لماذا تنهى الناس عن الصلاة وعن زيارة الحسين عليه السلام ؟

كتب احدهم معترضاً على الموضوع بشأن هل يمكن ان يأثم الزائر في توجهه لزيارة الحسين عليه السلام ؟ قائلاً :

اخي العزيز الصلاة والزياره لاتكون اثما كما تفضلت في طرحك
اولا مهما كان الانسان مذنبا ومرتكبا للمعاصي فاقامته للصلا افضل من تركها والعقاب يكون عن الاهمال والسهو وارتكاب الذنب لا على الصلاة نفسها فكثير من الناس يصلون ولاكن لاتقبل صلاتهم بسبب مايرتكبون من موبقات وهذا لايدعو لترك الصلاة بطبيعة الحال فان تركها سيزيد الفرد اثما وذنبا الى ذنوبه
كذلك زيارة الامام الحسين عليه السلام…
من زاره سيؤجر وان كان فاسقا فان الله تعالى لايضلم احدا ولايبخس حقه فمثلا لو كان هنالك فرد كافر وقام بفعل حسن سيجازيه الله عليه في الدنيا حتى يذهب للاخره ولا عمل له يستحق الثواب فقد جزاه الله عليه في الدنيا
فزيارة الامام الحسين نعمه ورحمة وكذلك الصلاة نعمة ورحمة ولا يمكن ان تكون سببا للاثم او الذنب وهذا ثابت في الروايات
كما ان باب التوبة مفتوح وزيارة الامام الحسين رحمة فمن الممكن ان يتوب الفرد بتوفيق من الله وببركة زياره الامام الحسين عليه السلام فتكون رحمة ونعمة له
فلا يمكن ان تقول لاي شخص لاتزر ولا تصلي فتكون انت من وقع بالاثم والذنب من حيث لاتشعر
وبالتالي تكون من الذين يضنون انهم يحسنون صنعا

بل حث على زيارة الامام الحسين وحث على الصلاة وان كان الانسان ضال وجه له النصيحه لعله يهتدي بدلا من ان تقول له لاتزور وصلاتك اثم وهذا القول عارا عن الصحه ولا يجوز

فقمت بإجابته بالتالي :


اخي العزيز اني اتفق معك في في كل ما قلته ولكنك اغفلت عن أمر واحد؛ هناك فرق شاسع بين (الساهي في صلاته) و(الساهي عن صلاته) فما تقوله ينطبق على الساهي في صلاته ؛ والسبب لانه يصلي ولكن صلاته ليست بالدرجة التي يريدها الله؛ الحد الادنى المطلوب في الصلاة هي الصلاة لله، وإن لم يصلي العبد صلاةً لله فلا يمكن ان تقبل صلاته؛ فلا يمكن ان تقبل صلاة الملحد بالله لأنها مجرد كلمات خالية من المضمون بشكل مطلق، وهذا اشبه بالمؤمن الذي يقول (ان المشرك يقول: لا أؤمن بالله) لقد استخدم هذا المؤمن عبارة (لا أؤمن بالله) ؛ ولكن لا ضير على المؤمن حين يستخدم هذه العبارة في مقولته تلك لأنه لا يعني أنه لا يؤمن بالله بل انه ينقل عبارة المشرك؛ وهذا اشبه بالملحد حين يقول (بسم الله الرحمن الرحيم) ينطق بها لسانه ولا يعتقدها قلبه، فليس لها اي قيمة لأن قيمة القول مرتبط بالنية، وهذا اشبه بالمرأة التي تقول للرجل استهزاءً (زوجتك نفسي) فأجابها استهزاءً (قبلت التزويج) فلا يترتب على تلك المقولة اي اثر لأن الاساس هو النية فضلاً عن القول، لقد عرف الله معنى الساهي عن صلاته حين اردفها بعبارة (الذين هم يراؤن) ، ففي هذه الحالة لا يكون الانسان ساهياً عن صلاته فحسب، بل هو يرائي في صلاته، والرياء اثم يحاسب الله الانسان عليه؛ فهناك في هذا المورد ثلاث مستويات؛ الانسان المؤمن بالله والساهي في صلاته فيحسب له اجر، والانسان الساهي عن صلاته بشكل مجرد، فهذا الانسان لا يحسب له اي اجر وهو اشبه بالانسان الملحد بالله ويصلي بلا هدف فقط كلمات يرددها لسانه، اما المستوى الآخر فهو الصلاة ليس في سبيل الله ولكن بهدف الرياء فهذا الانسان آثم ؛ بل إثمه عظيم جدا حين هدد الله هذا الانسان بالويل، فالويل تهديد عظيم، وهناك بعض الروايات ان الويل هو وادٍ من اودية جهنم، فيا أخي لست انا من يقول ان هذه الصلاة اثم، بل الله يقول في كتابه الكريم (ويل للمصلين) وهذا التهديد لا ينطبق إلا على اعظم درجات الاثم؛ قد تستطيع انت ان تقول للشخص الذي يسب ابنه الذي اخطأ (إنك آثم لانك سببت ابنك كان يجب ان توعظه لا ان تسبه) ولكنك لا تستطيع ان تقول له (الويل لك لأنك سببت ابنك)، لقد وصفت انا من يقوم بهذه الصلاة بأنه آثم ، اما الله فقد هدد هؤلاء في كتابه الكريم بآية واضحة بالويل؛ والويل هو اعظم درجات الوعيد والتهديد باجماع المفسرين؛ فيا أخي انا لم اقل اكثر مما قاله الله في كتابه الكريم بحق هؤلاء المصلين.
أما الزائر للحسين (ع) فيقيناً سيكون مأجوراً في الآخرة مهما كان مرتكباً من الآثام ومباركاً عمله في الدنيا او لعله مأجوراً في الدنيا فقط إن لم يكن مؤمناً بالآخرة؛ انا يا اخي العزيز لا اناقش هذه الاصناف من الناس؛ وإنما احيلك إلى قوله تعالى { الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } ، إن العلم بحدود ما انزل الله على رسوله (ص) هو امر حسن ويؤجر الانسان عليه، ولكن إذا كانت عاقبة هذا الامر بسبب جهله بالدين إثماً كبيراً ففي هذه الحالة من الافضل ان لا يعلم هذا الانسان بهذا الامر الذي يؤجر عليه الانسان العادي، وأقرب مثل على هذا الامر في السابق قيام الخوارج بقتل مرتكب الكبيرة لإعتقادهم بكفره الذي يوجب قتله حسب تفسيرهم لبعض آيات سورة التوبة (سورة براءة) واقرب مثال في وقتنا الحالي هو قيام داعش بذبح الازيديين بسبب عدم استيعابهم لآيات الكافرين في سورة التوبة؛ ما نستنتجه من هذه الآيات وهذه الامثلة ان المعول عليه ليس العمل بل عاقبة هذا العمل؛ فكما إن الله يوضح في كتابه الكريم إن الاجدر ان لا يعلم هؤلاء بحدود الله التي يؤجر الانسان العادي بالعلم بها لأن عاقبتها هي الوقوع في الاثم، فكذلك من يسير الى الحسين (ع) إن كانت نتيجة مسيرته التمادي في الضلال وسرقة الاموال اعتقاداً منه انه في هذا المسير بسبب جهله بالدين ستستحيل اموال الحرام تلك إلى اموال حلال، فالمعول في الميزان الالهي ليس العمل بل عاقبة هذا العمل؛ فإن كانت عاقبة المسير الى الحسين (ع) هو التقرب الى الله والاستغفار من الذنوب فالسائر يقيناً مأجور، ولكن إن كانت عاقبة المسير هو التمادي في الظلم والتمادي في السرقة فالسائر يقيناً آثم في هذا الفعل؛ مع وافر تحيات

هل يمكن أن يأثم الزائر في توجهه لزيارة الحسين عليه السلام

إن اهم واجب يؤديه كل إنسان مسلم ومؤمن هو الصلاة الخمس اليومية؛ ولكن هذه الصلاة الواجبة يمكن ان تكون إثماً كبيراً إن لم تحقق الهدف الذي أراده الله منها، فقد هدد الله بعض مؤديها تهديداً عظيماً عاقبته نار جهنم في وادٍ من اوديتها يسمى (الويل) كما في قوله تعالى {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}، إن صلاة هؤلاء البعض التي ستكون بمستوى الاثم تتميز بثلاث ميزات: الميزة الاولى هي سهوهم عن الصلاة قبال صلاة المؤمن التي وصفها الله بالمحافظة عليها {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}، والميزة الثانية {الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ} وهي المراءاة حيث لا يهدف هذا الانسان في صلاته تحقيق رضى الله  بل تحقيق رضى الناس وهذا هو الرياء؛ والميزة  الثالثة إنها لا تحقق الهدف المطلوب منها في النهي عن الفحشاء والمنكر {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}  فمنعالماعون كناية عن منع الزكاة لإطعام الفقراء وهذا هو المنكر فالصلاة هنا لا تحقق الهدف المطلوب منها؛ لذلك هدد الله هؤلاء المصلين بهذه الصلاة وجعل عاقبة هذه الصلاة الويل في نار جهنم إن لم يحققوا الهدف الذي اراده الله من صلاتهم كما هو واضح من الآية الكريمة.

وكذلك الزائر للحسين عليه السلام، فإن الزائر امام طريقين إما ان يسعى لتحقيق الاهداف السامية التي أرادها الحسين عليه السلام من نهضته الكبرى أو على النقيض يجعل هدفه من هذه الزيارة تثبيت الواقع الذي ثار عليه الحسين (ع) معتقداً ان المسير لزيارة الحسين (ع) يعطيه الحق لظلم الناس وسرقتهم معتقداً ان هذا الظلم سيغفر له وأن اموال الحرام من هذه السرقات ستكون مباحة له بمجرد مسيره لزيارة الحسين عليه السلام ؛ لقد اوضح الحسين عليه السلام اهداف ثورته الكبرى في قوله)إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق(، للأسف نجد الكثير من الزائرين الذين هم من هذا الشعب ولعل اغلبهم من السياسيين ومن الموظفين في دوائر الدولة وغيرهم، لا يتوانون عن اخذ الرشوة من المواطن الفقير، ويأخذوا العمولات من مشاريع الدولة على حساب المواطن الشريف، لا يتوانون عن اختلاق اسماء الفضائيين سالبين اللقمة من افواه الارامل والايتام لجيوبهم، لا ينصروا المواطن الضعيف، ويكذبوا في تعاملهم مع الناس ولا يخلصوا في عملهم، ثم يتصورون ان كل ذنوبهم تلك ستغفر بمجرد مسيرهم لزيارة الحسين عليه السلام، إن الذين يفعلوا تلك الافعال والآثام ويصرون عليها غير مستغفرين منها ولا نادمين لأنهم في كل عام يسيرون باتجاه الحسين عليه السلام معتقدين ان الحسين (ع) سيكون شفيعاً لهم للتجاوز عن ذنوبهم وظلمهم للناس وسرقاتهم من دون التوبة منها؛ فهنا ستغدو الزيارة سبباً ليس لتحقيق الاهداف التي ارادها الحسين (ع) بل ستكون سبباً لرفض الاهداف التي ارادها الحسين (ع) وسبباً في تثبيت المنكر الذي ثار عليه الحسين (ع)، ستكون سبباً للتمادي في اخذ الرشوة، وسبباً للتمادي في احتساب العمولات على حساب مصلحة المواطنين، وسبباً لظلم المواطنين الشرفاء والتحايل عليهم وسرقتهم وسرقة احلام اطفالنا وطموح شبابنا، ففي هذه الحالة ستكون زيارة الحسين عليه السلام أشبه ما تكون بصلاة الساهين وستكون نتيجة هذه الزيارة هي الاثم والعقاب في الآخرة، لذلك انصح هؤلاء الناس ان يبقوا في بيوتهم ويسيروا على نهج الحسين عليه السلام في رفض الفساد ومقارعته وأن لا يسيروا اليه  بأرجلهم ويخالفوا نهج الحسين (ع) بسلوكهم وتصرفهم، فالصنف الاول سينالوا شفاعة الحسين عليه السلام وان بقوا في بيوتهم، والصنف الثاني لن يزدادوا في مسيرهم نحو الحسين عليه السلام إلا إثما وذنباً وضلالاً وابتعادا عن طريق الحق وستكون عاقبته الابتلاء في الدنيا والعقاب والعذاب الشديد في الآخرة.

من يعتقد ان الحسين (ع) كان يخطط لمستقبل شيعته فقط فهو جاهل بحقيقة الحسين (ع)؛

من السذاجة وصف ثورة الحسين (ع) بأنه استجاب لدعوة اهل العراق ليحكمهم وإذا بهم قد تخلوا عنه بل قاتلوه فاستشهد هو واهل بيته واصحابه وتم سبي نسائه بهذه الطريقة الهمجية.

الحسين عليه السلام في ثورته الجبارة كانت له اهداف بعيدة جداً ضمن مخطط إلهي ابلغه الله لرسوله الكريم (ص) وتم تهيئة الحسين (ع) لهذا اليوم ليتم حفظ الاسلام من الانحراف الكامل لمستقبل الايام حتى قيام الساعة.

لقد قام الحسين (ع) خطيباً في مكة قبل توجهه الى العراق قائلاً (وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني باوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء) حيث كان الحسين (ع) يعلم بالمخطط الذي اراده له الرسول (ص) بكافة تفاصيله، من تأريخ ومكان استشهاده وطريقة استشهاده كما بينها، وسبي اهل بيته حيث قرر اصطحابهم معه وهو عالم بما سيواجهوه من سبي ومعاناة وذلك لتحقيق الاهداف الكبرى التي ارادها الله من ثورته العظمى.

لقد كتب الإمام عليه السلام إلى بني هاشم قائلاً (من لحق بنا استشهد، ومن تخلف لم يبلغ الفتح) فما المقصود بالفتح ؟

فحين آلت القيادة الدينية والدنيوية إلى بني امية الذين حملوا السيف بوجه رسول ألله (ص) ولم يدخلوا ألإسلام إلا نفاقاً ورغماً عن أنوفهم، لقد كان حقدهم على ألإسلام وعلى رسول ألله (ص) يفوق حد التصور حتى أن هند زوجة أبي سفيان وأم معاوية لاكت كبد الحمزة بعد إستشهاده.

واكبر دليل على كفرهم ونفاقهم وإستمرارهم على معاداة هذا الدين هو قول يزيد المشهور
(لـعــبـت هـاشـــم بألمـلــك………فلا خبر جاء ولا وحي نزل) حيث شرع معاوية بوضع الأحاديث المكذوبة عن رسول الله(ص) والتي إنتقلت إلى أمهات كتب الحديث للإنتقاص من بني هاشم ووجوب طاعة الحاكم الظالم، بل وصل ألأمر إلى رسول ألله حين أتهم بأن ألشيطان كان ينطق على لسانه في قضية (الغرانيق العلى)، هذا الإفتراء على الرسول(ص) الذي أشارت اليه أمهات كتب الحديث كألبخاري ومسلم وذكر بالتفصيل في كتب الحديث الاخرى مكن أعداء ألإسلام من التشكيك بنبوة الرسول(ص) كإصدار كتاب (الآيات الشيطانية) لسلمان رشدي حيث أتهم رسول الله(ص) بأنه كان ينطق على لسان الشيطان ، إعتماداً على ألأحاديث الموضوعة التي روجت في زمن معاوية وبتوجيه منه [مع إعتقادنا بأن البخاري ومسلم كانا ثقتين وتحريا الصدق وبذلا جهوداً جبارة لنقل الحديث الصحيح عن الصحابة وليس عن رسول ألله(ص)]، لقد شرع معاوية سب الإمام علي(ع) وجعله من السنة الواجبة في تعقيب الصلاة اليومية حتى جاء الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز فألغاها وإستعاضها بقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فإنقطعت السنة الباطلة لمعاوية وأستمرت حتى اليوم سنة عمر بن عبد العزيز بمقولة إسلامية مستمدة من كتاب الله.

إن اخطر عملية كان يمكن ان يتعرض لها الاسلام هي تحريف كتاب الله، حيث وردت عدة آيات في الكتاب بحق الحكام الظالمين من بني امية اهمها حين وصفهم الله بالشجرة الملعونة ووصف آخر بالشجرة الخبيثة نقلاً عن الكثير من الصحابة (1) كما ورد في الكثير من التفاسير وكتب الحديث (2)، فضلاً عن الحديث المتواتر الذي رواه العشرات من الصحابة بإن معاوية امام الفئة التي تدعو إلى النار بنص البخاري ومسلم بل لعله يندر وجود اي من كتب الصحاح والمسانيد والسنن التي تخلو من هذا الحديث، مع ورود آية صريحة في كتاب الله بوجوب قتال هذه الفئة (التي تدعو الى النار) وهي الفئة الباغية بقيادة معاوية ابن ابي سفيان في حرب صفين (3).

  إن المصحف الموجود بين ايدي الناس اليوم هو نفسه المصحف الذي نزل على رسول الله (ص) بنفس ترتيب آياته وسوره، ومن قال غير ذلك فهو مجافٍ للحقيقة، وقد كانت هناك عدة نسخ استنسخها الكثير من الصحابة وأهل بيت النبوة ولعلها كانت على حروف مختلفة (القراءات السبع)،  فقام الخليفة الثالث عثمان ابن عفان بكتابة اربع نسخ من المصحف الشريف على حرف واحد وحذف التفاسير الموجودة في الحاشية، واتلف النسخ الاخرى، ووزع هذه النسخ الاربعة في اقطار العالم الاسلامي؛ لقد تكفل رب العزة بحفظ هذا القرآن من التحريف في قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، ولكن هذا الحفظ لم يكن بطريقة اعجازية بل بطرق طبيعية، لقد كان من الطبيعي لهذه الشجرة الملعونة أن يحرفوا القرآن كما حرفوا السنة ووضعوا  الأحاديث الباطلة عن رسول الله(ص)، الخطورة في ذلك أن ألأمة الإسلامية ستتقبل هذه السنة المنحرفة وستتقبل هذه الأحاديث الموضوعة وستتقبل هذا القرآن المحرف، ولكان الإسلام في يومنا الحالي إسلاماً آخر، إسلاماً محرفاً بالكامل عن إسلام رسول ألله (ص) كما غدت اليهودية والنصرانية محرفة اليوم عن يهودية موسى (ع) ونصرانية عيسى (ع) ولكن ثورة الحسين (ع) جردت يزيد وجردت بني أمية من حق التشريع، بل جردت جميع من جاء بعدهم من الخلفاء من بني العباس وبني عثمان وغيرهم من حق التشريع، لقد غدوا مجرد حكام لا غير، ، وكل ذلك بفضل ثورة الحسين (ع) ودماؤه ودماء أهله وأصحابه التي سفكت قرباناً لهذا الدين الذي وفقنا الله به وميزنا على غيرنا من الأمم.

لو إستمر الوضع من دون ثورة الحسين (ع) لكان من الطبيعي أن يستمر حكم بني أمية لمئات السنين ولكان ألإسلام الذي بين أيدينا اليوم إسلاماً لا علاقة له بإسلام رسول ألله(ص)، ولكان من الطبيعي تحريف القرآن ولعله كان لدينا عدة نسخ مختلفة من القرآن الكريم، لقد فجرت ثورة الحسين(ع) الأرض تحت أقدام الخلافة الأموية فيما يقارب الثلاثين ثورة في كافة أرجاء العالم الإسلامي، حيث ثارت المدينة المنورة إبتداءً ضد بني أمية فواجهها يزيد بإباحة المدينة لثلاث أيام بما يعرف بوقعة الحرة، وثار أهل مكة بقيادة عبد الله أبن الزبير، وثار أهل الكوفة بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي بما يعرف بثورة التوابين، وثار المختار الثقفي في الكوفة وإنتصر على جيش عبيد الله إبن زياد وقتله في الموصل، وثار زيد أبن علي وثار إبنه يحيى أبن زيد في الكوفة والمدائن ، أما في زمن مروان بن محمد آخر حكام بني أمية فقد قامت عليه عدة ثورات في آن واحد، في فلسطين وحمص والموصل والجزيرة واليمن بل حتى في دمشق فنقل العاصمة من دمشق إلى حران، بل إن ثورة الحسين(ع) فجرت الصراع داخل البيت الأموي، فعندما مات يزيد وتولى إبنه معاوية خطب فيهم منتقداً جده معاوية في أنه نازع الأمر أهله، وأن أبيه يزيد قتل أهل بيت النبوة ظلماً، وأن أهل البيت أحق بهذا لأمر من آل أبي سفيان، فقتل بعد أربعين يوماً إما بالسم أو طعناً، وحينما تولى ألأمر عمر بن عبد العزيز جرد بني أمية من الأموال التي أستولوا عليها ظلماً، فقتل مسموماً.

لم يطل الأمر أكثر من (٧١) سنة من إستشهاد الحسين(ع) حتى قامت ثورة العباسيين تحت شعار (الثأر لمقتل الحسين) و(إلرضا من آل محمد) فتم القضاء بشكل كامل على الدولة الأموية في الشام.


ولهذا قال رسول الله (ص) ( حسين مني وانا من حسين) حيث من المعلوم ان الحسين (ع) من الرسول، اما الرسول (ص) من الحسين  فهو غير واضح كنسب ولكن دلالته ان الدين الذي جآء به رسول الله (ص) لا يستقيم ولا يحفظ من الانحراف إلا بالحسين (ع) وبنهضته العظيمة واستشهاده ومسيرة العقيلة زينب (ع) التي دكت عروش الظالمين خلال اربعة عشر قرناً  ولازال الملايين من البشر يسيرون على خطاها وخطى الحسين (ع) ومنهجه للإصلاح في امة جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ هذا هو المقصود من قول الحسين (ع) بالفتح العظيم لجميع المسلمين، ففتح رسول الله (ص) كان باسقاط اصنام قريش في الكعبة  أما فتح الحسين (ع) فكان في اسقاط مخطط بني امية ودحر سنتهم الباطلة في النيل من قداسة رسول الله (ص)، وسنتهم في لعن اهل بيت النبوة على منابر المسلمين، وكشف زيف الآلاف من الاحاديث التي وضعوها لطاعة الحاكم الفاسق والظالم، فضلاً عن الانحرافات التي كانت متوقعة لو لم يقم الحسين بنهضته العظيمة، وغدا المسلمون باجمعهم يعتزون بأن لهم كتاب واحد لم تطاله ايادي التحريف، فثورة الحسين عليه السلام لم تكن للشيعة فحسب بل كانت للمسلمين جميعاً فيما يدينون به ربهم في يومنا الحالي.

  • ؛(1) كام المؤمنين عائشة وابو هريرة وابن عباس وعبد الله ابن الزبير وعبد الله ابن عمر وابي سعيد الخدري وسعيد ابن المسيب وأبن برزة الاسلمي غيرهم
  • ؛(2) كتفسير الفخر الرازي وتفسير السيوطي وتفسير القرطبي وكنز العمال للمتقي الهندي  ومستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري وفتح القدير للشوكاني وفتح الباري والمطالب العالية لابن حجر العسقلاني والهيثمي في مجمع الزوائد والبيهقي في دلائل النبوة ومسند ابي يعلي والذهبي في ميزان الاعتدال والقاضي شهاب الدين في تأريخه وابو الفداء في المختصر في اخبار البشر وغيرهم،
  • ؛(3) ورد نص الحديث في صحيح البخاري (ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى النار) حيث قامت الفئة الباغية بإمامة معاوية بقتل عمار ابن ياسر في معركة صفين، وتواتر هذا الحديث عن عشرات الصحابة، راجع صحيح مسلم وصحيح الترمذي وصحيح النسائي ومسند ابن حنبل ومستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري وصحيح ابن حبان وصحيح ابو يعلي والعشرات من كتب الصحاح والمسانيد والسنن

ثورة الحسين (ع) بين البكاء الصادق عليه وبين البكاء الكاذب

زيارة الاربعين في شهر شباط عام 1977 كانت الحد النهائي في الصدام الحقيقي بين النظام الدكتاتوري الظالم للبعث الصدامي وبين الواقع الاسلامي الفطري في العراق؛ تمثل المخطط في مواجهة الاسلام الشعبي الفطري ( وهو غير الاسلام السياسي المتبنى من قبل اغلب الحركات الاسلامية السياسية في يومنا الحالي). لقد بدأت هذه المواجهة منذ بداية عام 1969 حيث تم اعتقال الشيخ عبد العزيز عبد اللطيف البدري الذي كان يتعاطف مع القضية الفلسطينية وينادي بالاخوة الشيعية السنية وكان يبدأ خطبته منذ عهد عبد الكريم قاسم وعهد العارفين ثم البكر بجملة مشهورة عنه (نعوذ بالله من شرور انفسنا وسيئات حكامنا).

 لقد كان مخطط مكتب العلاقات في ذلك الوقت برئاسة صدام وبالتنسيق مع ناظم كزار بمواجهة الاسلام الشعبي ليس من منطلق طائفي بل من منطلق معاداة الاسلام كفكر وعلاقة بين الانسان وبين ربه، فتم منع رفع الاذان في الاذاعة الرسمية في بداية السبعينات وتم قتل الشهيد عبد العزيز البدري بالتعذيب في قصر النهاية في اواسط عام 1969 وبدأت حملة مقارعة الاسلام الشعبي بالتضييق على آية الله السيد محسن الحكيم (قدس) في اوائل السبعينات وإعدام الشهداء الخمسة عام 1973 ليس من منطلق سياسي بل من منطلق مقارعة الاسلام الشعبي؛ نعم قد يزعم صدام انه كان يقارع الاسلام السياسي في وقت لاحق وبالذات بعد الثورة الاسلامية في ايران ولكن ما يهمنا هو مقارعة البعث الصدامي في ذلك الوقت للإسلام الشعبي، لقد قام  البعث الصدامي بسحب كتب الدعاء والزيارة في العتبات المقدسة، وتم اعتقال كل من يقتني (كاسيت الردات الحسينية غير السياسية).

لقد كان زوار ألإمام الحسين (ع) في  اربعينيته والمسيرات اليه في بداية السبعينات من القرن الماضي يعدون بمئات الآلاف وليس بالملايين كما في يومنا الحالي، لقد كنت اشارك في هذه الزيارات التي كانت شعاراتها حسينية بحتة في اوائل السبعينات، ولكن سنة بعد اخرى كانت تتحول شعارات بعض المسيرات الى تمجيد بحزب البعث وبإنجازاته ويتم ترديد هذه الشعارات مع ضرب الصدور، ولعل البعض منهم كان يبتسم او يضحك عوضاً عن مشاعر الحزن والالم لأغلب المسيرات، فكانت هذه المسيرات غريبة ومستهجنة من قبل اغلب الزائرين في هذه المناسبة القيمة.

 لقد كان التمييز واضحاً بين الصادقين في ولائهم وبكائهم على الحسين (ع) وبين الكاذبين منهم في ذلك الوقت، وبلغت ذروة التمييز في اربيعينية الامام الحسين (ع) في شهر شباط لعام 1977، حيث منع البعث الصدامي مراسم زيارة الاربعين، وتحدى الزوار قرار المنع، وكان من اثر ذلك اعتقال الآلاف من الزوار وإعدام ثلة من المؤمنين منهم؛ لعل المشاركين في هذه المسيرة جميعهم من الصادقين في ولائهم وبكائهم على الحسين (ع)، ولم يشارك الكاذبون في ولائهم للحسين (ع) في هذه المسيرة التأريخية والمفصلية.

أما اليوم فالمشاركون في زيارة الحسين (ع) والبكاء عليه يبلغ عددهم بالملايين في داخل العراق، لقد كان التمييز سهلاً بين الصادقين وبين الكاذبين قبل عام 2003؛ اما الآن فكيف يمكننا  التمييز بين الصادقين وبين الكاذبين من الزائرين للحسين عليه السلام.

لم يقم الحسين عليه السلام بثورته الجبارة لكي يبكيه الناس ويسيروا اليه، وإنما قام بثورته الجبارة انطلاقاً من هدف واضح اعلنه في وقته قائلاً

(إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق)

، الغريب في هذه المقولة ان الحسين عليه السلام لم يقل فمن قبلني لأني حفيد رسول الله (ص) او اي من المميزات التي يتميز فيها الحسين (ع) ولكنه قال (فمن قبلني بقبول الحق) لأن الحق هو الهدف الاساس من ثورته الجبارة، فالذي يزعم انه يحب الحسين عليه السلام ويندبه ويبكيه بكاءً مراً وهو على الباطل فهو ممن لا يقبل الحسين (ع) بقبول الحق، لذلك فدعواه بحب الحسين (ع) هي دعوى كاذبة وبكاؤه على الحسين (ع) هو بكاء كاذب، فلينظر الانسان الى افعاله، فإن كان يقبل بالرشوة، ويأخذ العمولات على حساب مشاريع الدولة، ويعرقل معاملات المواطنين، ولا ينصر المواطن الضعيف، ويكذب في تعامله مع الناس، ويتحين الفرصة لسرقتهم والتحايل عليهم، ولا يخلص في عمله،  فليعلم ان حبه للحسين (ع) حب كاذب وإن تصور انه يحب الحسين (ع)، وإن بكاؤه على الحسين (ع) وإن كان بحرقة فهو ليس ببكاء صادق.

محمد توفيق علاوي

لماذا يعترض المعترضون على محمد علاوي عندما يقول : كم من السائرين إلى الحسين (ع) قلوبهم معه وسيوفهم عليه !!!؛

صورة زوار الحسين

عندما بلغ الحسين (ع) الصفاح في مسيرته من مكة إلى العراق لقي الفرزدق قادماً من الكوفة فسأله ( ما وراءك يا أبا فراس )، فقال الفرزدق ( تركت الناس قلوبهم معك وسيوفهم عليك ) فقال الحسين (ع) ( ما أراك إلا صدقت يا أخا تيم، الناس عبيد المال، والدين لعق على السنتهم يحوطونه ما درت به معايشهم، فإذا محصو بالبلاء، قل الديانون )….

هذا كان وضع أهل العراق سنة ستين للهجرة، فما هو وضعهم في الحاضر؛ الكثير من أهل العراق يندبون الحسين (ع) ويبكونه، ويسيروا إليه بالملايين من كافة أرجاء العراق، فكم من هذا البكاء كان صادقاً، وكم من الماشين إليه يحسبون أنهم مأجورون ولكنهم آثمون بمسيرهم…

لم يرد الحسين (ع) من البكاء تعاطفاً معه فحسب، فقد بكى عليه تعاطفاً عمر ابن سعد وهو يأمر بذبحه، وبكى عليه أهل الكوفة تعاطفاً حين استقبلوا السبايا، فخاطبتهم العقيلة زينب (ع) ( أتبكون؟ وتنتحبون؟ إي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها )…..

ولم يرد الحسين (ع) أن نسير إليه لمجرد المسير، بل أراد أن نسير على نهجه وعلى خطاه وطريقه، كما أرادنا أن نبكي ليس تعاطفاً، فالحسين (ع) لم يستشهد من أجل أن ينال تعاطفنا، بل استشهد من أجل القيم التي رفعها ومن أجل منهجه الذي أعلنه ( إنما خرجت أريد الإصلاح في أمة جدي رسول ألله (ص) )، فأراد بكاءنا ألماً  وتعاطفاً معه للسير على نهجه لمقارعة الظلم والطغيان والفساد ومواجهته بالقسط والعدل والإصلاح وهو ما دعا اليه وأراده في نهضته الجبارة وثورته العظيمة ……

حري بنا أن نسأل أنفسنا. هل نحن صادقون حينما نقول ( يا ليتنا كنا معكم فنفوز والله فوزاً عظيما؟؟ ) حري بنا أن نسأل أنفسنا حين نسير إلى كربلاء ( هل إننا ننال بكل خطوة حسنة وتمحى عنا سيئة؟؟ )

حري بنا حين نذرف الدموع حزناً على الحسين (ع) أن نسأل أنفسنا ( هل حقاً سنكون يوم القيامة مصداق قول الصادق (ع) / كل عين يوم القيامة باكية إلا عيناً بكت على الحسين (ع) فإنها ستكون ضاحكة؟؟ )

إن الذين لا يتورعون عن أكل مال الحرام من عشرات الآلاف من المنتسبين في الدولة من الرشاوى من المواطنين المستضعفين؛ ممن يعتقدون ان قلوبهم مع الحسين (ع) ويذرفون عليه الدمع الغزير، فكأني بالعقيلة زينب (ع) تخاطبهم الآن وتقول لهم كما قالت لأهل الكوفة  ( إي والله فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها ).

و أما الذين يدفعون الرشاوى من التجار والمقاولين لتحال إليهم العقود بغير حق، ومن يستلمها منهم من الموظفين في مؤسسات الدولة،  بل ما يأخذوه من عمولات على حساب البلد والمواطن ممن يظنون ان قلوبهم مع الحسين (ع) ويسيرون أياماً باتجاه كربلاء، فكأنهم بكل خطوة يخطونها  إذا اعتقدوا أن الحسين (ع) سيكون شفيعهم ليغفر لهم ما يتنعمون به من اموال السحت، وإن الله سيغض الطرف عن السرقات  من افواه اليتامى والارامل إنما يدعسون على قيم الحسين (ع) ومبادئ الحسين (ع) وأهداف ثورته العظمى فيزيدوه ألماً، وكأني به يخاطبهم،: ( اجلسوا في بيوتكم وكونوا أناساً صالحين فلكم عظيم الأجر، واجركم يقيناً سيكون اعظم بكثير من مسيركم وانتم غارقون بأموال الحرام )، فإنكم بما سرقتموه من قوت المستضعفين إذا اعتقدتم وانتم مصرون على المعصية ان الحسين (ع) سيشفع لكم ويحلل لكم اموال الحرام، فإنكم مخطئون، بل الامر على النقيض، فإنكم بكل خطوةٍ تخطونها، لا تكتب لكم حسنة او تمحى عنكم سيئة بل ستكتب لكم بكل خطوة سيئة وتمحى عنكم حسنة، فالحسين (ع) لم يثر ليسير الناس اليه وليبكوا عليه ويعتبروا المسير سبباً لتحليل الرشاوى والعمولات، وإنما ثار ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فمن تمثل بنهجه نال بكل خطوة حسنة ومحيت عنه سيئة، نعم قد تظنون ان قلوبكم مع الحسين (ع) ولكن اعلموا انكم بنهجكم هذا فإن سيوفكم عليه، فبئس المنقلب منقلبكم وبئس المثوى مثواكم.

لقد اعترض علي بعض المعترضين وقالوا  [ انك بما تكتب تثبط الناس عن المسير إلي الحسين (ع) ]  فأقول لهم ان هنالك صنفين من الحجب التي تحجب الانسان عن الله، حجب الظلمة وهي الذنوب الواضحة، وهناك حجباً اخرى تسمى بحجب النور كما ورد عن اهل بيت  النبوة عليهم السلام، كالمصلي رياءً، فتلك الصلاة تحجبه عن الله؛ الصلاة بذاتها مستحبة، ولكن الرياء لا يكون سبباً لمحو الاجر فحسب بل سبباً يحيل الصلاة المستحبة إلى اثم وحجاب تحجب عن الله، لذلك قال الله تعالى في كتابه الكريم { فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ } فالله يهددهم بالويل من عذاب شديد في النار،  فقد ساوى الله بين عقوبة الساهي والمرائي في صلاته وبين ذنوب عظيمة اخرى كما ورد في عدة آيات  في قوله تعالى { وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ(*) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (*) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ }وقوله تعالى { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } وقوله تعالى { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍۢ لِّلْمُكَذِّبِينَ }  وقوله تعالى { وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍۢ }، فالتطفيف والهمز واللمز والتكذيب والافك من حجب الظلمة والسهو والمراءات في الصلاة من حجب النور ولكن عقابهم متقارب ولعله واحد؛ فمعاوية ابن ابي سفيان على سبيل المثال آثم بصلاته لنفاقه وريائه، مع ان الصلاة بذاتها امر مستحب بل واجب، اما شرب معاوية للخمر فهذا العمل اثم بذاته، وشرب الخمر هنا ايضاً حجاب عن الله ولكنه من حجب الظلمة لأن اصل العمل محرم؛ وكذلك المسير الى الحسين (ع) اعتقاداً من السائر ان ذلك المسير يجيز له اخذ الرشوة ويبقى مصراً على هذا الذنب وإن ذنبه هذا مغفور بسبب مسيره، فهنا المسير سيكون حاجباً عن الله، نعم  هذا الحجاب من حجب النور لأن العمل بذاته مستحب وهو غير حجاب الظلمة كأخذه للرشوة، ولكنه اثم وحجاب عن الله، والحسين (ع) يرفض هذا المسير إذا كان هذا المسير سبباً للإصرار على الاثم واكل اموال السحت معتقداً ان ذنبه المصر عليه مغفور بسبب هذا المسير، وهكذا يستحيل المسير المستحب إلى اثم كاستحالة الصلاة إلى اثم كما اوضحه الله في كتابه الكريم، لأنه بهذا المسير سيبرر لنفسه اخذ الرشوة وارتكاب الحرام، اي ان هذا المسير سيزيد الانسان ايغالاً في الحرمة وبعداً عن الله وليس العكس، وكما كانت صلاة الساهي والمرائي سبباً لتهديده بالويل من عذاب جهنم، فهذا المسير سيكون سبباً لزيادة الاثم وعقاب جهنم في الآخرة، ويقيناً هذا الانسان ان بقي في بيته غير سائر الى الحسين (ع) وهو مخلص في عمله ونزيه في تعامله مع الناس فهو مأجور لأنه سائر على خطى الحسين (ع) وعلى منهجه، فأنا لا اثبط الناس، وانما اعرفهم بحقيقة الدين التي يجهلها الكثير من الناس، فأنا فيما اكتب [ آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر ]

نصيحتي لكل من يسير هذه المسيرة العظمى إلى كربلاء المقدسة، أن يفكر مع كل خطوةِ يخطوها، بما ذكرناه، إن كان قلبه مع الحسين (ع)؛ ليحكم على نفسه، هل إن سيفه مع الحسين (ع) أم سيفه على الحسين (ع) !!!!؛

زيارة الاربعين بين الحب الصادق للحسين (ع) والحب الكاذب

صورة الحب الصادق

مسيرة الاربعين تعتبر اكبر مسيرة بشرية سنوية على وجه الارض؛ يشارك فيها مواطنون من اكثر من خمسين دولةً في العالم، يقطع فيها الملايين من البشر مئات الكيلومترات، تعم فيها اسمى وانبل مشاعر الاخوة والمحبة والالفة؛ واجل واعلى مشاعر التعاون والتعاضد والتآزر؛ بل تبرز فيها ارفع واحسن واجمل مفاهيم الجود والكرم والسخاء والعطاء والسماحة والاحسان بل حتى الايثار…..

سبحان الله، كل ذلك من بركات الحسين (ع) وبعد ما يقارب الاربعة عشر قرناً من استشهاده

وهنا يبرز تساؤل كبير، هل كان الهدف الاسمى لثورة الحسين (ع) هو مجرد التعاطف مع الحسين (ع) وحبه وهذه الشعائر وهذه المراسيم ومن ضمنها هذه المسيرة الجبارة ؟؟؟

الجواب : كلا ؛ فثورة الحسين (ع) كان هدفها الاسمى كم وضحها الحسين (ع) في انطلاقتها عندما قال : ما خرجت اشراً ولا بطراً وإنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أمَّة جدي رسول الله أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر….

لقد كان اهل الكوفة المعاصرين للحسين (ع) ايضاً محبين له ومتعاطفين معه، ولكنهم رفعوا سيوفهم عليه؛ لقد دخلت زينب (ع) مع البقية الباقية من اهل بيت النبوة الى الكوفة بعد استشهاد الحسين (ع) وهم متعاطفون معها وكلهم بكاء وعويل على الحسين (ع)، ولكن هل كان ينفع هذا البكاء وهذا التعاطف مع الحسين (ع)؛ الجواب جاء من زينب (ع) حين خاطبتهم قائلة: أَتَبْكُونَ وَتَنْتَحِبُونَ؟! إِيْ وَاللهِ فَابْكُوا كَثِيراً، واضْحَكُوا قَلِيلاً، فَلَقَدْ ذَهَبْتُمْ بِعَارِهَا وَشَناَرِهَا، وَلَن تَرْحَضُوهَا بِغَسْلٍ بَعْدَهَا أَبَداً.

اننا نخاطب الحسين (ع) دائماً ونقول : ياليتنا كنا معكم فنفوز والله فوزاً عظيما…..

ان اردنا ان نعرف كم نحن صادقون في مقولاتنا تلك، اننا نزعم اننا محبون للحسين (ع) ولكن نريد ان نعرف هل ان حبنا صادقاً للحسين (ع) ودموعنا صادقة وليست كدموع اهل الكوفة في ذلك العصر وليس حباً كاذباً كحب اهل الكوفة في ذلك الزمان. إن الطريق لمعرفة صدق مشاعرنا وصدق مواقفنا ينبع من مراجعة انفسنا ونحن نخطو الخطوات في هذه المسيرة العظيمة، هل نحن حقاً نطبق ما أراده الحسين (ع)؟

فإن كنا مطبقين لما اراده الحسين (ع) في الالتزام بالمعروف من اقامة الصلاة والصدق والامانة وان نحب لأخوتنا ما نحبه لأنفسنا، وان نتناهى عن المنكر من ايتاء المحرمات والكذب والخيانة واكل اموال السحت من الرشوة والفساد، فهنيئاً لنا وهنيئاً لحبنا الصادق للحسين (ع)؛ وإن كانت مواقفنا على النقيض؛ فهناك خشية كبيرة ان يكون حبنا كاذباً ؛ فلنجعل خطواتنا في هذه المسيرة العظيمة منهجاً لمراجعة اعمالنا وان نعاهد الله وان نعاهد الحسين (ع) ان نلتزم بمبادئ ثورته الكبرى في الالتزام بالمعروف والانتهاء عن المنكر لننال شفاعته الكبرى يوم الورود والمقام المشهود والحوض المورود.

فالحب الحقيقي كما وصفه الامام علي زين العابدين (ع)  في منظومته:

 

تعصي الإله وانت تظهر حبه       هذا لعمرك في الفعال بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته          ان المحب لمن يحب مطيع

 

زوار الحسين (ع) بين إخلاص عامة الناس ورياء سياسيي السلطة

يمكن تصنيف زوار الحسين إلى أربعة أصناف وهم كألتالي :

١.المخلصون لمبادئ الحسين (ع) ولمبادئ ثورته الجبارة، إن الكثير من زواره (ع) يرددون عبارة (ياليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً) فهل نحن صادقون؟ لينظر الإنسان إلى عمله وقوله؛ فإن كان هدفه تحري الصدق من قوله وفعله فهو صادق، أما إن كان يقدم مصلحته الشخصية وإن كانت بالحرام على المصلحة العامة فهو كاذب؛ إن فهم ثورة ألحسين تحتاج إلى مراجعة حقيقية ومراجعة بعمق وتحتاج إلى ربط الماضي بالحاضر. لنمضي على نهجه متوخين الإخلاص لمبادئ ثورته الجبارة.
٢.ألسائرون على سبيل النجاة؛ وهم المذنبون ولكنهم يضعون أمام نصب أعينهم في مسيرهم للحسين (ع) إنها ليست مسيرة على ألأقدام فحسب بل وسيلةً للتوبة من ذنوبهم وللمسير على نهجه؛ إن ألذي يخطوا ألخطوات بإتجاه كربلاء غير متفكرٍ بالحسين (ع) ونهجه فإنه لم يفهم الحسين (ع) ويفهم أبعاد ثورته العظمى، يجب على الزائر الحقيقي أن يجعل تلك ألأيام في المسير إليه دورة حسينيةً على سبيل النجاة؛ أن يعاهد نفسه أن لا يعيد ذنباً إرتكبه؛ أن يتحول بعد هذه المسيرة إلى إنسان آخر، صادق مع نفسه وألآخرين، معاهداً إياها أن لا يكذب ولا يغش ولا يرتشي ولا يقصر في أداء فرضٍ فيكون مصداق قوله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا). وهذا يمثل الفتاة الهولندية التي تظهر على الفيديو، ولعلها من الصنف الأول.
٣.ألمذنبون ألذين يعتقدون أنهم بمسيرهم ستغفر ذنوبهم من دون نية الإقلاع عن الذنب، لا يغفر ذنب الغش إلا بإلإقلاع عن الغش، ولا يغفر ذنب الرشوة إلا بألإقلاع عن الرشوة، ولا يغفر ذنب التقصير بأداء الفرائض إلا بألسعي لأدائها بالتمام؛ إن ألذي يجد نفسه بعد هذه المسيرة كما كان قبلها من دون تغير نحو الأفضل فسيكون مصداق قول الرسول (ص) (من تساوى يوماه فهو مغبون)، فلا تغفر الذنوب بمجرد المسير ما لم يكن هنالك نية التغير نحو الأفضل.
٤.المراؤون؛ وما أكثرهم في يومنا هذا وبالذات من الكثير من السياسيين الذين أخذوا يحكمون العراق بعد ٢٠٠٣، نعم قد كان الكثير منهم يزورون الحسين (ع) وهم صادقون، وألآن البعض يزوروه لكي تنشر صورهم في الإعلام فقط، هؤلاء هم أسوء ألأصناف، وقد وصفهم رسول ألله (ص) في قوله [من طلب الدنيا بعمل الآخرة طمس الله وجهه ومحق ذكره وأثبت اسمه في ديوان أهل النار ]، كما إنهم مصداق قول الرسول (ص) أيضاً [من كان أمسه خيراً من يومه فهو ملعون]، فهؤلاء ملعونون عل لسان النبي الأمي (ص) لا يزدادون في مسيرهم نحو الحسين(ع) إلا إثماً، أعاذنا ألله منهم ومن سلوكهم ومآلهم……