمجتمع وتطويره وتوفير فرص عديدة جداً للشباب للعمل من اجل بناء البلد وازدهاره لخير ابنائه.

(1) النقطة الاولى – اقامة دورات للتخصصات القطاعية المختلفة في كافة محافظات البلد: المطلوب انشاء مئات المعاهد في مختلف المحافظات حيث نجد في دول متطورة كبريطانيا والمانيا وفرنسا وايطاليا وغيرها هناك الاف دورات التدريب، ففي كل دولة من هذه الدول بين عشرة الاف الى عشرين الف دورة تدريبية في السنة، المهم في العراق دراسة الواقع والخطط المستقبلية ثم وضع سياسة جديدة للتدريب حسب الحاجات المستقبلية المتوقعة، بل تطوير الدورات بما يتناسب مع العلوم الحديثة التي اخذت تتطور بالأسابيع والاشهر فضلاً عن السنوات، إن فترة التدريب لكل دورة تتراوح بين ثلاثة اشهر إلى سنتين في المجالات التالية على سبيل الذكر وليس الحصر:

مجال البناء والتعمير: كالتأسيسات الكهربائية، التأسيسات الصحية، النجارة، الرسم الهندسي، التصميم الداخلي، تصميم الحدائق، وغيرها.

مجال العلوم الطبية: كالإسعافات الاولية، متابعة مرضى السكر في عيادات متخصصة، فحص العيون، اللقاحات اللازمة، الفحص الدوري لكل مواطن، الطب البديل، وغيرها.

مجال الحفاظ على البيئة: الحماية من التلوث، التلوث وأثره على الانسان، معالجة تلوث الماء والهواء والتربة، علوم المناخ والاحتباس الحراري، وغيرها.

مجال الصحة والجمال: التدريب على الانظمة الغذائية لتخفيف الوزن واللياقة البدنية، العمل بصالونات التجميل، الحلاقة وتصفيف الشعر، وغيرها.

مجال الصحافة والاعلام: دورات عن الاعلام، كتابة المقالات، دورات عن الدعاية، دورات عن وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها.

فضلاً عن مئات الدورات ضمن العشرات من المجالات كمجال الهندسة وتكنولوجيا المعلومات، مجال ادارة الاعمال والتسويق، مجال الفن والتصميم، مجال الزراعة والري والغابات، مجال تنمية الثروة الحيوانية، مجال السياحة والفندقة، مجال الرياضة والتدريب، مجال التصوير وصناعة الافلام، مجال الطيران والرحلات السياحية،  مجال الصياغة والسيراميك والصناعات اليدوية، مجال اللغات المختلفة، مجال التربية والتعليم، مجال الملاحة النهرية والبحرية، مجال الطباعة والكرافيك والتصميم، مجال التمويل والصيرفة، مجال الخياطة وتصميم الملابس، مجال النجارة وصناعة الاثاث، ومئات المجالات الاخرى التي لا يسع المجال لذكرها.

(البقية في الحلقات القادمة)

 

جيل الشباب نحو الضياع …. أو ؟؟؟

الشباب ١

لقد تم تقديم هذه الدراسة وما سأذكره من توصيات إلى رئاسة الوزراء وإلى ألأمانة العامة لمجلس الوزراء وإلى هيئة المستشارين في مجلس الوزراء وإلى جميع الوزراء وإلى مجلس النواب وإلى جميع مجالس المحافظات في شهر أيار عام ٢٠١١ عندما كنت وزيراً للإتصالات تحت عنوان (وضع سياسة جديدة بهدف القضاء على البطالة)، لقد كان هناك إهتمام من قبل أكثر من جهة في ذلك الوقت بتلك الدراسة وحصلت عدة إجابات، ولكن لم يتخذ أي إجراء فعلي من قبل الجهات التنفيذية، للأسف بقيت تلك الدراسة وتلك التوصيات حبر على ورق.

يوجد ما يقارب ثلاثة ملايين عاطل عن العمل في العراق أغلبهم من الشباب، وفي كل سنة هناك حوالي أربعمئة ألف شاب وشابة من خريجي الجامعات وتاركي المدارس في المراحل المختلفة القادرين على العمل، ولا يمكن للدولة الآن في هذا الظرف الصعب من إمتصاص أكثر من خمسين ألف شاب وشابة لتعيينهم في القطاعات المختلفة، للأسف نفتقد في العراق أي دراسة وأي خطة وأي سياسة فعالة لإيجاد فرص عمل لأكثر من ثلاثة ملايين عاطل عن العمل.

ماذا يمكن فعله لأنقاذ هذه الفئة من الشباب والكثير منهم من خريجي الجامعات وأيجاد فرص عمل مناسبة لكي يعيش هؤلاء حياة طبيعية وتوفير مورد كافٍ لهم لتكوين عائلة وتوفير سكن مناسب وتوفير حياة رغيدة ويأخذوا دورهم في المجتمع لزيادة إجمالي الناتج المحلي للفرد (GDP)، حيث إن إجمالي الناتج المحلي للفرد في العراق والبالغ بحدود (6800) عام ٢٠١٤  يعتمد إعتماداً شبه كلي على النفط  الذي يشكل أكثر من (60%) من الناتج المحلي، فإنتاج المواطن العراقي لا يبلغ (2700) دولار  من الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات الأخرى في السنة، أما في دولة مثل تركيا التي لا تختلف عن العراق إلا في منتجعاتها السياحية فإجمالي الناتج المحلي للفرد(GDP) يبلغ حوالي (10,800) دولار في السنة، وإنتاج المواطن التركي من الزراعة والصناعة وباقي الفعاليات من دون السياحة يبلغ حوالي(9,600) دولار في السنة، خلاصة الأمر أن المواطن العراقي غير منتج، ومن دون النفط يمكن أن ينهار الإقتصاد بالكامل، ولكن من هو المسؤول عن هذا الواقع، هل المواطن نفسه ؟ الجواب: كلا؛ المسؤول الأول وألأخير هي الحكومة المسؤولة عن وضع ورسم السياسات الإقتصادية للبلد، لا أقول (أن سياساتنا ألإقتصادية غير صحيحة) بل التعريف الصحيح (إننا لا نمتلك سياسة إقتصادية) بسبب إن أكثر المتصدين من الحكومات المتعاقبة منذ عام ٢٠٠٣ حتى يومنا هذا هم أناس إما جهلة، أو  إن همهم ألأساس هو مصالحهم الخاصة والفساد ولا إهتمام لهم بمصالح الشعب أو مصلحة المواطن الشريف ألذي لا يقبل أن يفسد أو أن يغترف من أموال الحرام.

  

إن السياسة الإقتصادية التي يجب تبنيها ذات أربعة محاور:

المحور الأول: توجيه الشباب و بالذات خريجي الجامعات للعمل للإستثمار في مجال المشاريع الصغيرة و المتوسطة.

المحور الثاني : توجيه الشباب من غير خريجي الجامعات للعمل الحر الخاص.

المحور الثالث: إقامة مشاريع ضخمة كقطاع مختلط في مختلف القطاعات (الصناعية, الزراعية, السياحية و الخدمية الأخرى).

المحور الرابع: توجيه الشباب للعمل على مستوى شركات و مؤسسات القطاع العام القائمة بعد إعادة هيكليتها وتحوليها إلى شركات ومؤسسات رابحة ومنتجة.

المحور الأول: توجيه الشباب و بالذات خريجي الجامعات للعمل للإستثمار في مجال المشاريع الصغيرة و المتوسطة.

يحتاج هذا الامر إلى توفير ثلاثة عناصر أساسية، ألأول (هيئة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة) والثاني مراكز التدريب والثالث مصرف الإستثمار، وسنتناول أدناه كل من هذه العناصر الثلاث:

  1. تشكيل هيئة المشاريع الصغيرة والمتوسطة،حيث تتولى هذه الهيئة عمل دراسات جدوى للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، كالمشاريع الزراعية وتربية الحيوانات والألبان والمشاريع الصناعية المختلفة والمشاريع السياحية والمشاريع الخدمية الأخرى. إبتداءً لا يجوز أن يشرف على هذه الهيئة أشخاص يتم تعيينهم لمجرد التعيين فتغدوا كالهيئات الحالية التي يشرف عليها أناس أكثرهم من الجهلة والمفسدين ويتحولوا إلى عبئ على ميزانية الدولة، ولكن يجب إختيار أناس كفوئين حتى لو تطلب الأمر جلب كوادر غير عراقية ممن يستطيعوا أن يحققوا الأهداف المطلوبة من إنشاء مثل هذه الهيئة ..
  2. إنشاء مراكز للتدريب في كافة المحافظات وبالتنسيق مع كافة الجامعات ويخصص هذا التدريب لخريجي الجامعات لفترة لا تقل عن ستة اشهر ولا تزيد على سنة ، حيث يدرب الطلاب عن عمل دراسات الجدوى للمشاريع المختلفة سواء الصناعية او السياحية او الزراعية او الخدمية الاخرى ، ويدرب الطلاب على العناصر الواجب توفرها لانجاح المشروع ومكان انشائه وكلفته والارباح المتوقعة، وطرح نماذج حية لمشاريع قائمة ناجحة ومشاريع فاشلة، مع التعريف بأسباب النجاح وأسباب الفشل. نجاح هذه المراكز التدريبية يعتمد بشكل كبير على المدربين، حيث إبتداءً يجب جلب أناس أكفاء ولديهم خبرة في إنشاء المشاريع المختلفة، وبألتأكيد ستكون هناك حاجة في البداية لجلب أشخاص من خارج العراق، كما يجب إنشاء معاهد لتدريب المدربين حتى يتولى كادر عراقي بعد بضع سنوات من إدارة هذه المراكز.
  3. مصرف الإستثمار، إما أن يتم تأسيس مصرف جديد، أو إعتماد أحد المصارف الحكومية القائمة كالرافدين او الرشيد، أو المصارف المتخصصة كالصناعي أو الزراعي أو الإسكان أو غيرها، المهم إيداع مبلغ بين المليار إلى ثلاثة مليارات دولار من فبل الحكومة في حساب خاص لمثل هذه المشاريع. لقد قدمت نسخة من هذه الدراسة عام ٢٠١١ إلى الأمين العام لمجلس الوزراء السيد علي العلاق، فقام السيد العلاق مشكوراً بعد توليه مركز محافظ البنك المركزي برصد ستة مليارات دينار للمشاريع الزراعية والصناعية والسكنية، ولكن رصد مبلغ للمشاريع الزراعية والصناعية من دون وجود الهيئة ومراكز التدريب معناه أنه يمكن أن يشوب العملية الكثير من الفساد وتدخل (الواسطات) وفشل الكثير من المشاريع من دون وجود دراسات صحيحة للجدوى من قبل أشخاص مهنيين ولديهم خبرة في هذا المجال.

أما الخطوات التي يجب إعتمادها فهي:

– تتعاون الهيئة ومراكز التدريب مع الطلاب بعد إكمال الدورة لتشكيل مجموعات متفاهمة فيما بينها لانشاء المشاريع المختلفة ، وتتكون المجموعة من طالبين او اكثر.

– تتولى الهيئة ومركز التدريب التنسيق مع المصرف المحدد لهذه الغاية لتوفير قروض ميسرة اعتماداً على ضمانة الهيئة ، واذا زادت كلفة المشروع عن مقدار معين من المال يمكن أن تطلب ضمانة اخرى ككفالة عقارية او غيرها ، ويتم التنسيق بين هذه الهيئة والهيئة الوطنية للاستثمار بشأن مثل تلك المشاريع .

– تبقى الهيئة بالتنسيق مع مركز التدريب حاضنة للمشروع المزمع انشاؤه لفترة لاتقل عن سنة حتى يتمكن من النهوض والنجاح اعتماداً على الاشخاص المؤسسين كما تتولى الهيئة تذليل كافة العقبات التي تواجه مثل هذه المشاريع وتقديم التوصيات للوزارات ومجلس الوزراء ومجلس النواب لاصدار التعليمات والتشريعات والقوانين التي تسهل تحقيق مثل تلك المشاريع وتحقيق الربح المتوخى .

– ليس بالضرورة ان يقتصر مركز التدريب على قبول خريجي الجامعات ، بل يمكن قبول خريجي المعاهد بل حتى الطلاب ذوي التحصيل العلمي الضئيل حيث هناك بعض المشاريع التي لاتحتاج الى تحصيل علمي كبير ، ويمكن ايضاً توفير التدريب حتى لموظفي الدولة الذين يرومون انشاء المشاريع الخاصة والمتقاعدين والعمل ضمن مجموعات ، حيث إذا أريد للبلد ان يكتفي زراعياً وصناعياً وإتخذت ومثل هذه المشاريع الصغيرة والمتوسطة ستلقى رواجاً واسعاً ونجاحاً كبيراً، وسيزداد إنتاج الفرد العراقي، وتتوقف عملية أستيراد الكثير من البضائع المصنعة والمحاصيل الزراعية، بل يتحول البلد إلى مصدر لهذه المنتجات .

– يجب تخصيص مالا يقل عن مليار دولار سنوياً من الميزانية للمصرف المزمع انشاؤه لمثل هذه المشاريع ويتم زيادة المبلغ  إلى حوالي ثلاث مليارات دولار في السنة اعتماداً على الحاجة والمشاريع المطلوب انشائها.

و إذا استعملنا لغة الارقام و أفترضنا جدلاً إن معدل كلفة المشروع الواحد بحدود ثلاثمئة الف دولار، و إن مثل هذا المشروع يمكن ان يستوعب عشرة إلى عشرين عامل، فمعنى ذلك إنه يمكن إنشاء حوالي عشرة الاف مشروع بمقدار ثلاث مليارات دولار، و ذلك يعني إمكانية تشغيل حوالي مئة الف إلى مئتي الف شخص، و بذلك يمكن إمتصاص حوالي نصف الزيادة السنوية للقوى العاملة من الشباب.

لو تم الأخذ بهذه التوصيات وطبقت منذ عام ٢٠١١ فضلاً عن التوصيات اللاحقة حيث كانت الموازنة الإنفجارية لما كانت هنالك بطالة اليوم ولأمكن زيادة إجمالي الناتج المحلي للفرد العراقي (GDP)  بشكل كبير بحيث يمكن إمتصاص الآثار السلبية لإنخفاض أسعار النفط في يومنا الحالي ……

(البقية في الحلقات القادمة)

هل يمكن إنقاذ إقتصاد العراق من خلال البنك المركزي

الأمل والواقع ١

(نصائح صادقة لمحافظ البنك المركزي الحالي السيد علي العلاق لإنقاذ الوضع الإقتصادي – تتمة الرد على رسالة العلاق)

(الحلقة الرابعة)

إني لا أبتغي الإنتقاص منك أو ذكر سلبياتك، ولكني كما ذكرت في رسالتي الأولى لك هدفي إنقاذ البلد وتخفيف معاناة مواطنينا ألأعزاء والشرفاء وتوعيتهم، فإنهم يستحقون منا كل تضحية وكل أيثار بالغالي والرخيص لتخليصهم مما ينتظرهم من كربات ومصاعب وإبتلاءات وأيام مدلهمات فيما هو قادم منها؛ وإني أعلم إن نجاحك معناه نجاح البلد وإنقاذه وإنقاذ أهله مما يمكن أن ينتظرهم من مصير مجهول ، لذلك فإني أقترح عليك بعض المقترحات إن عملت بها كانت لك نجاح وتطور، وللبلد نهوض وإزدهار، وللمواطنين خير وخلاص وتخفيف كبير لمعاناتهم؛ إن هذه المقترحات هي غيض من فيض إن أخذت بها وفيت بجزء كبير من حق بلدك عليك وحق شعبنا الكريم علينا، وهذه المقترحات تتمثل بما يلي:

  1. أن تشكل لجنة من خيرة الإقتصاديين العراقيين من داخل العراق ومن خارجه للترتيب لدعوة لمؤتمر إقتصادي عالمي ، تدعو  فيه خيرة الأقتصاديين العالميين من مختلف المؤسسات الأكاديمية وألإستشارية الإقتصادية العالمية ومستشارين من مختلف الجهات العالمية المهتمة بالشأن العراقي بشكل عام والوضع الإقتصادي بشكل خاص، وستكون من أهم مهام هذه اللجنة إختيار ما لا يقل عن ستة شخصيات عالمية كمستشارين، إثنان متخصصان بالسياسات النقدية وإثنان متخصصان بألسياسات المالية وإثنان متخصصان بالسياسات الإقتصادية، على أن يكون لديهم خبرة واسعة في مجال تخصصهم ولعبوا دوراً متميزاً في دولهم في أوقات الأزمات المالية والإقتصادية، ويمكن التعاون مع الجهات العالمية  المختلفة التي سنذكرها أدناه وإستشارتهم لتشخيص هذه الشخصيات، وتدفع لهؤلاء مبالغ مجزية لعمل دراسات بشأن الوضع الإقتصادي في العراق وإحتمالات المستقبل وكيفية الخروج من الأزمة بأقل الخسائر، وتتولى اللجنة العراقية تزويدهم بكافة المتطلبات من كافة الجهات الرسمية وغير الرسمية في العراق.
  2. تتولى هذه اللجنة دراسة كافة مهام المنظمات العالمية التي يمكنها مساعدة العراق في أزمته الحالية ودراسة واقع كل منظمة والمجالات التي يمكنها أن تخدم العراق في هذا الوضع، ويتم التواصل بهذه المنظمات من خلال السفارات العراقية والملحقات التجارية العراقية الكفوءة ( حيث للأسف الكثير منها تفتقد لوجود الكادر الكفوء بسبب الفساد في إختيار من يمثل العراق في مؤسساته خارج العراق وفي المحافل الدولية ) ويتم اللقاء الشخصي بهذه المنظمات والتحاور معهم لكيفية مساعدة العراق في أزمته، وتوجه دعوات لهم لحضور المؤتمر ألمزمع إقامته. ومن هذه المنظمات على سبيل الذكر وليس الحصر منظمات الأمم المتحدة المختلفة والتي لها جنبة إقتصادية، والبنك الدولي والجهات الأربعة المرتبطة به والتي أنشأت  كل واحدة منها لأهداف مختلفة كهيئة التنمية الدولية والمنظمة الدولية للتمويل والوكالة الدولية لضمان الإستثمار والمركز الدولي لمنازعات الإستثمار والتي يمكنها إفادة العراق في الميادين الإقتصادية المختلفة ، وصندوق النقد الدولي، والمنظمة الأوربية للتعاون الإقتصادي والتنمية، ومنظمة التجارة العالمية، والمعهد الدولي للتمويل، وغرفة التجارة العالمية، والمركز العالمي للتجارة، والمنظمة الإقتصادية للتعاون والتنمية، ومنتدى الإقتصاد العالمي، وغيرها من المنظمات الدولية التي يمكن أن تقدم المشورة وألدعم للإقتصاد العراقي والوضع المتدهور في العراق.
  3. المؤتمر المزمع إقامته يمكن أن يستمر لثلاثة أيام، ثم يتبعه ورشة عمل لفترة لا تقل عن أسبوع يتم دعوة مختلف الجهات الحكومية ذات الشأن الإقتصادي، من وزارة المالية إلى التخطيط إلى النفط والصناعة والزراعة والري والتجارة وهيئات الإستثمار وممثلين عن مجالس المحافظات.
  4. تتولى الشخصيات ألإستشارية العالمية المكلفة بعمل السياسات المختلفة بتطوير مقترحاتها إستناداً إلى المؤتمر وإلى ورشة العمل  اللاحقة، ويقدم هؤلاء توصياتهم الموحدة، حيث من المحتمل أن يكون هناك تضارب بسبب إختلاف التخصصات، فيجب الوصول إلى مقترحات موحدة تأخذ بنظر الإعتبار كافة العناصر المؤثرة لوضع سياسات نقدية ومالية وإقتصادية متناغمة ومتكاملة من أجل النهوض بالبلد وتحصينه من مستقبل مجهول وخطير ينتظره ويمكن أن نقع فيه؛ لو نجحت في إقامة مثل هذا المؤتمر وتمكنت من وضع التوصيات الصحيحة لإنقاذ البلد، وعملت بها كمحافظ للبنك المركزي فضلاً عن الحكومة، فسيخلد إسمك في التأريخ وسيخلد إسم كل من ساهم في هذه الخطة وكان له دور في إنقاذ البلد من مستقبل خطير ينتظرنا إذا ما عجزنا عن توفير الحلول اللازمة في الوقت الملائم .
  5. تشكل لجنة متابعة لتنفيذ التوصيات، ويتم الدعوة للقاء بين أصحاب الشأن بشكل دوري (حوالي مرة كل ثلاثة أشهر) لمتابعة التطورات والإنجازات والمعوقات والتغيرات الحاصلة والتوقعات المستقبلية، كما يدعى إلى نفس المؤتمر بعد سنة لتقييم التجربة ومتابعة الإنجازات ووضع توصيات جديدة .
  6. لم يتم إختيار هذا العدد الكبير نسبياً كستة شخصيات إستشارية عالمية أو هذه الجهات المتعددة عبثاً، فألتوقعات ألمستقبلية للتغيرات ألإقتصادية لا تنطبق عليها المعادلة (١+١=٢)، لكثرة العناصر المؤثرة وصعوبة التنبوء وصعوبة التخطيط، فعلى سبيل المثال قبل بضعة أيام تعطلت ما سمي (بصفقة العصر) وهي شراء شركة آليرغان (Allergan) ألإيرلندية من قبل شركة فايزر (pfizer) ألأمريكية لصناعة الأدوية وإندماجهما بمبلغ مقارب ل(١٦٠) مليار دولار أمريكي بسبب قرار الرئيس ألأمريكي أوباما بإتخاذ إجراءات جديدة بشأن التهرب الضريبي وصدور التعليمات الضريبية الجديدة بهذا الشأن، وتكبدت شركة فايزر مبلغ (١٥٠ ) مليون دولار كمصاريف أثر توقف هذه الصفقة التي إستغرق التهيئة لها أكثر من خمسة أشهر، لقد كان شبه إجماع إن تعطيل هذه الصفقة سيؤدي إلى هبوط أسعار أسهم شركة فايزر بسبب ضياع فرصة مهمة لتحقيق أرباح مستقبلية كبيرة بعد إحتكارهما لسوق العقاقير العالمية وبسبب الخسائر التي تعرضوا لها، ولكن حدث العكس حيث صعدت أسعار أسهم شركة فايزر بشكل ملحوظ، لقد برزت تحليلات متعددة ومتباينة بشأن هذه النتائج المخالفة لكل التوقعات، ولو أردنا معرفة ألأسباب الحقيقية فيمكننا الأخذ بأكثر من تحليل ووضعها معاً لمعرفة ألأسباب الحقيقية، أمام هذا الواقع نحتاج إلى أكثر من خبير كل ينظر للمشكلة من زاوية معينة وكل يضع حلوله، إجتماع هؤلاء يمكنهم من رسم سياسات نقدية ومالية وإقتصادية أقرب ما تكون للواقع لإنقاذ البلد مما يمكن أن ينتظره من مستقبل مجهول وآثار خطيرة ومعاناة للمواطنين نخشى أن نفكر فيها لعظيم أثرها وخطر تبعاتها التي يمكن أن تكون بسوء فترة الحصار في التسعينات أو لعلها أسوء منها .
  7. بالنسبة لمزاد البنك المركزي، تطرقت في رسالتك صعوبة إلغائه وإستعاضته بفتح الإعتمادات المستندية، كما تعلم إني لم أطرح حل الإعتمادات المستندية كحل وحيد لأني أعرف مستوى تعقيدها وصعوبة تنفيذها للمعاملات التجارية الصغيرة أو المعاملات مع أيران ولذلك طرحت عليك فضلاً عن ذلك الحل الثاني وهو (الدفع عند تقديم مستندات الشحن (Cash against documents حيث يمكن بهذه الطريقة أستيراد أي بضاعة مهما صغرت بمعاملة مصرفية بسيطة، بل حتى يمكن أستيراد البضائع من أيران حتى وهي تحت الحصار، حيث عند تقديم مستندات الشحن إلى المصرف في أيران الممثل للمصرف العراقي (  Corresponding Bank ) يقوم المصرف العراقي بدفع كلفة البضاعة نقداً إلى حساب  الجهة المصدرة في المصرف الإيراني داخل العراق، هذه أصعب حالة يمكن أن تواجه البنك المركزي ويمكن حلها بكل هذه السهولة، وقد إتبعت هذا الأسلوب عندما كنت وزيراً للإتصالات قبيل تركي للوزارة عندما رست إحدى المناقصات على إحدى الشركات الأيرانية المصنعة للأسلاك، فتبريرك ليس بعذر مقبول من أجل الإستمرار بمنهج مزاد العملة، لأنه للأسف أكرر إن أعظم الفساد وأكبر السرقات هي بسبب إستمرار مزاد العملة المشؤوم الذي سيفرغ إحتياطي البلد ويفقر المواطن العراقي من أجل مصالح خاصة لبعض المفسدين.
  8. كمحافظ للبنك المركزي يجب أن ينصب إهتمامك على عشرات الألوف من المواطنين الذين يعانون أشد العاناة بسبب عدم قدرتهم سحب ودائعهم من المصارف الأهلية، فقد جاءني أحدهم ولديه مبلغ يقارب الثمانين ألف دولار في أحد المصارف، وهو بحاجة ملحة لهذا المبلغ لغرض السفر للعلاج من مرض خبيث، وطلب مني أن أساعده للإتصال بهذا المصرف للحصول على أمواله؛ ألحقيقة التي يجب أن أقولها إن تلك هي مهمة البنك المركزي، يجب أن يعلن البنك المركزي عن إستعداده لدفع أي مبلغ لأي شخص أودع أمواله في أحد المصارف الأهلية ولا يستطيع الحصول إلا على جزء منها بجهد جهيد، فكما تعلم إن هناك نسبة من ودائع المودعين في البنك المركزي حيث يمكن دفع حقوق المواطنين مباشرة للمودعين من خلال البنك المركزي وأحد المصارف الحكومية كالرافدين مثلاً، إن مثل هذا ألإجراء يزيد ثقة المواطن بمؤسسات الدولة ويشعر بحق أن الدولة تعمل لأجله ولمصلحته.

هذا غيض من فيض من المقترحات التي إن وجدتك قد أخذت بها فإني مستعد للإسترسال في هذا الإتجاه خدمة لبلدنا وخدمة للمواطنين الشرفاء.

الرد على رسالة السيد علي العلاق بشأن سياسته النقدية (الحلقة الثالثة)

رد على العلاق بشأن سياسته ٢

(السياسة النقدية للسيد علي العلاق المحافظ الحالي للبنك المركزي) (الحلقة الثالثة)

ذكرنا في الحلقة السابقة المحاور الستة التي تمثل السياسة النقدية للدكتور سنان الشبيبي مع ذكر نجاحاته وإخفاقاته، أخي السيد علي العلاق، لقد قرأت رسالتك أكثر من مرة والتي تحوي على الكثير من التفاصيل، وبها بعض الإنجازات التي تشكر عليها وسأذكرها في الحلقات القادمة، كما إنك دافعت عن الكثير من الإجراءات التي إتخذتها والكثير من أقوالك صحيحة وسأثبت بعضها الآن وفي الحلقات القادمة إن شاء ألله، لكن موضوع هذه الحلقة هو السياسة النقدية ؛لا أخفيك سراً إنني حاولت أن أوجد لك معالم لسياسة نقدية ما بين سطور رسالتك، ولكني للأسف الشديد أقولها وبألم أنك لا تمتلك إلا النزر اليسير مما يتعارف عليه كسياسة نقدية، بل إن الكثير من المحاور التي ذكرتها أنا في الحلقة السابقة والتي تمثل السياسة النقدية للدكتور سنان الشبيبي إنقلبت إلى سياسات سلبية نقيض ما حققه الدكتور سنان الشبيبي، فالحفاظ على سعر ثابت للعملة إنتهى، نعم قد لا يكون السبب أنك لست متخصصاً في المجال المصرفي فحسب ولكن تدهور أسعار النفط العالمية، أما إحتياطي البنك المركزي فقد تم هدر ما يقارب نصف الإحتياطي خلال سنتين من توليك المنصب، ومن دون وجود سياسة نقدية حكيمة فسينتهي كامل الأحتياطي خلال فترة لا تتجاوز السنتين وسينهار الدينار العراقي وسينهار الإقتصاد العراقي وسيعاني المواطن العراقي معاناةً قد تشابه معاناته خلال فترة التسعينات في فترة الحصار على العراق، وإنك تفتقر لسياسة توحيد السعر بين البنك المركزي وسعر السوق، بل إن الفرق قد بلغ أرقاماً قياسية لم يشهد لها العراق مثيلاً منذ عام ٢٠٠٣، حيث كان الفارق خلال ثمان سنوات منذ عام ٢٠٠٣ حتى أواسط عام ٢٠١١ لا يتجاوز النقطتين بعد إحتساب عمولة البنك، أما الفرق الآن فقد تجاوز التسعين نقطة وهو بإزدياد بشكل يومي، ومعناه إن السرقات قائمة على قدم وساق مع هذه المعاناة العظيمة للمواطن الشريف في يومنا الحالي،  كما إن الثقة التي تولدت في عهد دكتور سنان بالمصارف الأهلية فقدت في يومنا الحالي، وبدأ الناس يفزعون من إيداع أموالهم في المصارف الأهلية العراقية، بل أخذوا يستلمون ودائعهم بالقطارة من المصارف الأهلية، والبنك المركزي لم يتخذ أي خطوة في الدفاع عن حقوق المواطنين للأسف الشديد، وكأنه ليس المسؤول الأول عما يحصل في الكثير من المصارف الأهلية حيث الطوابير بألعشرات من المواطنين وكأنهم لا يطالبون بأموالهم وحقوقهم وإنما أصبحوا هم المعتدين والبنك الأهلي هو صاحب الفضل عليهم في إعطائهم أموالهم !!!!!!!، وألحقيقة  فإن هذه مفارقة عجيبة وغريبة إنفرد بها العراق الجديد، فأي مصرف في العالم إذا عجز يوماً واحداً عن دفع أموال المودعين يعلن البنك المركزي إفلاسه، وهذا ما حدث لبنك أنترا في لبنان عام ١٩٦٦ حيث زادت إستثماراته العينية على حساب السيولة التي يجب أن يوفرها، وعندما عجز يوماً عن الإستجابة لمتطلبات المودعين أعلن البنك المركزي اللبناني إفلاسه، مع العلم إن موجودات البنك من السيولة المالية ومن  الموجودات العينية تفوق إيداعات المودعين لأنه من غير المسموح عالمياً أن يتوانى البنك أو يتأخر ولو لمقدار بسيط من الوقت في دفع ودائع المودعين، لأنه بخلافه يفقد البنك مبرر وجوده بتخليه عن وظيفته الأساسية. أما بالنسبة لزيادة أسعار المواد الغذائية والسلع الضرورية فقد إنعكس ذلك سلباً بشكل كبير على المواطن بسبب الفرق الكبير بين سعر الدولار المعروض من قبل البنك المركزي وسعر الصرف الموازي في السوق وما يعني ذلك من زيادة الأعباء وبالذات على كاهل المواطن الشريف الذي لا يقبل على نفسه أخذ الرشوة والفساد والإفساد والتمتع بأموال الحرام التي غدت وللأسف الشديد الثقافة السائدة للكثير من السياسيين والعاملين في دوائر الدولة اليوم، لقد قلت أن التضخم هبط في وقتك إلى ٢٪ وهي نسبة متميزة، ولكني أقول لك، إن إنخفاض التضخم لا يكون بالضرورة مؤشراً إيجابياً،  نعم بالتأكيد إن إنخفاض التضخم نتيجة لسياسة نقدية مدروسة من قبل ألبنك المركزي بهدف تقليل حجم السيولة وتقليص الكتلة النقدية مؤشر إيجابي ودليل على نجاح السياسة النقدية للبنك المركزي، أما إذا كان إنخفاض التضخم بسبب ظرف خارجي وقاهر، كما هو الحال الآن في العراق، حيث تقلصت  موارد البلد وفرضت سياسات تقشفية من قبل الدولة، وتقلصت المعاشات وفرضت تكاليف ورسوم أخرى على المواطن، وهاجر المواطنون خارج البلد، وعرضوا مساكنهم للبيع أو الإيجار بأبخس الأثمان، فإنخفضت أسعار العقارات، وإنخفضت ألإيجارات، وكم تعلم فإن وزن الإيجارات يأتي بالدرجة الثانية بعد وزن المواد الغذائية عند إحتساب التضخم، فكان إنحسار التضخم بسبب إنكماش الإقتصاد، وهذه الحالة مؤشر سيء، ويمكنك أن تسأل الكثير من الأقتصاديين ممن هم حولك في البنك المركزي إن كان هذا الهبوط نتيجة لسياسات غير موجودة أصلاً لدى البنك المركزي أو بسبب إنكماش الإقتصاد، فسيخبروك الحقيقة، للأسف لا يمكنك في هذه الحالة التباهي بإنخفاض التضخم، بل على العكس ذلك دليل التدهور وإفتقار المواطن وزيادة معاناته.

أخي العزيز قلت لي أن أسأل، صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ومنظمة العمل المالي، والخزانة الامريكية، والبنك الاحتياطي الفدرالي، وديوان الرقابة المالية، ومكتب التدقيق العالمي بشأن كفائتك، وألحقيقة أنا لم أطلب من الدكتور العبادي غير أن يطلع على مقابلتك مؤخراً مع (Osgood)، فضلاً عن ذلك فإني ذكرت في الإعلام أن بريطانيا بعظمتها وعظمة جامعاتها إختارت رجلاً غير بريطاني   (Mark Carney) وهو رجل كندي لتعيينه كمحافظ لبنكها المركزي (Governer of Bank of England) لأهمية هذا الموقع وأهمية الشخص ألذي يتسنم هذا المكان، ولا أريد هنا في هذا المجال أن أشكك بكفائتك، ولكن أقول بأنك تعلم حق اليقين أن هناك من العراقيين من هم أكفأ منك بكثير في هذا المجال وأحق منك بهذا الموقع، كما أقول بشأن مقابلتك مع (Osgood) إن الذي إستنتجته من مقابلتك ليس إنتقاصاً لك ولكنك قد لا تمتلك الرغبة لمتابعة التطورات الإقتصادية والتحليلات الإقتصادية، ونصيحتي لك أن تشكل لجنة لتزويدك بشكل يومي بتقرير لأهم التطورات الإقتصادية والتحاليل الإقتصادية المهمة في العالم والتي لها إنعكاسات على الوضع الإقتصادي العراقي، وتعتمد على  هذا التقرير قبل إجرائك أي مقابلة صحفية عالمية، بل تعتمد على هذا التقرير لرسم الأسس التي يجب إعتمادها لوضع سياسة نقدية سليمة وواضحة للبلد.

لقد زرت البنك المركزي العراقي عام ١٩٧٧ عندما كنت طالباً ضمن إطروحتي الجامعية المرتبطة بهذا لأمر لأطلع على مصادر ألمعلومات ألإقتصادية التي  يعتمدها البنك المركزي في ذلك الوقت، فوجدت قاعة كبيرة يتوسطها جهازي (تلكس) وكان أحد هذين الجهازين شغال بشكل مستمر وأطلعت على مضمون المعلومات فكانت رسائل إخبارية قصيرة أغلبها من وكالة (رويترز)، فطلبت من المسؤول إمكانية أخذ صورة لهذه الرسائل، فقام هذا المسؤول بإقتطاع عدة أمتار من آخر الأخبار وأعطاني أياها، فسألته إن كان يريد النص الأصلي حيث المعلومات تطبع بأكثر من (  Copy )، فقال لي إننا نرمي هذه المعلومات ولا نحتاج منها لغير جزء صغير وهو أسعار العملات العالمية المختلفة بالنسبة للدولار فضلاً عن أسعار المعادن الثمينة ونصدر من هذه الأسعار نشرة دورية باللغة العربية، هذا الوضع كان قبل أربعين عاماً، وأخشى إن البلد لم يتغير وضعه كثيراً  الآن، ولكن اليوم تتوفر كافة المعلومات والتحاليل الإقتصادية لكل من يملك جهاز حاسوب، وهناك العشرات من الخريجين المتميزين بقدراتهم وإمكانياتهم، وبإمكانك بكل سهولة تشكيل فريق من هؤلاء لتقديم خلاصة الأخبار والتحليلات الإقتصادية وإصدار نشرة دورية توزع على جميع المؤسسات الإقتصادية ومجلسي النواب ورآسة الوزراء وتتبنى هذه التقارير لرسم سياسة نقدية ومالية وإقتصادية سليمة تنقذ البلد من الوضع المتردي الذي نحن فيه.

أهم ما يجب أن يميز البنك المركزي هو المهنية، وإن كنت لا أستطيع ضمن هذه العجالة أن أسأل الجهات التي طرحت أسماءهم للأخذ برأيهم بك كما طلبت، والحقيقة فإني لا أحتاج لذلك فأنا أستطيع أن أقيم البنك المركزي من خلال تقييم أدائه وإنعكاس هذا الأداء على الوضع الإقتصادي للبلد، ولكني أقول وإن كان هناك إفتقاد لسياسة نقدية بناءة، فإن البنك المركزي يمكنه أن يتعامل بمهنية وإستقلالية؛ لقد بلغني من إحدى الجرائد العراقية الواسعة الإنتشار (كل الأخبار) أنهم بعد أن قاموا بنشر رسالتي الموجهة إلى رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي وألتي فيها إشارة واضحة إليكم، قام البنك المركزي بأيقاف إعلاناته فيها؛ أأمل أن لا تكون هذه سياسة متعمدة، وأأمل أن يكون هذا الإجراء إجراءً فردياً وغير متعمد وليس بقرار منكم، لأنه بخلافه معناه أن البنك المركزي يفتقد المهنية والإستقلالية وهي من أهم خصائصه، لا أريد أن أستبق الأحداث فلعل إجراءً خاطئاً قد أتخذ ومن دون علمك.

إني لا أبتغي الإنتقاص منك أو ذكر سلبياتك، ولكني كما ذكرت في رسالتي الأولى لك هدفي إنقاذ البلد وتخفيف معاناة مواطنينا ألأعزاء والشرفاء وتوعيتهم، فإنهم يستحقون منا كل تضحية وكل أيثار بالغالي والرخيص لتخليصهم مما ينتظرهم من كربات ومصاعب وإبتلاءات وأيام مدلهمات فيما هو قادم منها؛ وإني أعلم إن نجاحك معناه نجاح البلد وإنقاذه وإنقاذ أهله مما يمكن أن ينتظرهم من مصير مجهول ، لذلك فإني أقترح عليك بعض المقترحات إن عملت بها كانت لك نجاح وتطور، وللبلد نهوض وإزدهار، وللمواطنين خير وخلاص وتخفيف كبير لمعاناتهم؛ إن هذه المقترحات هي غيض من فيض إن أخذت بها وفيت بجزء كبير من حق بلدك عليك وحق شعبنا الكريم علينا، وهذا ما سأتناوله في الحلقة القادمة إن شاء ألله .

إني إنطلق في تقييم الآخرين دائماً من قوله تعالى (ولا تبخسوا الناس أشياءهم)، وإنك وإن كان يبدو مما تطرقت إليه أنا الكثير من السلبيات، ولكن من متابعتي لأمور البنك المركزي إطلعت على الخطوات التي أتخذت في مقارعة درجة عالية من الفساد بسبب ما يعرف ب (الصكوك الطيارة) وقد وجدت أنك قد حققت إنجازاً كبيراً في هذا المجال وهذا ما سأتحدث به بالتفصيل في الحلقات القادمة إن شاء ألله.

الحلقات السابقة ورسالة السيد علي العلاق على الموقع : mohammedallawi.com