قصص قصيرة عن السيد موسى الصدر والسيد محمد باقر الصدر (قدس)

صورة قصص قصيرة

تركت العراق في بداية ١٩٧٧ إلى لبنان وكان لي شرف الإتصال بالسيد موسي الصدر (قدس) ومن هم في دائرته، وإني أنقل للقارئ الكريم أحداثاً أظن أنها تنشر لأول مرة عن هذين الفرقدين والسيدين الجليلين أعلى ألله مقامهما في الدنيا والآخرة. إنهما ليسا بحاجة لنا لذكرهم، ولكن ما سأذكره هو أقل حق منهما علينا للوفاء بجزء صغير مما بذلاه من جهود جبارة وما قدماه للأمة الإسلامية بل حتى غير الإسلامية بل للبشرية جمعاء من إنجازات عظيمة ليست خافية على كل من يقرأ هذه الكلمات.

سوء الظن

كان من لبنان وكان شخصية عامة لذلك لن أذكر إسمه، كان يتهجم بشكل كبير على السيد موسى الصدر لمبررات كان مقتنعاً بها وكنت أخالفه في ذلك، إلتقيته في صيف عام ١٩٨٤ أي بعد ست سنوات من تغييب السيد موسى الصدر، قال (أتعرف لماذا كنت أتهجم على السيد موسى الصدر؟)، قلت (أخبرني)، قال (لأني كنت أنظر أياماً وأسابيع للأمام، أما السيد موسى الصدر فكان ينظر سنيناً إلى ألأمام، وكنت لا أفقه بعد نظره، الآن بعد هذه السنين فقط عرفت قيمته وإني نادم ندماً كبيراً لما أقترفته بحقه بسبب جهلي وعلمه)، لا داعي للتعليق فإجابته تنبئ عن الواقع.

الفرق بين إسلوب السيد موسي الصدر والسيد محمد باقر الصدر (قدس)

حدثني الشهيد الدكتور مصطفى شمران مدير مؤسسة جبل عامل المهنية في منطقة البرج الشمالي في نواحي صور جنوب لبنان إحدى مؤسسات السيد موسى الصدر في نهاية عام ١٩٧٧ نقلاً عن السيد موسى الصدر (قدس) قبل تغيبه حيث ذكر له الحادثة التالية؛ (كنا أنا والسيد محمد باقر الصدر في نفس الحلقة في البحث الخارج لدى السيد أبو القاسم الخوئي، وكنا كطلبة نعلم أن للسيد محمد باقر الصدر الكثير من الآراء التي قد يختلف فيها مع السيد أبو القاسم الخوئي ولكنه لم يكن يناقش في كافة المسائل التي يعتقد برأي مخالف للسيد الخوئي، أما أنا (أي السيد موسى عن نفسه) فإذا كان لي أي رأي مخالف للسيد الخوئي فكنت اناقشه و أتمادى في النقاش حتى يتبين صواب رأي أحدنا، وفي إحدى المرات طال النقاش في مسألة معينة ولم أقنع السيد الخوئي بصواب وجهة نظري ولم يقنعني بصواب وجهة نظره، وفجأة إستدار السيد الخوئي نحو السيد محمد باقر الصدر وسأله: أينا على الصواب، أنا أم أبن عمك، فقال السيد محمد باقر: بل أبن عمي على الصواب، وهنا قال لي السيد الخوئي: إذاً أنت على الصواب مادام هذا رأي السيد محمد باقر ) (إنتهت)، هذه المسألة تبين المنزلة العلمية الكبرى للسيد محمد باقر الصدر وأنه لم يكن يرغب دائماً بمناقشة أستاذه إحتراماً له، ولكن السيد الخوئي كان يعلم بهذه القيمة العلمية العالية لدى تلميذه السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس)، كما تبين الفرق بين أسلوب الشخصين، السيد موسى الصدر الذي يتمادى في النقاش إن كان معتقداً بصواب وجهة نظره والسيد محمد باقر الذي لا يناقش كثيراً ويحتفظ لنفسه في الكثير من آرائه التي كان يخالف فيها أستاذه السيد أبو القاسم الخوئي (قدس).

ألإيثار وتعامله مع الفقراء

ينقل لي هذه الحادثة السيد مصطفى الحاج، وهو شخصية لبنانية معروفة حيث كان مديراً للأمن العام اللبناني في نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات وهو من أتباع ومحبي السيد موسى الصدر بشكل كبير وهو لا زال على قيد الحياة يعيش في منطقة الجية جنوب مدينة بيروت، حيث أخبرني إنه سافر إلى أوربا وأراد أن يجلب هدية مميزة للسيد موسى الصدر، فقرر أن يشتري قطعة قماش له، فطلب أن يدلوه على أفضل بائع قماش للبدلات الرجالية، وطلب من صاحب المحل أن يريه أفضل النماذج وأثمنها قيمةً، فأشترى قطعة باهضة الثمن وبحجم أكبر من العادي لإستخدامه للباس الديني (الجبة) فضلاً عن ضخامة جسم السيد موسى الصدر، ورجع إلى لبنان وأعطى الهدية فرحاً إلى السيد عندما زاره وأخبره أنها قطعة قماش فاخرة، فشكره السيد، وعند إنصراف السيد مصطفى الحاج إستوقفه السيد موسى قائلاً، هل تسمح لي أن أهدي هذه القطعة إلى سائقي؟، فتفاجأ مصطفى الحاج وقال: سيدنا هذه القطعة لا تليق إلا بك، وقد أشتريتها بثمن باهض خصيصاً لك، فقال له السيد: ولهذا السبب أردت أن أعطيها للسائق لأنه سيفرح بها فرحاً كبيراً فإنه لا يحلم أن يلبس يوماً قطعة ثمينة كهذه، فقلت للسيد: إنها لك وانت حر  أن تعطيها لمن تشاء (إنتهت). إنه مصداق المؤمن الحقيقي في قوله تعالى ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) وليس كأغلب الإسلاميين مدعي التدين في عراقنا اليوم.

دفع السيئة بألحسنة

ينقل هذه الحادثة أحد أخوة الشباب من محبي السيد موسى الصدر حيث كان يقضي بعض الفترات في رحاب السيد الصدر حيث ينقل لي هذه الحادثتين، ولم أذكر إسمه لأني لم أتوفق بأخذ ألأذن منه، قال لي في أحد ألأيام قضيت نهاراً كاملاً في صالة المركز الإسلامي الشيعي الأعلى في المبنى القديم في منطقة الحازمية في ضواحي بيروت (حيث كنت أنا أزور السيد في هذا المبنى لعدة مرات خلال عامي ١٩٧٧ و ١٩٧٨)، حيث قال (خلال هذا اليوم زاره عدة أشخاص وكنت جالساً معه، ورأيت العجب، حيث حظر في أول النهار شخصاً ذكر إسم أحد مشائخ الدين ولنعطيه إسماً مستعاراً ك(الشيخ زيد) وقال للسيد إن (ألشيخ زيد) يسبك وذكرك بسوء، فتألم السيد ليس من (الشيخ زيد) وإنما من المتحدث حيث لا يرغب السيد أن ينقل الكلام بهذه الطريقة لعلها غيبة أو نميمة، ثم ترك هذا الشخص وجاء آخرون وضمن من حظر أحد التجار ألأغنياء، وسلم السيد مغلفاً به كمية من النقود وأظنه مبلغ لا يستهان به لحجم المغلف وطبيعة الشخص المعطي، لعله ذكر مقدارها للسيد ولكني لم أراه يذكر ذلك، وجاء آخرون، ثم جاء (الشيخ زيد) فنظرت إلى السيد كيف يفعل معه وقد بلغه ما تحدث به من سوء على السيد، فأستقبله السيد بالأحضان ورحب به ترحيباً كبيراً كترحيبه بألآخرين، وحينما أراد (الشيخ زيد) الإنصراف وضع السيد مغلف النقود بيد الشيخ كاملاً من دون أن يسحب منه شيئا) (إنتهت). أنه مصداق قوله تعالى (ولاتَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) نعم ما يلقاها إلا ألذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم كهذا السيد الجليل.

ألتواضع

ينقل هذه الحادثة نفس الشخص السابق، حيث صادف أن سافر بألسيارة مع السيد موسى الصدر ومع آخرين من بيروت إلى دمشق، وعادة يقيم السيد في دمشق في سكن صغير في منطقة الروضة في الشام، وكنت قد شاهدت هذا السكن ولم أسأل هل إن السيد قد إستأجره أو إنه لشخص آخر (حيث للعلم أن ألسيد موسى الصدر كان يصله سنوياً مبالغ تقدر بملايين الدولارات كتبرعات و حقوق شرعية وأغلبها من اللبنانيين المغتربين في أفريقيا وأميركا الجنوبية ومناطق أخرى ، وكان يصرف هذه المبالغ على مشاريع خيرية ومؤسسات خيرية كثيرة وضخمة، ولكنه كان يسكن بيتاً للأيجار ولم يدخر لنفسه مبلغاً لشراء بيت صغير له يبقى لعائلته في لبنان منذ ذهابه هناك في أوائل الستينات حتى تغيبه في نهاية عام ١٩٧٨) ، فقال هذا ألأخ (وصلنا إلى البيت ثم أوصينا بطعام من المطعم، فوصل الطعام، وقبل أن نمد يدنا لنأكل، قال السيد لأحدنا، أدعوا السائق أبا علي ليأكل معنا، فذهب هذا ألأخ وطال الإنتظار ورجع وقال، لم أجد أبا علي، فطلب من آخر أن يفتش عليه خارج البيت، فذهب هذا ألأخ وطال الإنتظار ورجع وقال لم أجد أبا علي، فبرد الأكل ولم يجروء أحد أن يقدم يده على الطعام، فقرر السيد أن يخرج بنفسه، وإذا به يجد أبا علي يسير في الشارع بإتجاه البيت، فقال له نحن ننتظرك على الطعام، فقال أبو علي لا تنتظروني فإني قد تناولت الغذاء في أحد المطاعم، فرجع السيد مبتسماً وقائلاً، إن أبا علي ذهب ليأكل ولم يخبرنا، ولو أخبرنا لما تركنا الأكل حتى يبرد، هكذا يقول هذه العبارة وبإبتسامة عريضة على شفتيه ولم يظهر عليه أي إمتعاض بحق السائق أبا علي) (إنتهت)، هذا الخلق اصبح معدوماً اليوم، وهو بحق خلق أهل بيت النبوة،  فأي خسارة خسرنا بتغيبه، سيلتقي هو ومغيبه عند جبار السماوات والأرض وهنالك (يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ) .

ألأخوة الشيعية ألسنية

لقد تطرقنا في حلقة سابقة إلى موقف السيد موسى الصدر من ألأخوة الشيعية السنية أو بالأحرى الأخوة في الإنسانية ويمكن مراجعة الموضوع على الرابط:

https://mohammedallawi.com/2016/01/17

أما السيد محمد باقر الصدر فأحب في هذا المجال أن أذكر بندائه الثالث الموجه للشعب العراقي عام ١٩٧٩ لكي يعرف الطائفيون من الشيعة والسنة ما هو موقف الشرع من هذه الخلافات الطائفية، وألحقيقة الأخرى التي يذكرها الشهيد الصدر ولكن يجهلها الكثير من الناس إنه وجه تهمة إجتثاث فكر حزب البعث إلى صدام حسين نفسه حين حوله من حزب عقائديّ إلى عصابة تطلب الانضمام إليها والانتساب لها بالقوّة والإكراه حيث يمكن الحصول على هذا النداء على الرابط التالي:

https://mohammedallawi.com/2010/01/01

إن التفرقة الطائفية الشيعية السنية إنما تمثل جهلاً واضحا ًبألإسلام ولعلها تصل إلى درجة عالية من الحرمة كما ورد بألنص القرآني، وهذا ما سنتناوله في الحلقة القادمة إن شاء ألله.

محمد توفيق علاوي

كلمات ومواقف خالدة للسيد موسى الصدر (قدس) (ألحاكم يجب أن يكون بعيداً عن الحزب والطائفة والفئة)

صورة السيدين الصدرين

كان السيد موسى الصدر (قدس) أمة في رجل، ورجل قائد أمة، تجاوز التأريخ والجغرافيا، وتجاوز  حواجز الأديان وحدود الزمان، مدرسة للإنسان أرسى فيها أرقى المناهج السياسية والفكرية والمفاهيم الدينية والحضارية، كانت مواقفه وكلماته منهجاً لا يستغنى عنه لكل صاحب فكر ورؤية، ألتقيته وحادثته  بشكل خاص عدة مرات منذ هجرتي من العراق إلى لبنان بداية عام ١٩٧٧ حتى تغييبه في ٣١ آب ١٩٧٨، كما كنت أسعى في ذلك الوقت أن لا أغيب عن محاضراته العامة القيمة، فكنت في كل محاضرة من محاضراته أزداد معرفة بألحقيقة وبمفاهيم إسلامية عميقة بعيدة كل البعد عما يتشدق به مدعوا التدين، فشتان ما بين علمه وبين جهلهم، لقد كان بحق مصداق قول أمير المؤمنين (ع) في وصف أهل بيته (عقلوا الدين عقل دراية ورعاية لا عقل نقل ورواية، فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل)، أما أغلب مدعوا التدين وبالذات في العراق ممن يتسمون بألسياسيين الإسلاميين، فقد طرحوا فكراً وسلوكاً مزيفاً لا علاقة له بالدين، كرهوا الناس بالإسلام وأبعدوهم عن التدين، فكانوا بحق بئس مثل لهذا الدين العظيم ولمفاهيمه الراقية، ليس بسبب أنهم كانوا رواة للدين لا يفقهون حقيقة مفاهيمه، ويتصورون أن الدين عبارة عن مظاهر ليس لها مضامين حقيقية فحسب، بل إنهم خالفوا بديهيات الدين، وأساسيات الشرع، جهلاً بالدين وطغياناً بالسلوك والتعامل وإستئثاراً بالسلطة والمركز وتشبثاً بألحياة الدنيا وزخرفها وزبرجها، فما أزداد ألإنسان تعلقاً بالحياة الدنيا وإنخدع بمظاهرها وزينتها إلا إزداد بعداً عن الله، وإن ما مروا به من تجربة وما أعطاهم ألله من سلطة ومن مال وما أبتلاهم به من فتنة إنما ليختبرهم ليعلم الصادق منهم من الكاذب، للأسف نجد أن غالبيتهم قد فشلوا في هذا الإختبار، فليتهيئوا لعقوبة الله للكاذبين منهم في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة….. نسأل ألله أن يبعد كل مخلص لبلده عن منهج هؤلاء وسلوكهم ويرينا ويري حكامنا وكل صادق نية ليخدم وطنه وشعبه الحق حقاً ويوفقهم إتباعه ويريهم الباطل باطلاً ويوفقهم إجتنابه ولا يجعله متشابهاً عليهم فيتبعوا هواهم بغير هدىً منه، ويرزقنا ويرزقهم والقاريء الكريم حسن العاقبة وسلامة المعاد، إنه سميع مجيب……..

مواقفه وكلماته من الطائفية الدينية والمذهبية:

  • حدثني أخي ورفيقي الحاج عصام فتوني من مدينة قانا الجليل قرب صور في الجنوب اللبناني أنه كان  هناك صاحب مقهى لبيع المثلجات التي يصنعها يدوياً في مدينة صور وهو رجل مسيحي إسمه جوزيف سليم أنتيبا يلقبه الناس ب(العم أنتيبا)، وقام رجل مسلم شيعي من صور بفتح مقهى مشابه، لم يحصل المقهى الجديد على عدد كبير من الزبائن بسبب أن إنتاجه كان أقل جودة ولذة من إنتاج العم أنتيبا، فقام صاحبنا المسلم ببث دعاية على نطاق واسع بحرمة أكل الطعام من مسيحي بسبب نجاسته، مع العلم إن هذه المقولة هي خلاف المشهور بين علماء المسلمين وبالذات علماء الإمامية، وهي خلاف قوله تعالى في كتابه الكريم {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ} [ سورة المائدة آية ٥]، وقد تأثر الكثير من الناس الذين لا يمتلكون علماً واسعاً بالشرع بتلك الإشاعة وأعرض أكثر الناس وبالذات من المسلمين الشيعة الذين يشكلون الأغلبية في مدينة صور وضواحيها عن الشراء من العم أنتيبا، فإشتكى العم أنتيبا لدى السيد موسى الصدر، فقرر السيد زيارته في وقت الذروة وبقي جالساً في مقهاه يأكل المثلجات لفترة ساعتين حيث شاهده عدد غفير من الناس، وكانت هذه البادرة سبباً لكسر الحصار على مقهى العم أنتيبا، ويمكن الإطلاع على هذه الرواية من لسان العم انتيبا على الرابط التالي:  https://www.youtube.com/watch?v=CgGAwr6mHIs

من مقولاته الأخرى بهذا الشأن

  • حدثني أخي الحاج عصام فتوني إنه سمع السيد موسى يقول “ ألمشتركات بين الشيعة والسنة بالآلاف لا يمكن إحصائها، والخلافات قليلة جداً ومحدودة، ولكن البسطاء يتحدثون بالخلافات ويتركون المشتركات، ونفس الشيء ينطبق في المشتركات بين الإسلام والمسيحية، فألتركيز على الخلافات هو نقيض قوله تعالى  {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ} [ آل عمران آية ٦٤] “
  • ان تجار السياسة هم الذين يغذون النعرات الطائفية للمحافظة على وجودهم بحجة المحافظة على الدين في الوقت الذي يكون الدين فيه بحاجة الى من يحميه منهم .
  • ان التعايش الاسلامي المسيحي من أغلى ما في لبنان وهذه تجربة غنية للانسانية كلها.
  • تعرضت مدينة دير الأحمر المسيحية في منطقة القاع في فترة الحرب الأهلية في لبنان عام ١٩٧٥  إلى حصار طائفي، فقال السيد كلمته المشهورة في ذلك الحين “من يطلق رصاصة بإتجاه دير اﻷحمر كأنه يطلقها إلى صدري” وذهب بنفسه وزار مدينة دير الأحمر وكان سبباً لفك الحصار عنها.
  • الطوائف نعمة والطائفية نقمة.
  • الشيعة والسنة ليسا دينان، بل مذهبان لدين واحد فرقت بينهما السياسة.

من مقولاته السياسية المهمة

  •  الدولة يجب ان لا تمثل مصالح الأكثرية و الأقلية بل يجب أن ترتفع إلى قيم السماء بعيدةً عن الحزب والطائفة والفئة.
  • لا حياة للوطن بدون الإحساس بالمواطنة والمشاركة.
  • نريد أن يبقى لبنان وطناً لجميع أبنائه.
  • إذا عجز النظام عن تحقيق مطالب المحرومين فليسقط غير مأسوف عليه.
  • إن أخطر أسلحة العدو هو التشكيك والفتنة فلنواجهه بالثقة ووحدة الكلمة.
  • إن السياسة وسيلة وليست حرفة يعيش الإنسان عليها ويرتزق من خلالها.
  • إن الوطن عند تجار السياسة كرسي وشهرة ومجد وتجارة وعلو في الأرض وفساد.
  • أنتم أيها السياسيون آفة لبنان وبلاؤه وإنحرافه ومرضه وكل مصائبه، إنكم الأزمة إرحلوا عن لبنان. (تنطبق هذه الكلمة إنطباقاً كاملاً على العراق وعلى أغلب سياسييه)
  • إن تناقضات المجتمع اللبناني (وأنا أقول المجتمع العراقي) هي التي ابقت وتبقي على السياسيين التقليديين في السلطة.

[البقية في الحلقة القادمة إن شاء ألله مع معلومات تنشر لأول مرة بشأن العلمين والفرقدين السيدين الجليلين السيد موسى الصدر والسيد محمد باقر الصدر، تبين إختلاف إسلوبهما وعظيم شأنهما وجلال قدرهما ومنزلتهما]

ماذا أجابني الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس)

الشهيد الصدر ٣

تطرقنا في الحلقة السابقة إلى حادثتين تدعوان للتأمل، الأولى بشأن التوأم العراقيان المعوقان اللذان تخلى عنهما والديهما العراقيان وربتهما إمرأة أسترالية، والحادثة الثانية بشأن الطفل عمار الذي قتل جميع أفراد عائلته بهجوم صدام عليهم  في الأهوار وقامت النائبة البريطانية (أيما نيكلسون) بعلاجه في بريطانيا وطلبت أن تتولاه إحدى العوائل العراقية في بريطانيا فلم تستجب أي منها، فكفلته النائبة البريطانية وعاش في بيتها وجلبت له مدرساً لتعليمه اللغة العربية والإسلام والقرآن.

هاتان الحادثتان تثيران الكثير من الأسئلة، لو بقي هؤلاء الأطفال الثلاثة في العراق فما يمكن أن يكون مصيرهم ؟ ؛ لماذا نحن لا نتعاطف مع هذه الحالات من أبناء وطننا لدرجة إستعدادنا لتربيتهم في بيوتنا؟ ؛ ألإسلام هو دين الرحمة والإحسان والعدل وألإيثار، فأين هذه القيم التي يدعو لها ديننا؟ ؛  هل تصرف المرأة الأسترالية نابع من عقيدتها وتصرفات أبناء وطننا نابع من عقائدنا ؟

في صيف عام ١٩٧٦ سافرت إلى إنكلترا، فركبت قطار الأنفاق مع ابن عمي الذي كان يسكن هناك ، حيث يجب دفع سعر البطاقة قبل ركوب القطار، ولكن مكتب بيع البطاقات كان مغلقاً، فركبنا القطار الذي توقف في عدة محطات قبل الوصول محطتنا الأخيرة، وقبل الخروج كان هناك مكتب صغير يسمى (Access Office) حيث أخبرناه اننا لا نملك بطاقة، فسألنا عن المحطة التي إنطلقنا منها، فأخبرناه عنها، فطلب منا مبلغاً من المال إستناداً على المسافة التي قطعناها بالقطار؛ فسألت إبن عمي لو أننا خدعناه وذكرنا محطة أخرى أقرب فهل سيأخذ مبلغاً أقل، فكان جواب إبن عمي بالإيجاب، ولكنه أضاف إن هناك ثقة متبادلة والناس عادة لا يكذبون بل يقولون الحقيقة ويدفعوا ما يجب عليهم دفعه (طبعاً هذا الأمر كان عام ١٩٧٦ حيث تغيرت بعدها الكثير من عادات الناس هناك)……

لقد أثرت بي هذه الحادثة وقررت أن أسأل السيد الشهيد محمد باقر الصدر حيث كنت اتردد عليه في النجف، فقابلته وذكرت له هذه الحادثة؛ ثم سألته (هل حسن تصرف الكثير من الناس في الغرب وتمسكهم بالصدق والعدل ناتج عن عقيدتهم المسيحية لفترة مقاربة لألفي عام؟، وهل سوء تصرف الكثير من المسلمين في بلادنا من التحايل والكذب ناتج عن عقائدنا؟) فأجابني السيد الشهيد رضوان الله عليه إجابة مباشرة وكأنه قد عاش معهم في الغرب……وقال (هذه التصرفات لا علاقة لها بالدين، بل هي مرتبطة إرتباطاً مباشراً بالحاكم، ففي الغرب يشعر المواطن بأن الحاكم في بلده يعمل بإخلاص من أجل بلده ومن أجل مصلحة المواطنين، فتتعمق ثقة المواطن  بحكومته، وعلى أثرها يخلص المواطن لبلده ولحكومته ويتعامل مع مؤسسات الدولة كافة بثقة وبصدق وإخلاص، وتنعكس آثار هذه العلاقة في تعامل المواطن مع المواطنين الآخرين، فتعم وتتعمق أجواء الثقة والصدق بين أبناء الوطن الواحد، وبمرور الوقت يكتشف أبناء الوطن الواحد أن هذه الصفات تصب لمصلحتهم جميعاً، فتترسخ هذه الصفات، ويتحول هذا السلوك بمرور الوقت إلى حالة من (المراس الحضاري) [وهذه أول مرة أسمع بهذا التعبير الذي إستخدمه السيد الشهيد في ذلك الزمن]، أما في بلداننا (والكلام للسيد الشهيد) فالحاكم هو عدو الشعب وهذه العلاقة العدائية تنعكس بشكل سلبي على العلاقة بين المواطن وبين الحاكم  وبين المواطن وبين الدولة  ومؤسساتها، وتنعكس آثارها السلبية عى العلاقة بين المواطنين أنفسهم، فالدين بشكل عام لا علاقة له بالقيم الأخلاقية العالية التي يتمتع بها الكثير من المواطنين بالغرب بل يرجع الفضل في ذلك لحكامهم، كما أنه لا علاقة بالمرة بين الدين وبين سوء الخلق والإفتقار للكثير من القيم الأخلاقية للكثير من المواطنين في بلداننا، بل المسؤول الأول عن هذا الإفتقار للقيم الخلقية العالية في بلداننا هو الحاكم) (إنتهى كلام الشهيد الصدر)

في الحقيقة كان من المتوقع أن تنقلب الأمور رأساً على عقب بعد سقوط نظام صدام عام ٢٠٠٣، حيث سيحكم العراق الإسلاميون الذين يؤمنون بالإسلام وبقيم الإسلام العالية والعمل من أجل مصلحة البلد والمواطن وسيشعر المواطن أن ألحاكم يعمل بإخلاص من أجل البلد ومن أجل مصلحة المواطنين، وبذلك سيتغير تعامل المواطن مع الحاكم ومع مؤسسات الدولة، وستنتشر القيم الخلقية العالية ويتعامل المواطن مع أخيه المواطن بالصدق والثقة والإخلاص والحب والإحترام، بل من الطبيعي أن يرتفع المواطن في العراق بقيمه الخلقية عن القيم الخلقية للمواطن في الغرب بسبب ترسخ القيم الدينية في الشرق أكثر من ترسخها في الغرب، وهذا عامل آخر مساعد لتطور المجتمع وإنتشار قيم العدالة والصدق والإخلاص وتقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة…….

ولكن للأسف الشديد النتائج المتحققة كانت خلاف التوقعات، والسبب لا يخفى على المواطن اللبيب…… 

روجيه غارودي وعلي ابن ابي طالب (ع).

هذا هو إسلامنا، إسلام الرحمة والعدل، ونقيض تصرفات الكثيرين من كافة الطوائف ممن يزعمون انهم مسلمون بلسانهم في عراق اليوم ولكنهم بعيدون كل البعد عن هذه المفاهيم؛ علي ابن ابي طالب (ع) ليس للشيعة فحسب بل هو لكل المسلمين؛ الشيعة يدعون أنهم يتأسون به لأنه إمامهم، والسنة يدعون أنهم يتأسون به لأنه من الخلفاء الراشدين؛ إن أهم صفة تبرز له عليه السلام في هذه الحادثة هو إنتفاء مشاعر ألإنتقام وعدم غلبة نفس العداء لقاتله، بل لا يحرك مشاعره غير طاعة الله وحسب، ليعلم الشيعي الذي تسيطر عليه مشاعر الإنتقام ويتصرف تبعاً لهذه المشاعر وليس طاعة لله، فإنه لا يتأسى بإمامه وأنه مسلم بالقول ولكنه بعيد كل البعد عن الإيمان، وأنه بفعله هذا يغضب علي (ع) ويغضب رسول الله (ص) بل يغضب الله، وأنه سيكون بعيداً عن رحمة الله في الدنيا والآخرة.
وليعلم السني الذي تسيطر عليه مشاعر الإنتقام ويتصرف تبعاً لهذه المشاعر وليس طاعة لله، فإنه لا يتأسى بخليفة المسلمين الراشد، وأنه أيضاً مسلم بالقول ولكنه بعيد كل البعد عن الإيمان، وأنه بفعله هذا يغضب علي (ع) ويغضب رسول الله (ص) بل يغضب الله، وأنه سيكون بعيداً عن رحمة الله في الدنيا والآخرة.
نسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويوفقنا إتباعه، وأن يرنا الباطل باطلاً ويوفقنا إجتنابه، إنه سميع مجيب…..

تلك هي حقيقة التشيع

التشيع ٢

حدثت هذه الحادثة في أوائل الستينات من القرن السابق في مدينة صور جنوب لبنان، وقد نقلها لي الحاج محمد فتني الذي لا يزال على قيد الحياة حتى يومنا هذا، حيث كان عمره في ذلك الحين بحدود الثلاثة عشر سنة، وكان والده المرحوم الحاج حسن فتني مؤذناً ومشرفاً على جامع السيد عبد الحسين شرف الدين، وقد قدم السيد موسى الصدر للإقامة في مدينة صور وإماماً في جامع السيد شرف الدين في أوائل الستينات، حيث كان الفقراء من مدينة صور يأتون إلى الجامع يوم الجمعة يتسولون من المصلين بعد الصلاة، وكان هذا المنظر يؤذي السيد موسى الصدر، لذلك طلب من الشيخ محمد عقيل رئيس جمعية البر والإحسان التي أسسها السيد عبد الحسين شرف الدين بجلب قائمة بأسماء هؤلاء المتسولين فضلاً عن أسماء جميع العوائل الفقيرة في مدينة صور، فتم جرد أسماء الفقراء وقدمت قائمة بأسمائهم إلى السيد موسى الصدر، وعندما إطلع السيد موسى الصدر على الأسماء خاطب الشيخ محمد عقيل متسائلاً إن كانت القائمة تتضمن أسماء الفقراء من الشيعة فقط، فأجاب الشيخ أنهم فقط من الشيعة، فقام السيد الصدر بتمزيق القائمة متسائلاً ( أليس هناك فقراء من السنة في صور؟ أليس هناك فقراء من المسيحيين في صور؟) فكان جواب الشيخ له بالإيجاب، فقال السيد (لا يجوز التفريق بين الفقير الشيعي والفقير السني، ولا يجوز التفريق بين الفقير المسلم والفقير المسيحي، وإني لا أقبل بهذه القائمة، وأريد قائمة جديدة تتضمن أسماء كافة الفقراء من مدينة صور من الشيعة والسنة ومن المسلميين والمسيحيين) فتم على أثرها ترتيب قوائم جديدة تتضمن أسماء كافة الفقراء شيعة وسنة، مسلمين ومسيحيين، حيث تم الإتصال في ذلك الوقت بالمطران يوحنا حداد المقيم في حارة المسيحيين لتزويدهم بأسماء العوائل الفقيرة من المسيحيين.

لقد عين محدثي الحاج محمد فتني في عمره الصغير مسؤول مع مجموعة من الأولاد في عمره عن توزيع المساعدات العينية لهذه العوائل الفقيرة حيث كان يزود بأكياس تتضمن المساعدات العينية من سكر ورز وشاي وحليب مجفف ومعلبات وأنواع الحبوب، وكان الحاج محمد فتني يعرف عناوين المسلمين من الشيعة والسنة، وبدأ يستدل على بيوت المسيحيين من أصحاب البقاليات في حارة المسيحيين، وعلى أثر ذلك توثقت العلاقة بشكل كبير بين السيد موسى الصدر وبين المطران يوحنا الحداد….

هذا هو منهج أهل بيت النبوة، المنهج الإسلامي الصحيح، وهو خلاف منهج الطائفيين من الشيعة والسنة وخلاف منهج خوارج العصر من داعش ومن لف لفهم الذين إستباحوا أموال المسيحيين وأستباحوا دماء من خالفهم الرأي من الشيعة أو السنة وغيرهم من الطوائف وألأديان.

يجب أن لا ننسى مقولة آية الله السيد السيستاني في نفس هذا لتوجه (لا تقولوا اخواننا السنة، بل السنة هم أنفسنا)، كم من الشيعة يطبقون هذا المنهج، منهج أهل البيت (ع)؟ وكم منهم يطبق المنهج الأموي الذي كان قائماً على العنصرية وعلى الولاءات؟ وكم من السنة يطبقون المنهج الإسلامي الصحيح في التآخي بين جميع المسلمين؟ وكم منهم يطبق منهج خوارج العصر في تعميق الطائفية وتكفير الآخر؟ 

محمد توفيق علاوي

الفرق بين حكم الاسلاميين للعراق وبين منهج السيد السيستاني

قضية الإسلاميون في الحكم وبالذات حكم الإسلاميين في العراق منذ عام 2003 يتطلب بحث مختصر في الجانب التأريخي:

حيث تشكل الحزب الشيوعي العراقي في ثلاثينات القرن الماضي وتشكلت الأحزاب القومية في نهاية أربعينات القرن الماضي، فكان نشوء الأحزاب الإسلامية في العراق في نهاية الأربعينات كحركة الإخوان المسلمين وفي خمسينات القرن الماضي كحزب الدعوة الإسلامية كرد فعل على انتشار الأفكار الماركسية بالدرجة الأولى، وقد تصدت المرجعية الشيعية في ذلك الوقت للرد على الأفكار الماركسية والأفكار القومية اليسارية كفكر حزب البعث العربي الإشتراكي وذلك بإصدار مجموعة من الكتب الفكرية للسيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس) ككتاب فلسفتنا واقتصادنا والبنك اللاربوي في الإسلام وغيرها .

استلهمت الأحزاب الشيعية عند أول تأسيسها افكارها ومناهجها الإسلامية في مجال الحكم من حركة الإخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي، فكان كتاب معالم في الطريق للسيد قطب وشبهات حول الإسلام لمحمد قطب وكتاب (الخلافة) الذي تسمى ب(نظام الحكم في الإسلام) لتقي الدين النبهاني من المصادر الأساسية في فترة الستينات والسبعينات لرسم المنهج السياسي للحكم الإسلامي سواء بالنسبة للأحزاب السنية أو الشيعية في العراق.

بالنسبة للأحزاب الشيعية الإسلامية فأن منهجها لا ينفك عن المتبينات الفكرية للفكر الشيعي الذي تطور خلال فترة أثني عشر قرناً من خلال استمرار فتح باب الإجتهاد. فنشأت مدرستين أساسيتين شيعيتين ضمن أجواء الحوزة العلمية في العراق ولبنان أولاً ثم في إيران. فكانت احدى المدرستين تتبنى نظرية ولاية الفقيه والنظرية الاخرى لا تتبنى هذه النظرية وانما تحدد ولاية الفقيه ضمن مساحات محددة تتمثل بالقضايا الفقهية العبادية وقضايا المعاملات للمقِلد لذلك الفقيه، فضلاً عن اعطاء الفقيه الحق بالولاية في بعض الامور المصيرية والمفصلية والمهمة في حياة الأمة.

لقد تبنت إيران والمرجعيات الشيعية في إيران مبدأ ولاية الفقيه العامة.

أما أغلب العلماء في العراق فلم يتبنوا هذا المبدأ، لذلك نجدهم لم يتدخلوا في سياسة الدولة إلا في الامور المصيرية والمفصلية والمهمة في حياة الأمة.

ولا نريد في هذا المجال ان ندخل في تفصيلات منهج حزب الدعوة الإسلامية أو المجلس الأعلى أو التيار الصدري وذلك لسبب بسيط، وهو أن جميع هذه الجهات قد تخلت عن اديولجيتها ومنهجها الفكري للحكم حين دخلت العملية السياسية، واكتفت بوضع فقرات في الدستور تؤكد على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام وهو مصدر أساس للتشريع ولا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، وأما منهجها السياسي فقد انحصرت أهدافه على وصول أفراد هذه الأحزاب والتنظيمات والتيارات للمشاركة في إدارة شؤون البلد ، كأعضاء في مجلس النواب وكوزراء ووكلاء  وباقي المناصب القيادية في الدولة والحكومة.

وهنا نستطيع أن نزعم أنه وللأسف الشديد لم تكن مشاركة هذه الجهات في حكم البلد ناجحة في تطوير البلد من النواحي السياسية والإقتصادية والإجتماعية. فمشاركة هذه الجهات اعتمدت على عنصر المنصب الحزبي وليس الكفاءة في الإدارة أو النزاهة أو التخصص في المجالات المختلفة لتولي المناصب التنفيذية إلا بمقدار محدود وضئيل. واستطيع في هذا المجال أن أزعم أن البلد قد تراجع الى الوراء بشكل كبير وبالذات خلال السنوات الثماني الماضية من ناحية توفير الخدمات مقابل المبالغ المالية الكبيرة التي صرفت، وفي مجال توفير الأمن للمواطنين، وفي مجال القضاء على الفساد المالي والإداري والذي إستشرى بشكل كبير، بل ألادهى من ذلك كله هو تعميق الخلافات الطائفية، حيث أن الفئة الحاكمة حينما فشلت في تحقيق التطور والرخاء وألامان خشيت أن يفقدها هذا الفشل التأييد اللازم للفوز في الإنتخابات لذلك أتبعت سياسة تعميق الخلافات الطائفية والإيحاء أنها الجهة القادرة على حماية الطائفة قبال الطوائف والأعراق الأخرى.

لقد أثرت هذه السياسة على المواطن بشكل كبير، فلم يسع المواطن لانتخاب الأصلح والأكفأ في إدارة البلد بغض النظر عن انتمائه الطائفي والعرقي، بل أخذ كل مواطن ينتخب من يمثله من طائفته وعرقه، ولا يتحرى إلا بما يحققه من ينتخبه من وعود يبثها في قدرته عن الدفاع عن الطائفة والعرق، فأدى ذلك الى تدهور البلد ضمن كافة المجالات وعلى كافة المستويات. وفي قبال هذا المنهج الواقعي وعلى الأرض في حكم البلد من قبل الأحزاب الإسلامية نجد أن المرجعية الدينية الشيعية قد تحركت بدرجة عالية من الوعي واستطاعت ان تحقق إنجازات إيجابية كبيرة على الارض قبال فشل الأحزاب الإسلامية.

فأول عمل قامت به المرجعية هو الإصرار على كتابة دستور للبلد من قبل مجلس تشريعي منتخب.

الامر الثاني هو حماية البلد من تداعيات الصراع الطائفي الذي كان من الممكن أن يشعل البلد من حرب طائفية مدمرة وبالذات بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريين(ع) في سامراء.

(في إحدى المناسبات عندما زرنا آية الله السيد السيستاني وكان الوفد يتشكل من شيعة وسنة، فقلنا له: إن فلان من إخوتنا السنة، فقال: لا تقولوا ألسنة إخوتنا، بل السنة أنفسنا)( وفي زيارة أخرى خاصة حينما لمحت له متسائلاً: أن ألإئتلاف الموحد ذو صبغة شيعية وهو مما يعمق النزاع الطائفي، قال: أنا لم أرد أن يكون ألإئتلاف بشكله هذا، إنما أردته أن يكون إئتلافاً شيعياً وسنياً، إسلامياً ومسيحياً، عربياً وكردياً وتركمانياً، وأردت أن يدخل فيه بعض ألأشخاص ألوطنيون ليبعدوا عنه هذه  ألصبغة ألشيعية الطائفية)

الامر الثالث هو إعطاء الموافقة على مجموعة من الأسماء المقترحة لرآسة الوزراء عام (2004)،أن هذه الموافقة لم يكن تأثيرها كبيراً في ذلك الحين ولكن أصبح تأثيرها كبيراً جداً عام (2014) حينما كاد البلد أن يتحول نظامه الديمقراطي الحر الى نظام دكتاتوري مستبد، وتمثل هذا الأمر بإصرار رئيس الوزراء السابق السيد نوري المالكي على الإستمرار بحكم البلد مع كل الإخفقات والتبعات السلبية الكبيرة على كافة الأصعدة والنواحي الإقتصادية والإجتماعية والسياسية خلال سنوات حكمه الثمان.

ولكن موقف المرجعية الدينية الحازم كان له الدور الأساسي والمفصلي في القضاء على الدكتاتورية والتي لم تكن نتاج توجهات شخصية لشخص الحاكم فحسب بل الذي ساعده عل هذا الأمر هو قيادته لحزب اسلامي شمولي، فالخصائص التي تمثلت فيها الأحزاب الشمولية غير الإسلامية لا تختلف كثيراً عن الخصائص للأحزاب الإسلامية لنشوء الدكتاتورية. فكما ولدت الشيوعية دكتاتوريات تاريخية كستالين وتشاوتشيسكو، أو الأحزاب الفاشية التي ولدت دكتاتوريات هتلر وموسوليني، أو حزب البعث العربي الإشتراكي الذي ولد صدام حسين.

فالأحزاب الإسلامية الشمولية سواء كانت شيعية أو سنية نجد انها توفر البيئة لنشوء دكتاتوريات مستبدة.

ولكن لحسن حظ العراق وجود مرجعيات إسلامية حكيمة استطاعت أن توقف مثل هذه التداعيات في الوقت المناسب.

قد يتساءل البعض ، لو تولى شخص من المجلس الاعلى أو من التيار الصدري الحكم في البلد فهل يمكن أن تنشا دكتاتورية مستبدة كالتي كان  يمكن أن تكون لو استمر حاكم من حزب الدعوة الإسلامية في الحكم؟

نستطيع أن نقول أن الإحتمالات ستكون أضعف بكثير وذلك لإلتصاق المجلس الاعلى والتيار الصدري بدرجة اكبر بالمرجعيات الدينية الشيعية.

فالمرجعية الإسلامية الشيعية لها عمق تأريخي يتجاوز الألف عام، وقيادة المرجعية الشيعية للأمة عقيدة راسخة في  ضمير الأمة، لذلك نجد أن قيادة حزب الدعوة قد توجهت قبل بضعة اشهر بسؤال المرجعية ان كانت راضية ببقاء الحاكم أم انها تريد إزاحته، فأفتت المرجعية بإزاحته، والتزمت هذه القيادة بقرار المرجعية، فأزيح المالكي من رئاسة الوزراء ونصب السيد حيدر العبادي رئيساً للوزراء، ولعل هذا الحدث دليل على ابتعاد حزب الدعوة عن متبيناته السابقة في وجوب قيادته للأمة، واقراره بارجحية رأي المرجعية الدينية في القضايا المصيرية والمفصلية للأمة.

في تصوري يعتبر هذا التطور أعظم إنجاز حققته الأحزاب والحركات الإسلامية في التعامل مع المرجعية الدينية كصمام امان يحمي الامة في الأوقات المصيرية والمفصلية من حياة الأمة.

المعضلة الأخرى التي اشتركت فيها اغلب الجهات السياسية من إسلامية وغير إسلامية في العراق هي التعامل مع المناصب التنفيذية وبالذات الكثير من الوزارات والهيئات المختلفة، حيث تعاملت مع هذه الوزرات والهيئات على اعتبار انها مصدر مالي لتمويل هذه الجهات السياسية، وللأسف الشديد اصبح هذا الأمر ثقافة واقعية، واخذت اكثر الجهات والأحزاب السياسية تتمادى في الفساد لتمويل الحزب أو الجهة السياسية، ويضطر ذلك الحزب أو الجهة السياسية السكوت عن فساد الجهات السياسية الأخرى، بل اضطرت هذه الجهات السياسية الدفاع عن وزرائها المفسدين لأنهم غدوا مصدر تمويل ذلك الحزب او تلك الجهة الساسية، للأسف استطيع ان اقول أن ذلك كان منهج أغلب الجهات السياسية وألأحزاب الموجودة في السلطة، وكان ذلك سبباً لأن يغرق البلد في مستنقعات الفساد وأن تفشل الحكومة في تطوير البلد مع وجود إمكانيات مالية ضخمة وكبيرة، واستطيع أن ازعم أن البلد قد تراجع ألى الوراء خلال اثني عشر عاماً من القضاء على نظام صدام حسين على كافة الأصعدة مقارنة بالموارد المالية الضخمة التي دخلت ميزانية البلد خلال هذه الفترة.

ختاماً يمكن تلخيص الأمر والإدعاء بأن الإسلاميين قد حكموا العراق لفترة تجاوزت التسع سنوات ولكنهم فشلوا في تطوير البلد وتوفير الخدمات وبسط الأمن والعدل والقضاء على البطالة،والقضاء على الطائفية، بل تعميق الطائفية  مع العلم أن الاسناد السياسي الدولي الذي حظيت به الدولة العراقية منذ عام (2003) لم تحظ به أي دولة في تاريخنا المعاصر كما أن الموارد المالية الضخمة قد تجاوزت الترليون دولار خلال تسع سنوات ولكن النتيجة للأسف الشديد هي الفشل.

ولكن الفرصة لا زالت سانحة وقائمة لتحقيق النجاح ونجاح كبير، وهذا ما نأمله، فمن الناحية السياسية فإن جميع الجهات السياسية قد مرت بمرحلة صعبة ولكنها كانت تجربة غنية زادتهم وعياً، واستطيع أن اقول أن الإسلاميين هم اكثر الجهات استفادة من التجارب السابقة وأن وجود الإسلاميين شيعة وسنة سيبقى وجوداً مميزاً في البرلمان، ويجب عليهم وعلى كافة الأحزاب السياسية الأخرى ترشيح الكفوئين والنزيهيين وليس من الضروري أن يكونوا منتمين لهذه الجهة السياسية، كما في تصوري يجب تثبيت تخلي الإسلاميين عن الإسلام السياسي والذي قد تخلوا عنه بشكل واقعي وقبلوا بالتحول الى تنظيمات سياسية مدنية تتبنى الدستور المصوت عليه، والتأكيد على دور المرجعية الدينية الرشيدة في هذه المرحلة العصيبة كصمام امان للحفاظ على الدولة وبالذات في القضايا المصيرية والمفصلية في المسيرة السياسية.

النداء الثالث والأخير للسيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم والعن عدوهم.

قام السيّد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس)في 20- 25/ شعبان/ 1399 هـ -، 14- 19/ 7/ 1979 م)، بتسجيل نداءه الثالث والأخير إلى الشعب العراقي، اثر قيام سلطة البعث الكافرة بحملات اعتقال واسعة شملت عشرات الألوف من أبناء الشعب العراقي ووضعهم تحت أشدّ أنواع التعذيب، وهذا نصّه:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصَحبه الميامين.
يا شعبي العراقي العزيز
أيّها الشّعب العظيم
إنّي أخاطبك في هذه اللحظة العصيبة من محنتك وحياتك الجهاديّة، بكلّ فئاتك وطوائفك: بعربكَ وأكرادك، بسنّتك وشعيتك، لأنّ المحنة لا تخصّ مذهباً دون آخر، ولا قوميّة دون أخرى، وكما أنّ المحنة هي محنة كلّ الشعب العراقي، فيجب أن يكون الموقف الجهاديّ والرّدّ البطوليّ والتلاحم النضالي هو واقع كلّ الشعب العراقي.
وإنّي منذ عرفت وجودي ومسؤوليّتي في هذه الأمّة بذلت هذا الوجود من أجل الشيعي والسّني على السّواء، ومن أجل العربيّ والكرديّ على السواء، حيث دافعت عن الرسالة التي توحّدهم جميعاً وعن العقيدة التي تضمهم جميعاً، ولم أعِش بفكري وكياني إلّا للإسلام طريق الخلاص وهدف الجميع.
فأنا معك يا أخي وولدي السّنّي بقدر ما أنا معكّ يا أخي وولدي الشيعي .. أنا معكما بقدر ما أنتما مع الإسلام؛ وبقدر ما تحملون من هذا المشعل العظيم لإنقاذ العراق من كابوس التّسلّط والذّل والاضطهاد.
إنّ الطّاغوت وأولياءه يحاولون أنْ يوحوا إلى أبنائنا البررة من السّنة أنَّ المسألة مسألة شيعة وسنة ليفصلوا السّنة عن معركتهم الحقيقيّة ضدّ العدوّ المشترك.
وأريد أنْ أقولها لكم يا أبناء علي والحسين، وأبناء أبي بكر وعمر أنّ المعركة ليست بين الشيعة والحكم السّني.
إنّ الحكم السنّيّ الذّي مثّله الخلفاء الرّاشدون والذي كان يقوم على أساس الإسلام والعدل، حمل عليٌ السيف للدفاع عنه إذْ حارب جنديّاً في حروب الرّدة تحت لواء الخليفة الأوّل..، وكلُّنا نحارب عن راية الإسلام وتحت راية الإسلام مهما كان لونها المذهبيّ.
إنّ الحكم السّنيّ الذي كان يحمل راية الإسلام قد أفتى علماء الشيعة- قبل نصف قرن- بوجوب الجهاد من أجْله، وخرج مئاتُ الآلآف من الشيعة وبذلوا دمهم رخيصاً من أجل الحفاظ على راية الإسلام، ومن أجل حماية الحكم السنّي الذي كان يقوم على أساس الإسلام.
إنّ الحكم الواقع اليوم ليس حكماً سنيّاً، وإن كانت الفئة المتسلّطة تنتسب تأريخيّاً إلى التّسنّن.
إنّ الحكم السّنّي لا يعني حكم شخص ولد من أبوين سنّيين، بل يعني حكم أبي بكر وعمر الذي تحدّاه طواغيت الحكم في العراق اليوم في كلّ تصرّفاتهم، فهم ينتهكون حرمة الإسلام وحرمة عليّ وعمر معاً في‏ كلّ يوم، وفي كلّ خطوة من خطواتهم الإجراميّة.
ألا ترون – يا أولادي وإخواني – أنّهم أسقطوا الشعائر الدينيّة التي دافع عنها عليّ وعمر معاً؟!
ألا ترون أنّهم ملأوا البلاد بالخمور وحقول الخنازير وكلّ وسائل المجون والفساد التي حاربها عليّ وعمر معاً؟!
ألا ترون أنّهم يمارسون أشدّ ألوان الظلم والطّغيان تجاه كلّ فئات الشعب؟! ويزدادون يوماً بعد يوم حقداً على الشعب، وتفنّناً في امتهان كرامته والانفصال عنه، والاعتصام ضدّه في مقاصيرهم المحاطة بقوى الأمن والمخابرات، بينما كان عليّ وعمر يعيشان مع الناس وللناس وفي وسط الناس ومع آلامهم وآمالهم.
ألا ترون إلى احتكار هؤلاء للسلطة احتكاراً عشائريّاً يسبغون عليه طابع الحزب زوراً وبهتاناً؟! وسدّ هؤلاء أبواب التقدّم أمام كلّ جماهير الشعب سوى أولئك الذين رضوا لأنفسهم بالذل والخنوع، وباعوا كرامتهم وتحوّلوا إلى عبيد أذِلاء.
إنَّ هؤلاء المتسلّطين قد امتهنوا حتّى كرامة حزب البعث العربي الاشتراكي، حيث عملوا من أجل تحويله من حزب عقائديّ إلى عصابة تطلب الانضمام إليها والانتساب لها بالقوّة والإكراه، وإلّا فأيُّ حزب حقيقيّ يحترم نفسه – في العالم- يفرض الانتساب إليه بالقوّة؟!
إنّهم أحسّوا بالخوف حتّى من الحزب العربيّ الاشتراكي نفسه الذي يدّعون تمثيله، أحسّوا بالخوف منه إذا بقي حزباً حقيقيّاً له قواعده التي تبنيه، ولهذا أرادوا أن يهدموا قواعده لتحويله إلى تجميع يقوم على أساس الإكراه والتعذيب ليفقد أيّ مضمون حقيقيّ له.
يا إخواني وأبنائي من أبناء الموصل والبصرة .. من أبناء بغداد وكربلاء والنجف … من أبناء سامرّاء والكاظميّة .. من أبناء العمارة والكوت والسليمانيّة .. من أبناء العراق في كلّ مكان، إنّي أعاهدكم بأنّي لكم جميعاً ومن أجلكم جميعاً، وأنّكم جميعاً هدفي في الحاضر والمستقبل .. فلتتوحّد كلمتكم، ولتتلاحم صفوفكم تحت راية الإسلام، ومن أجل إنقاذ العراق من كابوس هذه الفئة المتسلّطة، وبناء عراق حرّ كريم تغمره عدالة الإسلام وتسوده كرامة الإنسان، ويشعر فيه المواطنون جميعاً – على اختلاف قوميّاتهم ومذاهبهم – بأنّهم إخوة، يساهمون جميعاً في قيادة بلدهم وبناء وطنهم، وتحقيق مثلهم الإسلاميّة العليا المستمدّة من رسالتنا الإسلامية وفجر تاريخنا العظيم…والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

محمّد باقر الصدر
النجف الأشرف

(انتهى)
المصدر: جريدة البيان /9/ 2013

[/frame]